الخميس، 19 نوفمبر، 2015

الخالق السيّئ - إميل سيوران








باستثناءِ بعضِ الحالاتِ الشَّاذة، لا يميلُ الإنسانُ بطبعه إلى الخيرِ؛ إذْ أيُّ إلهٍ سيدفعه إليه؟ عليه أن ينتصر على نفسه، أن يلجُمها، إن هو أراد القيام بأقلِّ حركةٍ غير مساقةٍ بالشّر. يستفزُّ ربَّهُ ويهينه كلَّ مرَّةٍ ينجح في ذلك. وإن حدث وكان خيّرًا دون سعي أو تخطيط، وإنّما بطبعه، فذلك بفضل هفوة علويّة: إنّه يتموضع خارج النظام الكونيّ، حيث إنّه لم يرد في أيّة خطةٍ إلهيّة. ليس بإمكاننا تحديد مكانه بين الكائنات، ولا حتى إن كان منها حقًا. أهو شبح؟
الخير هو ما كان أو ما سيكون، لكنّه أبدًا ليس ما هو قائم الآن. تَطفُل ذكرى أو توقُع، إما غابرٌ أو ممكن، لكن لا يمكن أن يكون حاضرًا أو قائمًا بذاته: لا ينتبه إليه الوعي طالما هو حاضر، ولا يدركه إلاّ حين يختفي. كلُّ شيءٍ يؤكدُ لاماديّته؛ إنّه قوّة عظيمة غير واقعية، إنّه المبدأ الذي أَجهَض، في البداية الأولى، فشلاً وتداعٍ سحيق، والذي تنكشف نتائجه مع مضيّ التاريخ. في النشأة، في ذلك العماء الذي أطلق زحف العالَم باتجاه الحياة، لابدَّ أنَّ شيئًا  فاحشًًا قد حدث، والذي لا يزال، لغاية الآن، يتغلغل في قلقنا إن لم يكن تفكيرنا. كيف يمكن ألأّ نفترض أنّ الوجود قد دٌنِّس في منبعه، الوجود ومعه جميع العناصر؟ ذاك الذي لا يجد نفسه مجبرًا على التفكُّر في هذه الفرضية مرَّةً واحدةً كلَّ يوم على الاقل،  يكون قد قضى حياته مُسرنمًا.
***
إنّ من الصعب، بل من المستحيل، التصديق بأنَّ الإله الطيّب،«الأب»، قد تورّط في عار الخلق. كلُّ شيءٍ يدفعنا لتبرئته، للعثور على إله معدوم الضمير نعزوه إليه، إلهٍ ذميم. الخير لا يَخلق: إنّه يفتقر للخيال اللازم لتشكيل عالَم، حتى ليشكّل عالمًا كيفما اتفق. وإذا توخينا الدقة، يلزم مزيج من الخير والشرِّ لتظهر حركةٌ أو عمل، أو حتى كون مكتمل. أما كوننا، كيفما قلبناه، لا نجد بدًا من رده لإلهٍ مريبٍ عوض إلهٍ جليل.
 قطعًا لم يكن الإله الخيّر مجهزًا ليخلِق: إنّه يمتلك كلَّ شيءٍ عدا الجبروت. عظيمًا بنقائصه (الأنيميا والخير يتآلفان معًا)، يعدُ هذا الاله النموذج الأوليّ لعدم الفاعليّة: ليس بوسعه مساعدة أحد... بالمناسبة، لا نتعلقُ به إلاّ حين نتجرّد من بعدنا التاريخيّ؛ وما إن نستعيده  حتى يغدو الإله غريبًا، لا يعودُ بوسعنا فهمه: أو على الأقل لا يعود لديه ما يسحرنا مجرّدًا من الوحش داخله. بدءًا من تلك اللّحظة نتجه للخالق، لإلهٍ دنيء وحِشَرَيّ، لمدبرِ الأحداث. لنفهم كيف تمكن من الخلق، علينا أن نتخيله متعلقًا بالشّر، والذي يعني الابتكار؛ إذ إن التعلُّق بالخير تعني العطالة. كفاحه هذا بلا شكّ مضرٌّ بالشّر؛ لأنّه لابدَّ أن يخرج ملوثًا بالخير: ما يفسر لماذا لم تكنِ الخليقة شرًّا بالمطلق. 
بما أنَّ الشّرَّ يوجِه  كلِّ ما هو قابل للفساد، أيِّ  كلِّ ما هو حيّ، من السُخف أن تحاول تبيان أنّه موجودٌ أقلّ من الخير، أو أنّه غير موجودٍ على الإطلاق. أولئك الذين يربطون الشَّرَّ بالعدم يتخيّلون أنّهم ينقذون بذلك الإله الطيّب المسكين. لا يمكن إنقاذه إلاّ تحلينا بالشَّجاعة لفصل قضيته عن قضيّة الخالق. لأنَّ المسيحيّة قمعتْ هذه الفكرة، سعتْ جاهدةً طيلة مسيرتها لتثبتَ فرضيّة إلهٍ رحيم، سعيٌ بئيس أدى لإنهاك المسيحيّة والإضرار بالإله الذي كانتْ تسعى لإنقاذه.
لا يمكننا منع أنفسنا من الاعتقاد بأنَّ الخليقة، والتي لم تكن قط أكثر من مسودة خلقية، ما كان من الممكن لها أن تكتمل، ولا استحقتْ أن تكتمل، إنّها في المُحصلة مجرّد خطأ؛ وبناءً على ذلك، تبدو خطيئة الإنسان الشهيرة كنسخةٍ مصغرةٍ عن خطيئةٍ أكبرَ وأشنع. أيُّ شيءٍ هي تهمتنا إن لم تكن أنّنا اتبعنا نموذج الخالق بنوع من الخنوع؟  ندرك في دواخلنا النكبة التي ألمتْ به بوضوح: ليستْ مصادفةً أنّنا نتاجُ إلهٍ شقيٍ وشرير، إلهٍ ملعون.


ترجمة: Achraf Nihilista


الجمعة، 2 أكتوبر، 2015

كيف أنقذ سيوران حياتي؟





كيف أنقذ سيوران حياتي؟ - رولان جاكار:


  • متشائمًا منذ طفولته، سرعان ما أُعجِب الكاتب رولان جاكار بسوداوية إميل سيوران، هذا المفكر الذي سمح له أن يكون أكثر سلاسة في عدميته. شهادة.


رولان جاكار
فريدغارد توما برفقة إميل سيوران


لم يكن الطفل الذي كنته يفهم كيف استطاع والداه إلقاءه في هذا الجحيم الذي هو العالَم. كنتُ أعاتبهم بشّكل لا واع. حتى في أوقات السلم والازدهار. ولكن في عام 1941... كان المراهق الذي كنته قد قرأ بوذا وشاركه تشاؤمه، ولم يكن يعرف أنّه سيقابل في وقتٍ لاحق تمثلاً جديدًا للبوذا: بوذا من الكاربات، ولم يتوقع أن هذا العدميّ الماكر سيصبح صديقه.
قبل أن أذهب لزيارته في منزله في 26 شارع الأوديون، كنتُ قد قرأت له كثيرًا وملأتُ جدران شقتي الصغيرة بشذراته اليائسة. كنتُ أحسب يأسه لاذعًا، وقد كان كذلك. جمع بين مثاليّة الأسلوب والسوداويّة التامة. لم تكنِ القضية أن تكون يائسًا، بل كيف تكون كذلك بأناقة، ألّا تقلّل من أهميّة التناقضات الداخليّة وأن تؤثِثَ بالفكاهة عنف الكلمة. لم يكنِ الشّكل الأدبيّ الذي كان يفضله، أيْ الشذرة، يسمح بأيّة هفوة، حتى أولئك الذين أبغضوه اعترفوا له بجدارته: نجاحه في تحويل الرومانيّ المشاغب والشاعريّ الذي كانه قبل وصوله إلى فرنسا، إلى حكيم يقبل شامفور، باسكال، أو لاروشفوكو أن يضموه لناديهم.
 كانتِ امرأة، سيسي، زوجة فرانسوا جوزيف إمبراطور النمسا وهنجاريا، وفيلسوف شاب انتحر بعمر الثالثة والعشرين: أوتو فايننغر، هما ما خلق صلة بيننا منذ البداية.  نقلتْ ليّ أمي، ابنة مدينة فيينا، شغفها بسيسي. ودفعتني عوائق الحياة الجامعيّة لتوطئة كتاب "جنس وشخصيّة" لأوتو فايننغر، أكبر مُؤلَّفٍ معادٍ للنساء والساميّة كُتبَ على الإطلاق. اكتشف فرويد العبقريّة لدى أوتو، واعتبره هيتلر اليهوديّ الوحيد الذي يستحق الحياة؛ إما سيوران فأعجب بانتحاره المبكر في معقل بيتهوفن – وبكلّ الانتحاراتِ التي تسبّب بها بمجرّد نشره لكتابه. لطالما فضل سيوران بوابًا مشنوقًا على شاعرٍ على قيد الحياة. كان يجذبه سحر الحالاتِ القصوى، وقد وجده عند فايننغر، الذي نال إعجاب 
فيتجنشتاين والإمبراطورة سيسي.

ما كان يجمع سيوران وسيسي هو هوسهما بالانتحار ورغبتهما بهجر العالَم. وفي ذلك الهجر لاقتْ سيسي حتفها؛ إذ طعنها الأناركيّ الإيطاليّ لويجي لوتشيني على رصيف مونت بلان في جنيف، والذي  كان قد أخطأ هدفه. كانت هذه النهاية العبثيّة والمُربكة تجذب سيوران الذي اعتبرها أكبر خدمة قُدِّمَتْ لسيسي.


الإمبراطورة سيسي


نعم، مثّلَتْ سيسي لسيوران التجسيد الحيّ للميلانخوليا. لقد كانتْ تُعّرِّفُ الميلانخوليا تعريفًا جميلاً بالمناسبة: "الميلانخوليا هي حملُ راية سؤال "ما الجدوى؟". إنّها  الشّعور بانتصار المحتوم كلحن دون توقف، كنغمة أساسية للحياة". كان حين يشعر باقتراب الاكتئاب، يخلد للنوم على إيقاعات الفادو. نصحني بأن أفعل ذلك أيضًا، بينما كان يكفيني فرانسواز هاردي. 
نحن مخطئون، رغم كلّ ما سبق، إن تخيلنا سيوران حزينًا أو ساخطًا. حتى في نهاية حياته، حين كان يتظاهر بأنّه لا يزال حيًّا -بتعبير سيوران نفسه-، كان مستعدًا للضحك على كلّ شيءٍ، أو تقريبًا كلّ شيء. أتذكر بهذا الخصوص أنّه أظهر مزاجًا سيئًا مرّتين فقط. المرّة الأولى كانتْ حين عرَّفتُهُ على فيلسوف كانتْ زوجته الشابة حبلى؛ إذ كان يرى أن امتناع المرأة عن الإجهاض دليل على انعدام الإحساس لديها. المرّة الثانية  كانتْ حين طلب منه صديق جامعيّ أن يوقع له إهداءً على كتبه؛ إذ رفض قائلاً إنّ هذه كلّها -في إشارة لكتبه- ليستْ سوى تُرَّاهات. لقد رفض تمامًا أن يُؤخذ على محمَل الجدّ.
 كانتِ العشاءات التي ينظمها بشكل دوري في منزله باذخة، ولكنّه كان يرفض الأكل. نظامه الغذائيّ كان صارمًا: خضار مطهوة على البخار وفواكه مطبوخة بالسُّكَّر. ولكنّه كان يستمتع برؤية أصدقائه يعجبون بأطباقه. فرانسوا بوت، غابرييل ماتزنيف، ليندا لي وديما إيدي هم ضيوفه المفضلون. شكّلنا حول من سميناه "أستاذنا الرائع من دييب" حرسًا مقربًا. لماذا من دييب؟ لأنّه كان يحب قضاء العطلة في كوخه هناك. وعلى الرغم من الطوابق السِتْ التي كان عليه أن يصعدها عدّة مرّات في اليوم ليصل شقته الصغيرة في شارع الأوديون، لم نكن نخشى عليه من شيء. فبالرغم من قامته القصيرة، كانتْ حيويّته استثنائيّة. وكنا غالبًا ما نتركه حوالي الساعة الثانية، أكثر تعبًا ممّا كان هو عليه.
كان يبدي اهتمامًا شديدًا لأصدقائه، وكان حاضرًا دائمًا ليحضر لهم الدواء والفواكه عند أقلّ ألم. على أيّة حال، ما كان يزعجه هو قضائي أنا وماتزنيف أيامًا كاملة في مسبح ديليني تحت شمس حارقة حيث كنا نتواجه في تنس الطاولة. بينما هو كان يفضل الجولاتِ الليليّة حول حديقة اللكسمبورغ. اعترافات، ثرثرة باريسيّة، تقويض مفكرين معاصرين، كل هذا يتم بفكاهية وحس دعابة لم أخبر لهما مثيلاّ إلّا عند ندرة من الكتاب والفنانين، باستثناء رولان توبور وكيلمون روسي، وهما كاتبان كان يحبهما سيوران أيضًا، كما كان يتمرّن على الفن الأصيل من فيينا "لبرودلن"، أيْ أنّه يلعب دور الأبله بذكاء.
دفعه ذوقه الميال للقيامة لامتداح هتلر في شبابه. قبل وفاته بقليل، قام طلبة جامعيون بنشر نصوص تفوح بقوميّة مقيتة أخفاها بحرص شديد. كنتُ متفاجئًا ومحبطًا منها في آن. إذن حتى هو خضع للجنون الذي اجتاح أوروبا في الثلاثينيات. حضرتُ جنازته على مضض تقريبًا، الرسمياتُ التي تتوالى، الصلواتُ الأرثودوكسيّة، غثاثة التكريمات، هذا كلّه أشعرني بالدوار. أين ذهب سيوران الذي عرفته؟ لقد تطلب مني الأمر عدّة سنواتٍ لأجده من جديد. ساعدتني امرأة على ذلك، اسمها فريدغارد توما وكانتْ على علاقة به. وهكذا إذن، حتى سيوران كانتْ له حياتان. كم هذا مريح! ألفتُ كتابًا عما أدين له به، سميّته "سيوران والرفقة" عام 2005. ووضعتُ عنوانًا لهذا البورتريه "كيف أنقذ سيوران حياتي؟" وهو عنوان يشدك مع أنّه تافه. وهكذا، سيوران لم ينقذ حياتي. حيث إنّه لو كان فعلها لاعتبرها فَعلة مشينة. وأنا أيضًا كنتُ لأعتبرها كذلك. ساعدني سيوران على أن أكون أكثر سلاسة في عدميّتي وأكثر حقيقيّة في علاقتي بالآخر. ذلك يستحق أن أكتب له هذا التكريم. أليس كذلك؟




ترجمة: Achraf Nihilista



_____________________________________________________

هوامش المترجم:
  1. الكاربات - Carpates: سلسلة جبلية تتواجد بها مدينة سيبيو حيث وُلد و ترعرع إميل سيوران.
  2. شامفور - Nicolas chamfort: كاتب فرنسيّ منتحِر، عاش في القرن الثامن عشر.
  3. باسكال - Blaise Pascal: فيلسوف ورياضيّ و فيزيائيّ فرنسيّ، كان سيوران من أشد المعجبين بكتاباته.
  4. لاروشفوكو - François de La Rochefoucauld: مفكر وكاتب فرنسيّ اشتهر بكتابه Maximes، يكتب بنفس أسلوب سيوران، أيْ الشذرة.
  5. سيسي - Elisabeth en Bavière: إمبراطورة النمسا وهنغاريا، معروفة باسم Sissi.
  6. أوتو فايننغر - Otto Weininger: كاتب نمسويّ انتحر في سنّ الـ 23.
  7. دييب - Dieppe: من المناطق المفضلة لسيوران في فرنسا.
  8. للتعرف على باقي الأعلام المرجو الضغط على أسمائهم: فيتجنشتاين - فرانسوا بوت - غابرييل ماتزنيف - ليندا لي.

الأحد، 13 سبتمبر، 2015

عصر المائة وأربعين حرفًا - تأملات في فعل الكتابة.






"أنا مُغتاظ من كتاباتي.أنا مثل عازف كمان أذنه ممتازة، لكن إصبعه تأبى إعادة إنتاج الصوت الذي يسمعه داخله." -غوستاف فلوبير



لم أتأمل شيئًا طيلة حياتي مثلما تأملتُ فعل الكتابة، حتى إن تأملاتي هذه ثنتني عن أشياءَ كثيرة أخرى، من ضمنها الكتابة. انتهيتُ إلى أنّ الكاتب لا يكون كذلك بنصوصه أو كلماته، وإنّما برؤيته، بل واعتبرت ُنفسي كاتبًا دون أن أجرؤ على تسويد سطرٍ واحد.
لقد عرفتُ الكتاب الرديئين عن قرب، ووجدتُ أنّ ما يميزهم هو قدرتهم على الكتابة. لا يمكن بأيّ حال اعتبارهم كتابًا، رغم نصوصهم الجيّدة.
حريٌ بالكتاب التوقف عن الثرثرة واستهلاك نفوسهم، بل والنزوع إلى الصّمت. كيف لمن يعرضُ فيضَ انفعالاته ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال أن يرقن الكلماتِ دون أن يشعر  بالعار؟!
لاعتباراتٍ اجتماعية، صار هؤلاء الرديئون يفاخرون بأنّهم لا يكتبون للآخر، بل لنفوسهم. هذه فكرة كلّ كُتاب هذا القرن، وهي -بالمناسبة- استمناءٌ لغويٌّ لا أكثر. الكتابة لا تكون لأحد - ولا حتى للنّفس.
الجبنُ صفة أصيلة في الكاتب، تمامًا مثل التمرّد. إنّه متمرّد سلبي، ضدّ نفسه. من هنا تتضح مهمة الكاتب: إنّه لا يتجاوز نفسه إلاّ ليلاحقها ويبحث عنها من جديد.
أجِدُني أتفقُ مع تلك الفكرة السيورانيّة التي تقول إنّ الانعتاق والخلاص يفيدان الإنسان ولكنّهما يقوضان الكاتب.
 يطاردُ كتاب هذا العصر أيضًا  المشاعر السلبيّة في الفشل، والحال أنّ الظّفَر قد يكون أيضًا منبعًا لها:  ليس الظّفَرُ خطرًا على الكاتب، وإنّما التصالح مع الظّفَر.
عند تسويد الأوراق، الكاتب الجيّد هو كاتب مقتصد، رغم ما يختبره من إغراءاتٍ بالإسهاب والتوسّع. حتى في عصر المائة وأربعين حرفًا، الاقتصاد في الكلمات بما لا يدع مجالاً للتعديل هو ما يميّز الكُتاب، ذاك الذي يقبل تغيير فاصلةٍ واحدةٍ في نصه يكفُّ عن كونه كاتبًا.
ليس الاختلال وحده ما يميز الكاتب الجيّد، ولطالما اعتقدتُ أنّه لا يوجد كاتبٌ جيّد وآخر سيئ، بل يوجد كاتب حقيقيّ، عميق، متوازن ومختل، فاجر وفاضل؛ وشبه كاتب، مجرّد اسم فاعلٍ من "كَتَبَ"، معاق، محدود، متزّمتُ العقل؛ لا يفضي به بحثه عن الكلماتِ إلاّ لمرادفاتها. البحث عن الكلمات هو بالضّبط ما على المرء تجنبه، عليها أن تخرج من روحكَ كالصاروخ بتعبير بوكوفسكي.
وفي النهاية، أكبر خطإ قد يقدم عليه كاتبٌ ما هو أن يبرّرعملاً ما. على النّص أن يظهر شخصيته ويحمل مبرّراته بين سطوره، أن يصير كيانًا مستقلاً ومتمرّدًا على كلّ شيءٍ بدءًا من كاتبه، عليه أن يزيحه ليجد مساحته ومكانه.



بقلم: Achraf Nihilista


الخميس، 10 سبتمبر، 2015

رسالة حول بعض المآزق- سيوران


نص من كتاب "غواية الوجود - "La tentation d'exister" لإميل سيوران.




من اليمين إلى اليسار: ميرسيا إلياد و يوجين يونيسكو وإميل سيوران




لطالما اعتقدتُ يا صديقي العزيز، أنّك بحُبكَ لمُقاطعتِكَ لمْ تكن تمارسُ سوى تمرينٍ في التّحلّل والكرهِ والصّمتِ. ولا أستطيعُ أنْ أصِفَ انعدامَ المفاجأةِ الذي استقبلتُ فيه خبرَ أنّكَ تحضِّرُ كتابًا عنها! مباشرةً، رُسِمتْ في مخيِّلتي صورةَ الوحشِ الذي ستصيره: أعني الكاتِبَ الذي ستصيره. "شخصٌ آخرُ ضَيَّعَ الطريق" هكذا فكَّرت. لعلّكَ لم تسألني عنْ أسبابِ خيبتي هذِه خجلاً؛ وحتى أنا ما كنتُ لأستطيعَ البوحَ بها بصوتٍ عالٍ. "شخصٌ آخرُ ضلَّ الطَّريق، شخصٌ آخر دَمِّرته موهبته." هكذا ردَّدْتُ في نفسي دونَ توقف.


باقتحامِكَ للجحيمِ الأدبيّ؛ ستتعرفُ على أوهامهُ وسمّه؛ مطرودًا منَ الآني بنسخةٍ مُشَوّهةٍ عنْ نفسك؛ لن تخوضَ سوى تجاربَ معروفةٍ ومشبوهةٍ؛ سيغمى عليكَ في الكلمةِ. ستصيرُ الكتبُ موضوعَ جميِعِ محادثاتك. وبالنّسبةِ للأدباءِ، فلن تنالَ منهم أيَّ شيءٍ يذكر. ولن تدركَ هذا حتى تُضَيِّعَ أجملَ سنواتكَ في مجالٍ بلا أيِّ عمقٍ أو محتوى.

الأديبُ؟ إنّه مدَّعٍ يحُطُ منْ قيمةِ مآسيهِ بكشفها والرجوعِ إليها دونَ توقّفٍ. المجُونُ -عرضُ أفكارهِ الخفيّة- هو قاعدتهُ؛ إنّه يهبُ نفسه. كلُّ شكلٍ من أشكالِ الموهبةِ لا بدَّ أنْ يكونَ مصحوبًا ببعضِ الغطرسةِ والاستعراض، لا يُستثنى منْ هذه القاعدةِ إلا العقيم، ذلكَ النّبيُّ الذي يطمسُ نفسهُ وسرّهُ؛ إذ إنّه يهملُ فكرةَ كشفِ سرِّه: المشاعرُ المكشوفةُ هي معاناةٌ معروضةٌ للسُّخريةِ، صفعةٌ في حقِّ روحِ الدُّعابةِ. احتفاظُ المرءِ بسرِّهِ حتمًا صفقةٌ ناجحة له؛ لأنَّ السرَّ يسيطرُ عليكَ، ينخركَ منَ الأعماقِ ويهدِّدُك. حتى حينَ يكونُ موجَّهًا لله، يشكِّلُ الاعترافُ اغتيالاً لنفوسنا وللنّوابضِ الأساسيةِ لكينونتنا.

القلقُ، العارُ، الفزَعُ وكلُّ الحالاتِ التي تسعى مختلفُ الطّرقِ الدينيَّة -والدنيئة بشكلٍ عام- لتخليصنا منها، تشكِّلُ تراثًا لا ينبغي أنْ نتخلّى عنهُ مقابلَ أيِّ ثمن. علينا أنْ نُحصِنَ نفوسنا ضدَّ أولئك الذين يسعونَ لشفائِنا. علينا أنْ نحافِظَ على آلامنا وأخطائنا حتى لو كلّفنا هذا حياتنا. 
كرسيُّ الاعترافِ: انتهاكٌ باسمِ السَّماءِ لعقولٍ خطَّاءةٍ. والانتهاكُ الآخرُ يتكفلُ به التحليلُ النفسيّ!
بعدَ علمَنَتِهِ وتَعْهِيْرِهِ، سيشيدُ كرسيُّ الاعترافِ ذاتَ يومٍ عندَ كلِّ ملتقى طرقٍ: لا ينقصنا سوى المزيدِ منَ المخطئينَ حتى يسعى الجميعُ لينالَ روحًا مفضوحةً على ملصقٍ عموميّ.



ترجمة: Achraf Nihilista




الأربعاء، 5 أغسطس، 2015

مقتطف من نزيه أبو عفش



مقتطف من نزيه أبو عفش



صورة  للشّاعر نزيه أبو عفش




سأُسوِّي حسابي مع الوقت. سأُسوِّي حسابي معَ العالَم. 
كإلهٍ نشيط، كطاغية، كشاعرٍ مائلٍ إلى الصَّمت..
أنقرُ على غلافِ الكوكبِ وأُوقِظُ سكانهُ منَ الذُل.  
أطلقُ البركانَ منْ قوقعتهِ وأحرِّرُ العاصفةَ منْ نومها.
أمزِجُ السّماءَ بالأرضِ وأقفلُ روحَ العالَم.
أقطعُ الممراتِ إلى الماضِي .. وأُلغي الحَرَكَة.
أتكئُ على أسراري وغموضي وأحلُمُ بالزلازل..
ثمَّ أجلسُ في الهواءِ المُعْتِمِ وأرْقُبُ هلاكَ العالَم.

والعالَمُ، جميعًا.. جميعًا.. جميعًا، يطلقُ صرختهُ المستديرةَ الكاسِرة، كامرأةٍ تدركُها اللّذَّةُ في خاتمةِ الاغتِصاب.

: إليكم عني

لا رحمَةَ لأحد

لا غُفرانَ لأحد
موتًا. موتًا. موتًا. هذا ما أريدُ أنْ أصنع.
موتًا. موتًا. موتًا. هذا ما أُعِدُّ..
موتًا. موتًا. موتًا. هكذا أتقي هذا العالَم.





الاثنين، 3 أغسطس، 2015

حوار مع أوريل سيوران (شقيق إميل سيوران)




حوار مع أوريل سيوران Aurel Cioran  (شقيق إميل سيوران)



حاوره كلاوديو موتي Claudio Mutti

أجريَ هذا الحوار في سيبيو-رومانيا في الثالث من أغسطس 1995( يصادف تاريخ اليوم أيضا)، أيْ بعد حوالي شهرين من وفاة إميل سيوران.
نشر لأول مرّة في مجلة  Origini- العدد 13  فبراير1996.


ملاحظة: س اختصار لسؤال، و أ.س اختصار لأوريل سيوران.




صورة لإميل سيوران مع شقيقه أوريل


 
س: في إعادةِ تسميةِ شوارعِ بوخارسيت، نجدُ اليومَ اسمَ مرسيا إلياد، لكنْ في سيبيو، لا وجودَ لشارعٍ باسمِ إميل سيوران. ماذا يمثلُ سيوران بالنسبةِ لمواطنيه في سيبيو في الوقتِ الحاضِر؟

أ.س: تسميةُ شارعٍ أو مكانٍ أمرٌ راجعٌ للسلطاتِ البلديّة. يستغرقُ الأمرُ في العادةِ مرورَ بعضِ الوقتِ على وفاةِ الشّخصيّةِ حتى يطلقَ اسمها على الأمكنة. بخصوصِ سكانِ سيبو وبخاصةٍ المثقفونَ المحليون، لنْ يكونَ بوسعهم إعطاءُ إجابةٍ دقيقةٍ على سؤالك.


س: سأعيدُ صياغةَ السؤال. في مدينةٍ توجدُ فيها كليّةٌ لللاهوت، إلى إيِّ مدىً يمكنُ أنْ يرحبَ بمفكرٍ يقفُ موقفَ النفيّ والهدم (منْ حيثُ المظهرِ على الأقل..) مثلَ أخيك؟


أ.س: لقدْ أبليتَ حسنًا حينَ أضفتَ( منْ حيث المظهر). في فقرةٍ حيثُ يتحدثُ عنْ نفسهِ بطريقةٍ غيرَ مباشرةٍ والتي نُشرتْ لأولِ مرَّةٍ في الأعمالِ الكاملةِ لدى دارغاليمار. يتحدثُ أخي بالضّبط عنْ مفارقةِ الفكرِ النافي والمنكرِ ظاهريًا. يكتبُ:"نحنُ في حضرةِ أعمالٍ متدينةٍ وملحدةٍ في الآنِ نفسه، حيثُ تعبرُعنْ هذا الأمرِ لمسةٌ صوفيّة". بالطبع، أجدُ أنَّ منَ السخافةِ محاولةُ إلصاقِ علامةِ الملحدِ على ظهرِ أخي، كما قد فعلوا في حقه لسنواتٍ طويلة. يتحدثُ أخي عنِ الله في كلِّ صفحةٍ كتبها بلهجةٍ صوفيّةٍ صادقةٍ أصيلة. عنْ هذا الموضوعِ بالضّبط تحدثتُ في ندوةٍ عقدتْ هنا في سيبيو. سأقتبسُ فقرةً أخرى تعودُ لعامِ 1990 نُشرتْ بالرّومانيّة في مجلةِ أغورا:" شخصيًا، أعتقدُ بأنَّ الدينَ أعمقُ كثيرًا منْ أيِّ نسقٍ فكريّ يأتي به العقلُ الإنسانيّ وأنَّ الرؤيةَ الحقيقيّةَ للحياة هي رؤيةٌ دينيّة. الإنسانُ الذي لم يجتزْ مصفاةَ الدينِ ولم يختبرْ أيَّ إغراءٍ دينيّ هو إنسانٌ فارغ. بالنسبةِ ليّ، تاريخُ العالَمِ معادلٌ لتفشي "الخطيئة الأصليّة" ومنْ هذه الناحيةِ أجدُّ نفسي أقربَ إلى الديِّن".


س: لنتحدثْ عنْ علاقةِ سيوران بأماكنِ طفولته وصباه. هل طلبتَ منه الحديثَ عنِ سيبيو ورازيناري؟


أ.س: تذكرَ أشياءَ كنتُ قد نسَيتُها أنا تمامًا. قالَ ليّ يومًا على الهاتف:" أرى أمامي كلَّ حجرٍ منْ شوارعِ رازيناري". احتفظَ طيلةَ حياته بصورٍ حيّةٍ عنِ الحياةِ التي تركها في رومانيا.


س: ألم يعرِبْ عنْ رغبته بالعودة قَطُ؟


 أ.س: قالَ ليّ حينَ افترقنا عامَ 1937 وهو يبلعُ ريقه، على متنِ القطار:" منْ يعرفُ متى سنتلقي مجدّدًا". ولم نلتقِ إلاّ بعدَ أربعين سنة، ولكنْ ليس في بلادنا. لطالما رغبَ بالعودة. عام 1991 كان منَ الضروريّ أنْ يحزمَ أمتعته قاصدًا رومانيا. لكنَّ المرضَ اشتدَ عليه، كان عليه أنْ يعود للمستشفى. واضطرَّ في تلك اللّحظاتِ الأخيرةِ لاستخدامِ كرسيّ متحرك. قطعًا كان يخشى أنْ يجدَ واقعًا مختلفًا تمامًا، إنْ هو عاد. وفي الحقيقة كانتْ تغيراتٌ كثيرةٌ قد حدثت؛ في رازيناري، تغيرتِ البنيةُ الاجتماعيّةُ تمامًا: تقريبًا معظمُ سكانِ القريةِ يعملونَ في المدينة، مما يؤدي بالضرورة إلى تغيير العقليّة. كلُّ شيءٍ كان مختلفًا حينَ كنا يافعين. في رازيناري، كنا أطفالَ شوارع، نقضي اليومَ كلّه نمشي عبرَ الحقول، الغابات والأنهار..


س: .. وعنْ كوستا بواشي؟


أ.س: نعم، بالطبع، تطرَّقَ بلا انقطاع، وبندمٍ كبير، لهذه الجنّة التي هي كوستا بواشي. قالَ:" أيُّ نفعٍ جنيته منْ تركِ كوستا بواشي؟". في ذلك الحين، كانتْ تلك المراعي، قربَ البالتينيس، حيثُ كنا نذهبُ كلَّ صيف. كنا نقضي شهرًا في كوخٍ بدائيّ للغاية يطلُّ على غابةٍ حيثُ يسودُ جوٌّ بديع.


س: كنتَ قريبًا جدًا منْ أخيك، ليس فقط في سنواتِ الطفولةِ ولكنْ أيضًا في صباك وشبابك. حدثني عمّا مررتما به منْ تجاربَ مشتركة..


أ.س: كنا نحضرُ دروسَ ناي يونسكو في الجامعة. كان هذا البروفيسور شخصيّةً استثنائيّة!  كثيرون يجيئونَ ليحضروا دروسه وليس الطُلاب فقط. وحتى بعده تركه للجامعة، تردّدَ أخي هناك ليحضرَ دروسَ البروفيسور. ذاتَ يوم، مباشرةً  بعدَ انتهاءِ المحاضرة، سألَ ناي يونسكو:" ماهي الأمور التي ينبغي أنْ أتحدثَ عنها مرّةً أخرى؟". أجابه أخي بعفوية:" عنِ الضَّجر". لذا خصّصَ ناي يونسكو محاضرتينِ لموضوعِ الضَّجر. لاحقًا، بعدَ أنْ عَدِمَ خصومه الوسيلةَ للنيلِ منه، إذ إنّه كان العقلَ الموجه لجيلِ المفكرينَ الشباب كلّه، الذي كان مؤيدًا لحركةِ  لجينوير، اتهموه بـ..السّرقةِ الأدبيّة! هذه الهجمات الدنيئة.. كانتْ منْ تدبيرِ عصابةٍ إجرامية، التي بدأتْ بمهاجمةِ هايدغر، ومنْ ثمَّ حاولتْ إلصاقَ هذه التّهمة بإلياد..  


س: وحتى دوميزيل!


أ.س: دائمًا بذريعةِ العداءِ للساميّة. في رومانيا، مرَّتْ فترةٌ شاعَ فيها العداءُ للساميّة، كردِّ فعلٍ على وفودِ مليونِ يهوديّ منْ غاليسيا. كانتْ هذه مشكلةً حقيقيةً في تلك الأيّام. لكنْ  كان لديَّ شعورٌ بأنَّ هذا الرّجل الذي  حاولَ تجريمَ إلياد، نويكا ومفكرينَ آخرينَ منْ حركةِ الجيلِ الشّاب، سوف يحققونَ نتائجَ عكسيّة لما أرادوه..


س: لقد كنتَ ناشطًا في حركةِ ليجونير. هل عرفتَ كورنيليو كودريانو؟


أ.س: كان رجلاً مميزًا منْ جميعِ النَواحِي. كان يملكُ الكاريزما. غالبًا ما قلتُ إنّه أكبرُ كثيرًا منَ الشّعبِ الرومانيّ، المفرط في الجديّة، المفرط في الرزانة. أرادَ إصلاحًا جذريًا مؤسسًا على الدين. كان عقلاً متدينًا للغاية. ثمة أمرٌ آخر يدهشني اليوم: الطريقةُ التي عالجتْ بها حركةُ ليجونير المشاكلَ الاقتصادية. لقد فتحتِ الحركةُ مطاعمَ وكافتيرياتٍ حيثُ قدموا وجباتٍ محترمة، مع كميةٍ محدّدةٍ منَ النبيذ.  ما بدا ليّ عجيبًا في هذه الفكرة هو أنَّ سعرَ الوجبةِ لم يكنْ موحدًا. كلٌّ كان يدفعُ حسبَ إمكانياته واستمتاعه بالوجبة. 



س: أينَ عرفتَ الكابتن؟ 


أ.س: في بوخاريست، لأنّي كنتُ أدرسُ الفقه هناك. لكنّي التقيته مرتينِ أو ثلاثًا في معسكرِ عملٍ للجيونير. كان رجلاً مميزًا منْ جميعِ النَواحِي.




ترجمة: Shiva Okleh









الخميس، 30 يوليو، 2015

الجزء الخامس و الأخير: موت أوليفييه بيكاي - إميل زولا




ملاحظة: سيتوفر رابط لتحميل القصة كاملةً قريباً جداً.






الفصل الخامس:

فِكرتي الأولى كانت أنْ أذهبَ لحارسِ المَقبرة، لكيْ يقودني إلى حيث أُقيم. لكنَّ أفكارًا ضبابيّةً أَوْقفتني. سأُخيفُ كلَّ العالَم. لماذا أتسرّعُ ما دُمتُ مُسَيْطرًا على الوضعِ الآن؟ تحسّستُ جميعَ أعْضائي، ليسَ عليها مِنْ أثرٍ سوى آثارِ أسناني على يدي اليُسرى؛ والحمّى النّاتجةُ عنْ هذه العضّةِ منحتني قوّةً غيرَ متوقّعة. كنتُ قادرًا على المَشي دونَ مساعدة.
أخذتُ وقتيّ كاملاً ولم أستَعجِل. راودتني كلُّ الأحلامِ مختلطة. تحسّستُ بجانبي أدواتِ الحفّارين، وانتابتني رغبةٌ باستخدامها لأُصلحَ ما أفسَدتُه: أنْ أعيدَ القَبرَ كما كانَ لكيلا ينتبهَ أحدٌ لعَودتي للحياةِ. في هذه اللّحظةِ لم تكنْ لديَّ أيّةُ فكرةٍ واضحةٍ عمّا أريدُ فعلهُ؛ اعتقدتُ أنّه منَ العبثِ أن أُشهرَ مغامَرَتي، وَأنّه لمنَ العَارِ أنْ أعودَ للحياةِ في الوقتِ الذي اعتقدَ فيهِ الجَميعُ أنّني ميّت. بعدَ نصفِ ساعةٍ منَ العملِ، أزلتُ جميعَ الآثارِ وأعدتُ القبرَ لحالتِه الأولى، ثُمَّ طفِقتُ مغادرًا إيّاه. 
يا لها منْ ليلةٍ جميلة! الصّمتُ والهدوءُ يعمّانِ المقبرة. الأشجارُ السّوداءُ شكّلتْ ظلالاً لا تتحرّكُ وسطَ بياضِِ القبورِ. في أثناءَ بحثي عنِ الطريقِ الّذي عليّ أَخْذُه، لاحظتُ نصفَ سماءِ باريسَ مشتَعلةً علامةً على حريقٍ. كانتْ باريسُ في هذا الاتجّاه، توجّهتُ نَحوها عابرًا منْ شارعٍ طويلٍ في ظُلمةِ أعضائي. ولكن، بعدَ خمسينَ خطوةً تقريباً، توقّفتُ منْ شدّةِ التّعب. جلستُ على كرسيّ حجَريّ، وحينها فقَط تمكّنتُ مِنْ مشاهدةِ نفسي: كنتُ ألبسُ لباسًا محترمًا، بلْ ومتناسقًا، تنقصهُ فقط قبّعةً ليصيرَ كاملاً. كمْ سأشكُرُ مارغريت على الإحساسِ العظيمِ الّذي جعلَها تختارُ ليّ أحسنَ اللِّباسَ! وقفتُ فجأةً على ذكرى مارغريت، أنا أرغبُ برؤيَتها.
نهايةُ الشّارعِ كانتْ مسدودةً بحائطٍ، تسلّقتُهُ بمساعدةِ حجرة هناك، وحينَ بلغتْ القّمةَ، قفزتُ للجهةِ الأُخرى. كانتْ قفزةً مؤلمة.
ثمَّ أخذتُ أمشي بشارعٍ كبيرٍ مقفرٍ تمامًا جانبَ المقبرة. كنتُ أجهلُ موقعي تمامًا ، لكنّني ردّدتُ في ذهني فكرةً واحدة: أنّني سأعودُ لباريسَ وسأجدُ شارعَ دوفين. كانَ النّاسُ يمرّونَ منْ أمامي لكنّني رفضتُ أن أسألَ أيًّا مِنهُم، كانَ ذلك بدافعٍ منْ خوفِ أنْ يتمَّ كشفي إنْ أنا انفتَحْتُ على أحدِهِم. كنتُ أعلمُ أنّني سأكونُ ضحيّةَ حمّى قويّةً هذا اليَوم، إذْ بدأَ الألمُ يعصِفُ برأْسي.
وبينَما كُنتُ أمْشي في طريقٍ مفتوحٍ، سقطتُ مغشيًّا عليَّ على رصيفِ الشّارع.
هنا، ثقبٌ أسودُ في ذاكرتي. بقيتُ ثلاثَ أسابيعَ دونَ وعيٍ. وحينَ استَيقظتُ، وجدتُ نفسي في غرفةٍ لا أعرفُها. كانَ هناكَ رجلٌ يرْعاني. أخبَرَني أنّه حملني بعدَ أنْ وجدني ذاتَ يومٍ على الرّصيفِ بشارعِ مونبارناس، وحملني لمَنْزلهِ حيثُ اهتمَّ بي. كانَ طبيبًا مسنًّا توقّفَ عنْ مزاولةِ المهنةِ. حينَ هَمَمْتُ بشُكرِهِ، صدّني قائلاً إنّه وجدَ حالتي غريبةً وإنّه أرادَ دراسَتَها. حتّى أنّه منعَ عليّ أيَّ سؤالٍ في أيّامِ نقاهَتي الأولى. وبعدَها، هوَ نفسُهُ لم يَعُدْ يسأَلُني. بقيتُ مدّةَ ثمانيةِ أيّام أُخرى مُمدّدًا على السّريرِ، كانَ خلالها تَفكيري بطيئاً، ولم أسْتطِع تذكّر أيِّ شيءٍ، لأنَّ التّذكرَ كانَ شاقًّا ومؤلماً. كنتُ أشعُر بالكثيرِ منَ الخوْفِ... والعَارِ.
حينَ شعرتُ أنّني قادرٌ على الخروجِ، ذهبتُ لأراه. ربّما نطقتُ أسماءً في أثناءِ هذياناتِ الحمّى، لكنّه لمْ يلمِّحُ بأيّةِ إشارةٍ لما قدْ أكونُ نطقتُ بهِ. بقيَ منغلقًا على ذاتِهِ.
في خضمِ هذا كلّه، حلَّ الصّيفُ. نَجحتُ في أخذِ إذنٍ للقيامِ بجولةٍ قصيرةٍ في أحدِ صباحاتِ يونيو. كانتْ صبيحةًَ جميلةً حيثُُ الشّمسُ تعيدُ لشوارعِ باريسَ شَبابَها. مَشيتُ بهدوءٍ، وسألتُ العابرينَ إرشاداتٍ عندَ كلِّ مفترقِ طرق، عنْ طريقِ شارعِ دوفين. وصلتهُ أخيرًا، وبالكادِ عرفتُ الفندقُ المفروشَ حيثُ أقمنَا. انتابني خوفٌ طفوليّ منْ أنْ أظْهرَ فجأةً لمارغريت وأتسبّبَ في قتلِها. اعتقدتُ أنّه منَ الأفضلِ أنْ ألتقيَّ السّيدةَ غابين أوّلاً وأُخبِرَها بما حدث. لم تكُنْ تُعجِبني فكرةُ أنْ أُقحِمَ أحدُهم بينَنَا. لم أسْتقرَّ على قرار. في أعماقِ نفسي، كانَ هُناك فراغٌ كبير، كتضحيةٍ قمتُ بها منذُ زمنٍ بعيدٍ.
كانَ المَنزلِ أصفرَ منْ تأثيرِ الشّمسِ. عرفتُه عنْ طريقِ مطعمٍ وحيدٍ يوجدُ بالطّابقِ السّفلي، كنّا نطلبُ منهُ الطّعامَ. رفعتُ عيني لأرى النّافذة الأخيرةَ منَ الطّابقِ الثّالثِ على اليسارِ.
كانتْ مفتوحةً عنْ آخرِها؛ وفجأةً، ألقتْ شابّةٌ نظرةً منَ النّافذةِ، وشاهدتُ خلفَها رجلاً اقتربَ مِنها و قبّلَها في عنُقِها. لم تكُن تلكَ مارغريت، ولمْ أشعُر بأيّةِ مفاجأةٍ من هذا الأمرِ. وكأنّني توقّعتُ سلفاً حدوثَ هذا مع أشياءَ أُخرى سأعرِفها قريبًا.
بقِيتُ للحظةٍ في الشّارعِ لا أعرفُ ماذا أفعل، فكّرتُ أنْ أصعدَ وأسألَ هؤلاءِ العاشقينِ المنغمسينِ في الابتسامِ أمامَ أشعّةِ الشّمسِ. ثمَّ قرّرتُ أنْ أَدخُلَ المطعمَ الصّغيرِ. لنْ يتعرّفَ عليَّ أحد: نمتْ لي لحيةٌ خفيفةٌ في أثناءِ أزمتي الصّحيّة، وصارَ وجهي أنحَفَ. مع جلوسي على الطّاولَة، تراءَت ليّ السّيدةُ غابين وفي يدِها قِرشَيْنِ لتشْتري فنجانًا منَ القَهوةِ؛ تسمّرتْ أمامَ البَائعةِ، كانتا تتحدّثانِ عنِ الأحداثِِ ككلِّ يوم. جلستُ أستمعُ بانتباه.
-حسناً! قالتِ البائعةُ، ما كانَ قرارُ تلك المِسكينةُ منَ الطّابقِ الثّالثِ؟
-ماذا تعتقدين؟ أجابتِ السيّدةُ غابين، كانَ ذلكَ أفضلُ ما يمكنُ فعلُه. أظهرَ لها السّيدُ سيمونو الكثيرَ منَ الصّداقة!... لقدْ أنهى جَمعَ ميراثه الضّخم لحسنِ الحظّ، واقترحَ أنْ يأخُذَها معهُ إلى بلدتِه، لتعيشَ معَ إحدى عمّاته الّتي تحتاجُ شخصًا يمكنُ الوثوقَ بهِ إلى جانِبها.
ارتسمَتْ ضحكةٌ خفيفةٌ على وجهِ البائعةِ. أخفَيْتُ وجهي الشّاحبَ بجريدةٍ، وارتعدَتْ يدايَ على إثرِ الخبَرِ.
-سينتَهي الأَمرُ بزواجٍ بينهُما دونَ شكّ، واصلتِ السّيدةُ غابين.
لكن أُقسِمُ لكِ بشرفي أنّني لم أُشاهدْ بينهُما أيَّ أمرٍ مريب. كانتِ الفتاةُ تبكي وفاةَ زوجها، والسّيدُ سيمونو كانَ يتصرّفُ معهَا جيّدًا... حينَ ستنتهي فترةُ حدادِها، سيفعلانِ ما يبدو لهُما لائقًا، أليسَ كذلك؟
في هذه الأثناءِ، انفتحَ بابُ المطعَمِ عنْ آخرهِ، ودخلتِ الصّغيرةُ ديدي.
-أمّي... ألنْ تصْعدي؟ أنا أنْتظرُكِ، تعالَي بسُرعة.
-سآتي فورًا، أنتِ تزعجينَني! قالتِ الأمّ.
ظلّتِ الصّغيرةُ تُنصتُ لحديثِ السّيدتَينِ باهتمامٍ لا يلائمُ طفلةً دُفِعَت لشوارعِ باريس في سنٍّ مبكّرة.
-بعدَ كلِّ شيء، لم يكنْ الفقيدُ ليجاري السّيدَ سيمونو في أيِّ شيءٍ، قالتِ السّيدةُ غابين، لم أشاهِدْ عليهِ علاماتِ الرّجولةِ، هذا الهشّ. كانَ يئنُّ باستمرارٍ. ولم يكُنْ يملكُ المال. لا! رجلٌ بهذه المواصفاتِ لا يلائمُ سيّدةً جميلة... بينما السّيدُ سيمونو رجلٌ غنيّ، وقويٌّ جدًّا كالأتراكِ...
-آه، قاطعَتهُم الصّبيةُ، لقد شاهدتُهُ ذاتَ يومٍ بينما كانَ يستحمّ، يداهُ ممتلئتانِ بالشَّعر.
-ألم تذهبِي بعدُ؟ صرختِ السّيدةُ غابين بديدي ودفَعتْها، أنتِ تحشرينَ أنفكِ دائمًا في ما لا يخصّكِ.
ثمَّ لنختِم هذا الحِوار:
-لقد أحسنَ الآخرُ لها بأنْ ماتَ. أتاحَ لها فرصةً غيرَ مسبوقة.
حينَ خرجتُ للشّارعِ، مشيتُ ببطئٍ. بالكادِ حملتني ركبتايَ، لكنّي لم أشعُرْ بالألمِ.
لقد بلغَ بي الأمرُ أنْ ضحكتُ حينَ رأيتُ ظلّيَّ منبعثًا على الأرضِ. في الحقيقةِ، لقد كنتُ غثًّا بأن تزوّجتُ مارغريت. ثمَّ تذكّرتُ معاناتَها في غيراند، قلَقها، حياتها البئيسةَ والمتعِبة. كانتْ زوجتي العَزيزةُ جيّدة. لكنّني لم أكُنْ أبدًا عشيقَها، لقد بَكَتْ فقدانَ أخٍ. لماذا أُفسدُ حياتها مرّةً أخرى؟ المَيّتونَ لا يغارون. حينَ رفعتُ رأسي شاهدتُ أمامي حديقةَ اللوكسمبورغ. دخلتُها واتّخذتُ ليّ مقعدًا في الشّمس، مستغرقًا في حلمٍ هادئ. فكرةُ مارغريت جعلتني أرِقُّ. تخيّلتُها في إحْدى المقاطعاتِ، سيدةً في إحدى المدُنِ الصّغيرةِ، سعيدةً ومحبوبةً للغاية. تخيّلتها أجملَ، وأمًّا لثلاثِ أولادٍ وبنتَيْن. حسناً! لقد كنتُ رجلاً شجاعًا بأنْ مُتّ، ولنْ أقدِمَ على تلك الحماقةِ الفظّةِ بأنْ أعودَ للحياةِ.
منذُ ذلك الوقتِ، سافرتُ كثيرًا، وعشتُ كلَّ فترةٍ في مكانٍ معين. أنا رجلٌ نكرة، يعملُ و يأكلُ كما يفعلُ الجميعُ. لم يعُد المَوتُ يُرعبُني؛ لكنْ بدا لي أنّه لم يَعُدْ يرغبُ بي هو الآخر، الآنَ بعدَما لم يعدْ لي أيُّ سببٍ للحياةِ، أخشى أنَّ المَوتَ قدْ يَنساني.


-تمّت-


ترجمة: Achraf Nihilista

السبت، 25 يوليو، 2015

الجزء الرابع: موت أوليفييه بيكاي - إميل زولا





للوصول للجزء الأول: يرجى الضغط هنا.
للوصول للجزء الثاني: يرجى الضغط هنا.
للوصول للجزء الثالث: يرجى الضغط هنا.


الفصل الرابع:


كم منَ الوقتِ سأبقى على هذه الحالِ؟ لا أدري.
الثّانيةُ الوَاحدةُ تساوي الأبديّة حينَ يتعلّقُ الأمرُ بالعدمِ. لمْ أعد موجوداً. عادَ وعيي شيئاً فشيئاً. كنتُ ما أزالُ نائماً، وسرعانَ ما بدأتُ أحلمُ. نجحَ كابوسٌ في التّحررِ من القاعِ الأسودِ الّذي يحدّ أفقي. وذلك الحلمُ الّذي كنتُ به هو إحدى تخيّلاتي الغريبة الّتي عذّبتني طويلاً في الماضي، بعينين مفتوحتين، حينَ كانتْ تُساعدُني طبيعتي المُتقبّلةُ للبشاعةِ على تذوّق هذه اللّذة الشّنيعةِ في خلقِ مصائبَ لِنَفسي.
تخيّلتُ إذن أنّ زوجتي تنتَظرني في مكانٍ ما، فِي غيراند، وأنّني أَخَذتُ القطارَ لأصلَ إليها، وبينما يَعبرُ هذا القِطارُ نفقاً، وصَلَنا صوتُ انفجارِ. كان هذا صوتَ انهيارَيْنِ صخريينِ حدثَا في الوقتِ نفسِه. لم يلحق القطارَ أيّ أذى؛ فقط مدخلُ و مخرجُ النّفق اللّذَيْنِ أغلقَا. و هكذا حُبِسنَا داخلَ جبلٍ  بَينَ حجرَيْنِ كبيرَيْنِ للغاية. و بقينا على هذه الحالِ حتى تيقنّا أنّها لحظاتُنا الأخيرةُ، إذْ لم يكن هناك أيّ أملٍ للإنقاذِ أو النّجاةِ؛ يَلزمُهُم شهرٌ كاملٌ على الأقل ليفتحوا إحدى الجِهتيْنِ؛ وحتّى إنْ تحمّلنا ذلك الشّهر، فإنّ عمليّةَ الإنقاذِ في غايةِ الخطورةِ و تتطلّبُ حذراً كبيراَ وآلاتٍ ضخمة. وجدنا إذن أنفسنا سجناءَ في كهفٍ دون مخرجٍ. لم يكن موتنا جميعاً إذن إلّا مسألةَ ساعاتٍ.
دائما ما تكرّر هذا الحدَثُ المُريعُ في ذهني. وكنتَ أطوّرُ هذه الدْراما إلى ما لا نهاية. لديّ العديدُ من الشّخوصِ في ذهني، من أطفالٍ ورجالٍ و نساء، أكثر من مائةِ شخصٍ، يتعاونون لمنحي حلقاتٍ جديدة كلَّ مرّة. كانت هنالك بعض الاحتياطات في القطارِ؛ لكن سرعانَ ما تناقصَ الطّعامُ، وقبلَ أن يبلغوا مرحلةَ أكلَ بعضِهم بعضاً، كان هؤلاء المساكينُ الجَوْعَى يتقاتلون حتّى آخرِ قطعةِ خبزٍ. رأيتُ رجلًا طاعناً في السّن يحتضرُ بعد أن ضربهُ أحدهم؛ وأُمًّا تقاتِلُ كالذّئابِ لحمايةِ آخر ثلاثِ أو أربعِ مُضَغٍ من أجلِ طِفلِها. وفي العربةِ حيث ركبتُ، كان هناك شابّ حديثُ العهدِ بالزّواج ملتصقٌ بزوجته ولا يكاد يفارقها، لم يأملا في أيّ شيءٍ، و لم يتحرّكَا أبداً. كانت الطريقُ مفتوحةً، والنّاسُ ينزِلونَ و يطوفونَ جميعَ أنحاءِ القطارِ كوحوشٍ مسعورةٍ تبحثُ عن فريسةٍ. اختفَتِ الطّبقاتُ تماماً، كان هناك رجلٌ غنيٌّ جداً، وهو موظّف عالي المقام، يبكي معانقاً عاملاً، ويحدثّه بصيغةِ المُفردِ كما يحدّث أصدقاءهُ. بعد مرورِ ساعاتٍ قليلةٍ، انطفأت جميعُ الأنوارِ، وأضواءُ قمرةِ القيادةِ أُضمِرت هي الأخرى. حين كانوا يمرّون من عربةٍ إلى أخرى، كانوا يتحسّسون الطّريقَ بيدهم خِشيةَ السّقوطِ أو الارتطامٍ بشيءٍ ما، ومَشوا بهذه الطّريقةِ حتّى بَلغوا قُمرةَ القيادةِ النّائمةِ، بقوّتها الكبيرةِ الّتي لا تفيدُ وصَمتِها وسُكونِها في الظّلام. لا شيءَ ينشُرُ الرّعبَ أكثرَ من هذا القطارِ، المحبوسِ كليًا تحتَ الأرضِ، كأنّه مدفون حياً. مع المسافرينَ به الّذين يموتونَ واحداً تلو الآخر.
تمالكتُ نفسي وخرجتُ من القطارِ، أصواتُ الصّراخ تنتشِر في الظّلام.
فجأةً، سقط شخصٌ على كتفي، كان شخصاً لم يسبقْ ليّ أنْ رأيتُه ولم اكنْ أَعلمُ حتّى بوجودِه. لكن، ما عانَيْتُ منه خصوصاً، كان البردَ وقلّة الهواءِ. لم يسبِق لي أن شعرتُ بالبردِ لهذه الدّرجة؛ سَقطتْ عليَّ كمّية كبيرةٌ من الثّلجِ، وكانتِ الرّطوبةُ الخانقةُ تطبقُ على رأسي. كِدتُ أختنقُ مع كلِّ هذا، كأنَّ الصّخرةَ الّتي تحدّ النّفق موضوعةٌ على صدري، وكأنّ الجبلَ نزلَ بكلّ ثقله عليّ. في خضم ذلك كلّه، سمعتُ صوتَ صراخٍ. منذ مدّة ونحن نسمعُ ضجيجاً يأتي من بعيدٍ، وكنا نقول في أنفسنا إنّهم يعملونَ على إنقاذنا وإنَّ ذلك هو مصدرُ الضّجيجِ.  لكنَّ الخلاصَ لم يأتِ منْ هناك، وجدَ أحدُ الأشخاصِ ثقباً في النّفقِ، وركضنا مجتمعين باتّجاهِ هذا الثّقب الّذي تراءتْ لنا بقعةٌ زرقاءُ من خلاله. أوه! يا لها منْ سعادة، هذه البقعة الزّرقاء! لقد كانتِ السّماء. كنا نتقدّم صوْبها لنتنفّس. لاحظنا نقاطًا سوداءَ تتحرّك في الأعلى، لا بدّ أنّهم عمّال القطارِ يسعوْن لإنشاءِ رافعةٍ بغرضِ إنقاذنا. انطَلَقَتْ صيحةٌ حماسيّةٌ في الفضاءِ:
"لقد نجونا! لقد نجونا!" خَرجتْ موحّدةً من جميعِ الأفواهِ، بينما كانت أيادي الجميع مرفوعةً باتجاهِ البقعةِ الزّرقاءِ.
كانت حدّة وحماسّةُ صيحاتِهم الِتي أيْقظتني. أيْن أنا؟ في النّفقِ بلا شكّ! وجدتُ نفسي مستلقياً، وتحسّستُ على يميني و يساري جِدارانِ قويّان يمنعانني من الحرَكَة. أَرَدْت النّهوضَ، ولكن رأسي ارتَطمَ بشيءٍ قاسِ. هلْ كان هذا الحَجرُ مطبقاً عليَّ منْ كلِّ الجهاتِ؟ حتى أن البقعةَ الزّرقاءَ اختفت تماما. لم أعد ألمحُ السّماءَ ولوْ حتى من بعيدٍ. بالكادِ كنتُ أتنفّس، وأقشعرّ جسدي منَ الخَوفِ.
وتذكّرتُ فجأةً كلّ شيءٍ. شعرتُ بخوفٍ شديدٍ منَ الحقيقةِ غيرِ المرغوبة التي سرَتْ في جسمي كلّه، من أسفلِ قدمي حتّى أعلى رأسي. هل خرجتُ أخيراً من هذا الإغماءِ الّذي أصابني لساعاتٍ طويلةٍ بتخشّبٍ تامٍ؟ نعم، أنا قادرٌ على تحريكِ يدي في كافّة أنحاءِ هذا النّعش. بقي أمرٌ واحدٌ لأتأكّد من أنّني حيّ: فتحتُ فمي و نطقتُ منادياً مارغاريت بعفويّة. ناديتُها صارخاً، وتردّد الصّوتِ في هذا المكانِ جعلهُ يبدو مرعباً لدرجة أنّني ارتعدتُ عندَ سماعهِ، يا إلهي!
هل هذا حقيقيٌ؟ إنْ كان كذلكَ فهذا يعني أنّه بإمكانيَ المشيُ، والصّراخُ أنني حيّ، لكنّ صراخي لن يُسمع، لأنّني محبوسٌ في صندوقٍ ومدفونٌ تحت الأرضِ.
تطّلب منّي الأمرُ الكثيرَ من الجهدِ لأهدأَ وأعودَ إلى رشدي. أ لا توجدُ وسيلةٌ للخروجِ من هنا؟ عدتُ للحلمِ منْ جديدٍ إذْ لم أكن صلبَ التّفكيرِ بعد. ذهبتُ بخيالي للثّقب في النّفقِ و البقعةِ الزّرقاءِ، مع واقعِ الحُفرةِ حيثُ أختنق. كانت عينايَ مفتوحتانِ في الظّلام وتبحثانِ عبثاً عن ثقبٍ أو فتحةٍ ينفذُ منهَا شعاعُ ضوءٍ. وحدها شراراتُ نارٍ كانت تظهرُ من حينٍ لآخرَ، تظهرُ حمراءَ واضحةً، تكبرُ ثم تضمرُ. لا شيءَ، هوّةٌ سحيقةٌ مظلمةٌ لم أستطِع استيعابَها. بعدها استعدتُ وعيي وأبعدتُ عني ذلك الكابوسَ. كان عليَّ أنْ أستعيدَ عقلي كلّه إنْ أنا أردتُ بلوغَ الخلاصِ. أوّلُ وأكبرُ خطرٍ أواجههُ هو تناقصُ الهواءِ والاختناقِ. لا شكَّ أنّني بقيتُ مدّةً طويلةً دونَ هواءٍ، ذلك عائدٌ للإغماءِ الّذي عطّلَ كلَّ جسدي؛ لكن الآن وقلبي ينبضُ ورئتايَ تتنفّسانِ، سأموتُ اختِناقاً. وإذا لم أخْرُج سريعاً، سأعاني أيضاً من البردِ، ولَكَمْ أخشى أن أموتَ بهذا الخدرِ القاتلِ الّذي يصابُ به أولئك الّذين يسقطونَ في الجليدِ، دون أن تعودَ لهم القُدرةُ على الوقوفِ.
و أنا أكرّرُ لنفسي أنّني يجبُ أنْ ألتزمَ الهدوءَ، اجتاحَت موجةُ حماقةٍ أخرى دماغي. ومن ثمَّ أخرجتُ منه كلَّ ما أعرفُه عنْ طرائِق الدّفن. دون شكٍّ، أنا في قبورِ الخمسِ سنواتٍ؛ منحني ذلك بعضُ الأملِ، لأنّني لاحظتُ ذلك منْ قبلُ في نانت، إنَّ هذا النّوعَ منَ القبورِ يتركُ قدمَ آخرِ نعشٍ مدفونٍ ظاهرةً، سيكفيني إذن كسرُ الخَشبةِ أمامَ رجلي لأهرُبَ. لكن إنْ كنتُ في قَبرٍ لوحدي، فهذا يعني أنّه ثمّة  كميّةٌ هائلةٌ منَ التُّرابِ تعقوني.
لقد سمعتُ في الماضي أنّهم يدفنونَ بعمقِ ستة أقدامٍ في باريس. كيف سأحفِر عبر تلك الكتلةِ منَ التّراب؟ حتى وإنْ نجحتُ في فتحِ النّعش، ألن تنفذَ إليّ التربة كرمل دقيقٍ وتملأ فمي وعيني؟ وسيكون ذلكَ أكثرَ منْ مجرّدِ وفاةٍ، ستكونُ وفاةً شنيعةَ، غرقاً في الطّين.
رغم ذلك، تحسّست بيدي كلَّ ما حولي. كان النّعش كبيراً بما يكفي لأحرك يدي بأريحية. لم يتركوا أيَّ ثقبٍ في الغطاءِ العلوي. في اليمين و اليسار، لم تكنِ الأخشابُ مقطوعةً بشكلٍ جيّدٍ لكنّها كانت قويّة وصلبةً. جمعت يديّ على مستوى صدري، لأرفَعَهُما إلى رأسي. وهناكَ، اكتشفتُ عقدةً في خشبةِ الطّرفِ تُفتحُ بسهولةٍ تحتَ الضّغط؛ عملتُ بجهدٍ كبيرٍ على فتحِها، وحينَ أخرجتُُ إصبعي، عرفتُ نوعَ التّربة، كانت تربةً طينيّةً مبلّلةً. لكنَّ هذا لنْ يقودني إلى شيءٍ، حتّى إنّني ندمتُ على فتحِ هذه العقدةِ كما لو أنَّ التّربةَ كانتْ ستَدخل. تجربةٌ أخرى كانتْ تشغَلني: أنْ أضربَ على جنباتِ النّعش لأرى هل هناكَ منْ فراغٍ حولي. لكنَّ الصّوتَ كان نفسهُ. ولأنّني كنتُ أضربُ بقدمي على الطّرف الآخرِ، اعتقدتُ أنَّ الصّوت مختلفٌ منْ هناكَ، ربّما الأمرُ راجعٌ لطبيعةِ الخَشبِ. وهكذا بدأتُ دفعاتٍ خفيفةٍ بيدايَ نحوَ الأمامِ، ولأنَّ الخَشبَ كانَ قويًّا، استعنتُ بركبتيّ، مستندًا على القَدمينِ ووسطِ الجسمِ. لم يحدثْ أيُّ شيءٍ، ما دفعني إلى أنْ أستعملَ كلَّ قوّتي، و أدفعَ بكاملِ جسدي، على نحوٍ شديد، حتى بدأتُ أسمعُ صوتَ عظامي،  في تلك اللّحظةِ استشطتُ غضباً.
حتى الآن، قاومتُ الدّوارَ ونوباتِ الغضبِ الّتي تتصاعدُ من حينٍ لآخرَ في جسدي كالسّم، وحرصتُ حرصاً شديداَ على كتمانِ صراخي، لأنّني علمتُ أنّني إنْ صرختُ سينتهي أمري. ولكنْ بعدَ لحظةٍ، بدأتُ في الصّراخِ والعَويلِ، لقد تجاوزَني هذا تماماً. كنتُ أصرخُ طالباً النجدةَ بأصواتٍ خارجةٍ منْ حنجرتي ولم أستطِعْ تمييزها. كلُّ نداءٍ غيرِ مستجابٍ كان يزيدُ منْ توتّري ويجعلني أصرخُ أكثرَ وأكثرَ لأنّني لا أريدُ المَوتَ. ثمَّ خدشتُ الخشبَ بأظافري، كنتُ أتشنّج مثلَ ذِئبٍ محبوس. كم منَ الوقتِ ستدومُ هذه الورطة؟ لا أعلم، لكنّني أشعرُ بصلابِة هذا النّعش الّذي لم يَلِن، كانتْ تتردّدُ في أذني عاصِفةُ الصّراخِ والضّربِ الّتي قُمتُ بها توّا. كنتُ أريدُ منعَ نفسي عَن ذلكَ لكنّني لم أستطِع.
أدى ذلك كلّه إلى موجةِ حُزْن. كنتُ أنتظرُ الموتَ وأنا داخلَ غيبوبةٍ مقيتة. هذا النَّعشُ أقربُ ما يكونُ إلى الحَجَر، لنْ أتمكنَ منْ إحداثِ شقٍّ به؛ وهذا اليقينُ بهزيمتي جعلني غيرَ قادرٍ على الحركة، وأفقدني أيّةَ رغبةٍ في المحاولةِ منْ جديد. انضمتْ معاناةٌ جديدةٌ إلى البَردِ والاختناق، معاناةُ الجُوع. أنا أضْعُفُ شيئًا فشيئًا، وهذا العذابُ يصيرُ غيرَ محتمل. حاولتُ أنْ أدخل بإصبعي بعضَ التُرابِ منَ العُقدة التي فُتِحَتْ سابقًا لآكله، ما ضاعفَ عذابيّ كثيرًا. كنتُ أعضُّ يدي، دونَ أنْ أجرؤ على خمشِها. لحمي يغويني لأكله، لحستُ جلديّ دونَ أنْ أملُكَ الشّجاعةَ لأغرسَ أسناني به.
آهٍ كم كنتُ أتمنى الموتَ في هذه اللّحظات! ارتعبتُ طيلةَ حياتي منَ العدم، والآن أريده، أرغبُ به، مهما كانتْ حِلكته، فلنْ يكونَ أحلكَ منْ هذا الوضع. أيّةُ صبيانيّةٍ في أنْ ترفضَ النّومَ دونَ أحلام، هذا الصمتَ المقفِرَ والظلامَ الأبديّ! ليسَ الموتُ جيّدًا إلاّ لأنّه يمحي الوجودَ بضربةٍ واحدة، دونَ عودة. آه! أنْ ترقُدَ مثلَ الأحجار، أنْ تتحللَّ وسطَ الطِين، أنْ لا توجدَ بعد!
 استمرتْ يدايّ في تحسُسِ الخَشبِ بطريقةٍ آلية. فجأةً، شعرتُ بوخزةٍ في إبهامِ يدي اليُسرى، ساعدني هذا الألمُ الخفيفُ على الاستيقاظِ منْ تأملاتي. ما كانَ هذا إذن؟ أعدتُ التحسسَ منْ جديد، وعرفتُ أنّه مِسمار. مسمارٌ غرسه متعهدو الدَّفنِ في النَّعش لكنّه لم يمسكِ الخشب. كانَ مسمارًا طويلاً وحادًا يمسِكُ رأسه غطاءَ النّعش، لكنّي أحسستُ أنّه يتحركُ كثيرًا. منذُ تلك اللّحظة، استحوذتْ عليَّ فكرةٌ واحدة: أنْ أنتزِعَ ذلك المسمار. مرَّرْتُ بيديّ اليمنى منْ على بطني وشرعتُ بتحريكه. لم يفضِِ ذلك العملُ المضني إلى شيء. كنتُ أبدِلُ اليدين كثيرًا، لأنَّ يديّ اليسرى كانتْ قريبةً منْ مكانِ المسمار، ما كانَ يؤدي إلى إرهاقها بسرعة. بينما كنتُ منهمِكًا في العمل، كانَ ذهني يعملُ ويخطِط. لقد صارَ هذا المسمارُ مُفتاحَ نجاتي، صرتُ أريده بأيِّ ثمن. أمازالَ في الوقتِ متسع؟ الجوعُ يقتلني، اضطرّرتُ للتوقفِ خوفًا منْ دوارٍ يشلُّ يدي، بدأ تركيزي يتداعى. لحسْتُ القطراتِ القليلةَ التي تسيلُ منْ إبهامي. ثمَّ انتهيتُ لقضمِ يدي، وشربِ دمي. دُفِعْتُ تحتَ تأثيرِ الألمِ وهذا النبيذِ الأحمرِ الذي يبللُّ شفاهيّ إلى الشُروعِ في العملِ منْ جديدٍ بقوَّةٍ أكبر. لقد نجحتُ في اقتلاعِ المسمار.
 منذُ هذه اللّحظة، آمنتُ بالنّجاح. كانتْ خطتي بسيطة: أنْ أُدْخِلَ الجهةَ الحادةَ منَ المسمارِ في الخشبِ وأرسمَ خطًا مستقيمًا طويلاً قدرَ المُستطاع، أنْ أنبشَ بالمسمارِ جيئةً وذهابًا لحدِّ إحداثِ شرخٍ في الخشبة. بدأتْ يدايّ في التصلّب، لكنّني كنتُ مُصّرًا. بعدَ  انقضاءِ مدّةٍ على هذه الحال، اعتقدتُ أنّني أضعفتُ الخشبَ بما يكفي، ففكرتُ أنْ أستديرَعلى بطني وأحاولَ الوقوفَ مُستنِدًا على اليدينِ و الركبتين، دافعًا الخشبَ بالجزءِ الأوسطِ منْ جسمي. ولكنْ، إنْ لم ينفتحْ هذا النّعش، فذلك يعني أنّني لم أنبشْ بالمسمارِ كفايةً، وأنَّ الشرخَ لم يكنْ عميقًا بما يكفي. كانَ عليَّ أنْ أستديرَعلى ظهريّ منْ جديدٍ وأستمرَ بالنّبش، ما كلفني جهدًا كبيرًا.
أخيرًا حاولتُ منْ جديد، هذه المرَّةُ انفتحَ النّعشُ منْ الأعلى كاملاً، في الحقيقة، لم أكنْ قد نجوتُ بعد، لكنَّ الأملَ استولى على قلبي.
 توقفتُ عنْ الدفعِ وعنِ الحركة، مخافةَ أنْ أقومَ بحركةٍ خاطئةٍ تؤدي إلى دفني تحت التراب. كانتْ خطتي أنْ أستعملَ غطاءَ النّعشِ كحمايةٍ ليّ منَ الترابِ بينما أحاولُ شقَّ مخرجٍ فيه. للأسف، كانَ هذا العملُ صعبًا للغاية: كانتْ تلك الكتلُ الطينيّةُ تفلتُ وتحدثُ تصدعاتٍ في الخشبِ مُصعِبَةً عليَّ المهمة؛ لنْ أبلغَ السطحَ أبدًا، إذ إنَّ الترابَ كانَ يضغطُ على عموديّ الفقريّ ويدفعني للأسفلِ في التراب.
تملكني الخوفُ حينَ مدَّدتُ رجليّ للأمامِ باحثًا عنْ نقطةٍ أستندُ إليها، ووجدتُ أشبه ما يكونُ بالفراغِ يتلو الخشبةَ التي تحدُّ النّعش، وكانتْ تبدو ضعيفةً حينَ أضغطُ عليها. رفستُ بقوَّةٍ بأسفل قدمي، معتقدًا أنَّ ثمة حفرةً في ذلك المكان، أنَّ هنالك حفرةً أخرى خلصوا منْ حفرها.
فجأةً، أحسستُ برجلي في الفراغ. كانتْ نبوءتي صحيحة: توجدُ حفرةٌ جديدةٌ هناك. لم يكنْ أمامي سوى حاجزٍ ترابيّ ضعيفٍ أحفره حتى أخرج. يا إلهي! لقد نجوت!
بقيتُ ممدَّدًا على ظهري للحظةٍ وعيني على الثقبِ في الأسفل، كانَ الوقتُ ليلاً، والنجومُ متوهجةٌ في السّماء. يصلُّ منْ حينٍ لآخر بردٌ خفيفٌ ليذكرني بجوِّ الربيع. يا إلهي! لقد نجوت، إنّني أتنفس، أشعرُ بالحرارة، أبكي ناطقًا كلامًا غيرَ مفهوم، ويدايّ مفتوحتانِ أمامَ الفضاءِ الشاسع. آه! ما أجملَ أنْ يعودَ المرءُ للحياة!






...يُتبع



ترجمة: Achraf Nihilista

الأحد، 19 يوليو، 2015

الجزء الثالث: موت أوليفييه بيكاي - إميل زولا





للوصول للجزء الأول، يرجى الضغط هنا.
للوصول للجزء الثاني، يرجى الضغط هنا.




الفصل الثالث:


لمْ يعدْ بإمكاني الحديثُ عنِ احتضاري في صبيحةِ اليوم الموالي. كانَ الأمرُ أشبهَ بكابوسٍ مروِّعٍ جعلَ مشاعري في تفردٍ واختلاطٍ منقطعِ النظير، لدرجةٍ يصعبُ عليَّ معها التعبيرُ عنها. انتظارُ استيقاظٍ مفاجئٍ كانَ يجعلُ عذابيَّ أقسى وأقسى، وكلّما اقتربتْ ساعةُ الدَّفنِ أكثر، تمكنَ الخوفُ مني أكثر.
استغرقَ الأمرُ حتى حلولِ الصَّباحِ لأستعيدَ وعيي بما يدوُر منْ حولي. صريرُ فتحِ النافذةِ أيقظني منْ غفوتي. كانتِ السَّيدةُ غابين هي منْ فتحَ النافِذة. كانتِ السَّاعةُ حوالي السابعة صباحًا، لأنّني سمعتُ صوتَ الباعةِ في الشَّارع، وصلني صوتُ فتاةٍ صغيرةٍ تبيعُ الكزبرة، وأخرى تبيعُ الجزَّر. هذا الاستيقاظُ المزعجُ لباريسَ هدأني أولَ الأمر: منَ المستحيلِ أنْ يكونَ مصيري الترابُ وسطَ كلِّ الحياةِ المحيطةِ بي. ثمَّ تبادرتْ إلى ذهني ذكرى طمأنتني تمامًا، تذكرتُ حالةً مشابهةً لحالتي، حدثتْ حينَ كنتُ موظفًا في مستشفى غيراند: نامَ أحدهم مدةَ ثمانٍ وعشرين ساعة، كانَ نومه عميقًا جدًا لدرجةِ أنَّ الأطباءَ حاروا في إعلان وفاته؛ ثمَّ تمكنَّ هذا الرجلُ في النهايةِ منَ الجلوس، لقدِ انتهى به الأمرُ بأنِ استيقظ. أنا نمتُ مدّةَ خمسٍ وعشرينَ ساعة، إذا حدثَ واستيقظتُ حوالي العاشِرة صباحًا، فلنْ يكونَ الوقتُ قد تأخرَ بعد.
بَدَأْتُ أحاولُ مَعرفةَ مَا يقومُ بِه كلُّ شَخصٍ مِن حَولِي. الصَّغيرةُ ديدي كَانت تلعبُ أمامَ الغُرفةِ، لأنّني سَمعتُ ضَحكاتِ طِفْلٍ تَنفذُ عبرَ بابِ الغُرفةِ المَفتوحِ. دُونَ أدنى شّك، لم يكنْ سيمونو في الغُرفةِ: لا يُوجَدُ أيُّ أَثرٍ لحضورهِ. كُنتُ أَسْمعُ صوتَ شِبشبِ السّيدةِ غابين. وأخيرًا سَمعتُ صَوتًا جَديدًا.
-عزيزتي، أنتِ مُخطئةٌ بِعدمِ شُرْبكِ إِيّاهَا سَاخِنةً. قالتِ العَجوز.
مِنْ صَوْتِ الإِبريقِ على نارِ المِدفأَةِ، فَهمتُ أنّهما تَتحدّثانِ عنِ القهوةِ.
-ليسَ لِمجردِ الحَديثِ، لكنّني احتجتُ هذا دَائِمًا، وَاصلتِ العجوزُ حَديثَهَا، فِي عُمري هَذَا،  لا يَضرّني السّهرُ أَبداً. وَأَعلمُ كَم يَكونُ اللّيلُ شَاقًّا في أثناءِ أحداثٍ بمثلِ هذَا السّوءِ... اشرَبي إذن بَعْضَ القهوةِ  يا عزيزتي، رَشفةً واحدةً فقط.
ثمَّ سَاعدتْهَا على شُرْبِ فِنْجانٍ كامِلٍ.
-كيفَ وَجدْتِها إذن؟  إنّها سَاخنةٌ وسَتُفِيدُكِ. أنتِ تحتاجينَ الكَثيرَ مِنَ القوّةِ للوقوفِ حتى آخرِ النّهار... الآنَ سَيكونُ جَديرًا بِكِ الذّهابُ إلى غُرفتي والانتظارُ هُناكَ...
-لا، أريدُ البَقاءَ هُنَا. أَجابتْ مارغريت في حزمٍ.
لَمْ أسمعْ صوْتها منذُ البارحَةِ، لقد أثّرَ عليَّ سماعهُ الآن. بَدا صوْتُها مُتَغيّرًا، مُنكسِرًا منَ الألمِ.
آه! يَا زَوجتيَ العَزيزة! كُنتُ أحِسّها قَريبةً مني، وكأنّه عًزاءٌ أخيرٌ. وَأعلمُ أَنَّ عَينهَا لَمْ تُغادِرني طوال اللّيلِ، وأنّها ستبْكيني حتى آخرِ دَمْعِهَا.
مرَّتِ الدَّقَائِق، وسَمِعْتُ عندَ البابِ ضجيجًا لم أكنْ قادرًا على تفسيرهِ أوّلَ الأمرِ. كانَ شبيهًا بِصوْتِ نقلِ أثاثٍ عَبْرَ سُلّمِ الفُندقِ الضّيقِ. ثمَّ فَهمتُ الأَمرَ حينَ سَمعتُ مارغريت تبكي. لَقد كانَ ذلك النّعش.
-لقد جِئْتُم بَاكِرًا جدًّا، قالتِ السَّيدةُ غابين في انزعاجٍ واضحٍ، ضَعوهُ خَلفَ السّرير.
كم كانتِ السّاعةُ حينَها؟ أَعتقدُ أنّها التّاسِعَة. وكانَ نَعْشِي قد وَصل. وكُنتُ أراهُ في منامي سميكًا، جديدًا، وكأنَّ ألْواحهُ عُدِّلَت للتّو. يا إلهي! هل انتهى كلُّ شيء؟ هل سأُحمَلُ في هذا الصّندوقِ الّذي أتَحسّسه عندَ قَدَمي؟
انْتابَتْنِي مَع ذَلِكَ سعادةٌ لا تُوصَف. مارغريت، ورغمَ إرهاقها الشّديد، أرادتْ أنْ تعتنيَّ بي. تولتْ بنفسها مهَمةَ إلباسي بمساعدةِ السَّيدةِ غابين، بحنانِ الأختِ والزَّوجة. شعرتُ أنّني بينَ ذراعيها مرَّةً أخرى، مع كلِّ قطعةِ ثوبٍ تُلبسني إيّاها. وتوقفتْ وهي متأثرةٌ جدًا؛ عانقتني حتى بللتني دموعها. تمنيتُ لو أستطيعُ ردَّ عناقها وأصرخ: "أنا حيّ!" بقيتُ كما أنا، لا حولَ لي ولا قوَّة، مجردُ كتلةِ لحمٍ جَامدة.
-أَنتِ مُخْطئة، كلّ هذا سَيضيع. قالتِ السّيدةُ العَجوز.
أجابتها مارغريت بِصوتٍ مُتَقَطّعٍ:
-دَعيني، أُريدُ أنْ أُلبِسهُ أَجْملَ ما نَملكُ.
فَهمتُ أنّها تُلبِسُني مَا كنت أَرْتَدِيه في يَومِ زفافِنا. احتفظتُ بملابسِ ذلك اليومِ، و قَرّرْتُ أن لا أَسْتعمِلها في باريس إلا في الأيّامِ المُهِمة. بعدها، رَمَتْ نَفسهَا على الكُرسِي، مُتعَبَةً من كلّ ذلك المَجْهودِ الّذي بَذَلتُه.
ثم تدخّل سيمونو فجأةً، لا بد أنَه دَخَلَ تَوّا:
-إِنّهُم في الأَسفل.
-حسناً، لَم يَأتوا باكراً، أجابت السيدة غابين، ثمّ خَفَضَت صَوْتَهَا قَائِلَةً، أَخُبرهُم أن يَصْعدوا، عَلَيْنَا إِنْهَاءُ الأَمرِ.
-أنا خائِفٌ من انهيارِ هَذه المِسكينة.
-اسمع، سيّد سيمونو، خُذْهَا بالقُوّة لِغُرفتي... لا أُريدها أن تَبْقَى هُنا. هذا لِمَصْلَحَتِهَا... وسَنُنهي الأَمْرَ بِسُرْعَةٍ.
لامَسَت كَلِمَاتُها هَذِه قَلْبِي مُبَاشَرَةً. مَاذَا سَأَفْعَل، حينَ أَسْمعُ مُقاوَمَتَهَا لهم. اقتربَ سيمونو من مارغريت، وَ رَجَاهَا أن تَتْرُكَ الغُرْفَة.
خاطَبَهَا قَائِلاً:
-أرجوكِ، تَعالي مَعِي... أَريحِي نفسكِ مِن مُعَانَاةٍ لا تُفِيدُ في شيءٍ.
-لا، لا، أجابت زَوْجَتِي، سَأبْقَى، أُريدُ الَبقاءَ حتّى آخرِ لَحْظَةٍ. فَكِّر قَليلاً، لَيسَ لي غَيرهُ في هَذَا العَالمِ، وسأكونُ وَحيدةً تَماماً حين يرحل.
ولكن، قُربَ السّريرِ، هَمَسَتْ السّيدةُ غابين في أُذنِ سيمونو قائِلةً:
-هيّا، مَاذا تَنْتَظِر؟ احملهَا بيْنَ ذِراعَيْكَ.
هَل سَيَفعلُ سيمونو؟ هَل سَيَحملُ مارغريت بين ذِراعيْهِ؟ مُباشَرةً بعدَ هذَا، سَمعتهَا تَصرخُ. تمكّن منّي غضبٌ شَديد، أردتُ أنْ أقف، لكنَّ نَوابِضَ لَحمي لمْ تكنْ تَعملُ. وَبقيتُ جامدًا، لا أَستطيعُ حتى أنْ أَرفعَ جَفني لأَرى ما يَحدُثُ هناك، أَمامي مُباشرةً. استَمرَّتْ مُقاوَمَةُ زَوْجتي، كانتْ تُمسِكُ بالأثاثِ مردّدةً:
-أرجوكَ، أرجوكَ يا سيّد... أُترُكني، لا أُريدُ.
لا بدَّ أنّه يُمسِكُها بَين ذِراعَيْهِ، لأنّها لمْ تعُد تَتفوّهُ سِوى بِصَرخاتٍ طُفوليّةٍ. ضَاعتْ صَرخاتُها عَبثًا، لم تَعُد تَصِلُني، تخيّلتُ أنّني أراهُما، هو كبيرُ وصَلبٌ، يَحمِلُها على كَتفِه، وهي غارِقةٌ في دُموعِها، مُنكسِرةً، ومُستسْلِمةً لهُ يحمِلُها أَينمَا شاءَ.
-يا للعجب! لقدْ كانَ ذلك صعبًا! همهمتِ السَّيدةُ غابين. هيّا، أسرعوا! ما دامتِ الغرفةُ فارغة.
في ذَروة الغضبِ والغيرةِ اللتين تجتاحانني، بدتْ لي عمليةٌ حملها كاختطافٍ حقير. لمْ أرَ مارغريت منذُ الأمس، لكنّني كنتُ أسمعها.
والآنَ انتهى الأمر؛ منعوها عني؛ وهي الآنَ مع رجلٍ محظوظٍ برفقتها، حتى قبلَ أنْ أدفَن.
لقدْ كانَ معها، يفصلني حائطٌ عنهما، وحده معها ليواسيها، وربما ليقبلها!
فُتِحَ البابُ منْ جديد، سمعتُ هذه المرَّةَ خطواتٍ ثقيلةً تمشي في الغرفة.
-أسرعوا! أسرعوا! ردَّدَتِ السَّيدةُ غابين، لا بدَّ أنَّ زوجته المسكينة تحاولُ العودة.
كانتْ تتحدثُ لرجالٍ لا تعرفهم ولا يردونَ عليها إلاّ بهمهمات.
-أنا لستُ منْ عائلته، أنا منْ جيرانه فقط. ليسَ لي أيُّ ربحٍ في هذا كلّه. أفعلُ هذا كلّه فقط لأنَّ حسنَ المعاملةِ واجبٍ بينَ الجيران.
 لمْ أقضِ كلَّ الأمورِ بعد... نعم، نعم، لقدْ قضيتُ ليلّة هنا.
 حتى إنَّ الجَّوَ لمْ يكنْ حارًا، حوالي السَّاعة الرابعة.
حسنًا، لقد كنتُ دائمًا غبيّة، لكنّني طيبةٌ للغاية.
في هذه الأثناء، جروا النعشَ إلى منتصفِ الغرفة، وفهمت. لقدْ حُكِمَ عليَّ بالموت، لأنّني لمّا أستيقظْ بعد. بدأتْ أفكاري تفقدُ نقاءها، كلُّ شيءٍ داخلي كانَ كأنّه دخانٌ أسود. واستسلمتُ أخيرًا، ومنحني ذلك بعضَ الرَّاحة: راحةَ أنْ لا تنتظرَ شيئًا بعد.
-لم يقطعوا الخشبَ جيدًا على ما يبدو، نطقَ متعهدُ الدَّفنِ بصوته الأجش، الصندوقُ أطولُ منه بكثير.
-حسنًا! سيكونُ مرتاحًا فيه، أضافَ أحدهم في بهجةٍ غيرِ مفهومة.
لمْ أكنْ ثقيلاً، لا بدَّ أنّ هذا أفرحههم، إذ إنّهم سيضطرون لحملي ثلاثةَ طوابق. بينما كانوا يمسكونَ بكتفي ويعدلونَ قدمي، صرختِ السَّيدةُ غابين في غضبٍ شديد:
-انظروا لهذه الطفلة اللّعينة! يجبُ أنْ تحشرَ نفسَها بكلِّ الأمور! انتظري! سأعلمكِ كيفَ تنظرينَ منْ فتحةِ الباب!
 كانتْ تلك ديدي التي دفعتِ البابَ قليلاً وأطلَتْ بشعرها الأشعث. تريدُ أنْ تراهم يضعونَ الميّتَ في الصندوق. سمعتُ صوتَ صفعتينِ قويَّتين، انفجرتْ بعدهما الصبيّةُ بالبكاء. وبعدَ أنْ دخلت، تحدثتْ أمها مع الرجالِ الذين يضعونني في نعشي بخصوصِ طفلتها.
-عمرها عشرُ سنوات، إنّها لطيفة؛ فقط ينتابها الفضولُ منْ حينٍ لآخر... لا أضربها دائمًا، إنّما عليها أنْ تنصاعَ للأوامر..
-أتعلمين؟ نطقَ أحدُ الرجال، كلُّ الفتياتِ يشبهنها... حينَ يكونُ هنالك ميِّتٌ في أيِّ مكان، تجدُ الفتياتِ يبحثنَ عنْ طريقةِ للمُشاهدة.
كنتُ مستلقٍ في وضعٍ مريح، لدرجةِ أنّني كنتُ لأعتقدَ أنّني مازلتُ على السّريرِ لولا أنَّ يدي اليسرى كانتْ متشنِّجة، إذْ كانتْ موضوعةً مباشرةً على خشبةِ النعش. وتمامًا كما قالوا، كنتُ مرتاحًا في نعشي، بسبّبِ قامتي القصيرة.
-انتظروا! صرختِ السَّيدةُ غابين، وَعَدْتُ زوجته بأنْ أضعَ وسادةً تحتَ رأسه.
لكنَّ الرجالَ كانوا مستعجلين. وضعوا الوسادةِ بقسوة. أحدهم كانَ يبحثُ عنِ المطرقةِ وهو يطلقُ وابلاً منَ السُباب. لقدْ نسَوها في الأسفل، ويجبُ على أحدهم أنْ ينزلَ ليحضرها. وضعوا الغطاء، شعرتُ باهتزازٍ خفيفٍ في جميعِ أنحاءِ جسدي حينَ دقوا أولَ مِسمارٍ في النَّعش. لقدْ حدثَ ما كنتُ أتوقعه، عدتُ للحياة! ثمَّ بدأتِ المساميرُ تدخلُ واحدًا تلو الآخر، بسرعة، وصوتُ المطرقةِ يتردَّدُ سريعًا أيضًا. إنّهم يقومونَ بالأمرِ كما لو أنّهم موظفو معملٍ يغلقونَ صندوقَ فواكهَ جافةٍ بلامبالاةٍ غريبة. بعدَ ذلك، توقّفَ الضجيجُ عنْ بلوغِ أذنيَّ إلاّ بعضَ الأصواتِ الخفيفةِ والخافتةِ على نحوٍ غريب، كما لو أنَّ الصندوقَ الخشبيّ تحولَ إلى صندوقِ صدى. آخرُ صوتٍ سمعته في الغرفةِ كانَ صوتَ السَّيدةِ غابين التي كانتْ تُحذّرُ الرّجالَ:
-انزلوا بهدوء، وحاذروا منْ سُلَّمِ الطابقِ الثاني الذي لم يعدْ جيدًا كما كان.
إنّهم يحملونني، أحسستُ كما لو أنّني داخلَ بحرٍ مضطرب. ابتداءً منْ تلك اللّحظة غدتِ ذكرياتي ضبابية. أتذكرُ مع ذلك ما شغلني في تلك اللّحظة، أمرٌ تافهٌ وآلي، حاولتُ معرفةَ طريقِ المقبرة. لم أكنْ أعرفُ شوارعَ باريس، كنتُ أجهلُ أماكنَ المقابرِ الكبيرة، حتى تلك التي تلقفتها مسامعي ذاتَ مرَّة، لم يمنعني ذلك منَ التركيزِ على دوراننا شمالاً أو يمينًا. كانتْ عربةُ نقلِ الأمواتِ تدحرجني. إلى جانبي، كانتْ حركةُ العرباتِ والمُشاةِ تتوقفُ  في أثناءِ عبورنا، ما كانَ يتيحُ لي فرصةَ سماعِ دحرجةِ النَّعش. تتبعتُ الطريقَ جيدًا في البداية.
ثمَّ بعدَ ذلك، في محطةٍ معيَّنة، حملوني مجدَّدًا، فهمتُ أنّني في كنيسة، ولكنْ لما تحركتْ عربةُ نقلِ الأمواتِ مجدَّدًا، فقدتُ كلَّ وعي بما يجري منْ حولي. تردَّدَ ناقوسٌ أعلمني أنّنا نمرُّ جانبَ كنيسة؛ وحينَ لاحظتُ تبدُلَ السُّرعةِ وتباطأَها استنتجتُ أنّني محمولٌ إليها.
كنتُ مثلَ محكومٍ يُنقلُ إلى مكانِ العقاب، أو مثلَ أحمقَ ينتظرُ صدورَ عفوٍ لا يأتي.
توقفوا عنِ المسير، سحبوني منَ العربة. توقفَ الضجيج للحظة، شعرتُ أنّني في مكانٍ مُقْفَر، تحتَ الشّجر، مع السّماء العريضةِ أعلى رأسي. بلا شَّك، كانَ هناك بعضُ الأشخاصِ يتابعونَ الدَّفن، نزلاءُ الفندقِ ومعهم سيمونو، لأنَّ صوتهم كانَ يبلغني. سمعتُ ترنيمةً باللاتينيّة منْ تلاوةِ القس. توقفوا لدقيقتين.
فجأةً، شعرتُ أنّني أغرَق؛ بينما كانتِ الحبالُ مشدودةً كالنبالِ في زوايا النَّعش، مما أعطى صوتًا شبيهًا بالكونطر-باس المشقوق. تلك كانتِ النهاية، ضربةٌ قويّةٌ شبيهةٌ بدويِّ رصاصةٍ أصابتْ أعلى رأسي على اليسار؛ وضربةٌ أخرى أصابتْ قدماي؛ أما أقوى الضرباتِ وأكثرها صَخبًا فقد جاءتْ هذه المرَّة في بطني، لدرجةِ أنّني خِلتُ أنَّ النَّعشَ قد انقسمَ نصفين. وبعدها أغميَّ عليّ.


... يُتبع



ترجمة: Achraf Nihilista