الثلاثاء، 29 يوليو، 2014

من دفاتر/مذكرات إميل سيوران 1957-1972


من دفاتر/مذكرات إميل سيوران 1957-1972

Cahiers:1957-1972










زِيَارَات، زِيَارَات.. إنَهُم يَفْترِسُونَنِي، يَمْتصُونَ دَمِي، لاَ يُوجدُ حَلٌ سِوَى إزَالةِ الهَاتِف أوْ مُغَادرَةِ بَارِيسْ. -أبْنَاءُ وَطنِي يَجُرونَنِي لِلخَلْف، لِأصُولِي، لِكُل شَيْءٍ أدَرتُ لهُ ظَهْرِي. لمْ أعُد أرِيدُ تَذَكُرَ أيِ شَيْء. إلَى الجَحِيم أيُهَا المَاضِي، أيَتُها الطُفُولَة، وَ كُلُ شَيْء!- لاَ نُغادِرُ لِأنَنَا أرَدْنَا الهَرَب، أنَا مَتْبُوعٌ بِأشْبَاحَ غيْرَ مُرَوضَةٍ مِنْ سَنَواتِي الأولَى.



هَلْ تَشْتغِل؟ - نَعمْ، علَى مَقالٍ حوْلَ الإنْتِحَار." هَذَا الجَوابُ يَقْطعُ لدَى النَّاسِ كُلَ رَغْبَةٍ لِلْمَعرِفَةِ أكْثَر.



التَعِيسُونَ أكثَرُ الأشْخَاصِ أنَانِيَّةً، لِأنَهُم وَ بخِلَافِ كَثِيرٍ مِنَ السَعِيدِين، لاَ يَسْتطِيعُونَ التَفْكِيرَ إلاَ فِي أنْفُسهِم. لَقدْ سيْطَرت عَليْهِمُ التَعاسَةُ التِي يَتْركُونَ مِنْ أجْلِهَا كُلَ البَاقِي. فَقطْ حِينَ تَقِلُ مُعَانَاتُهمْ يَعُودُ بِإمْكانِهِم التَفْكِيرُ فِي مُعَاناةِ الآخَرِينَ وَ التَعاطُفِ مَعَهُم. الكَرَمُ ليْسَ كَمَا نَعْتقِد مِيزَةَ الذِينَ يُعَانُون؛ يُمكِنُ أنْ يَكُونَ أحْياناً مِيْزَةَ أولَئِكَ الذِينَ عَانَوا فِي المَاضِي، وَ لَكِن حتَى هذَا ليْسَ أكِيداً.



لاَ شَيْءَ يُثِيرُ سَخَطِي أكْثَر مِنْ فَيْلسُوفٍ أوْ نَاقِدٍ يُذَكِرُكَ فِي كُلِ صَفْحةٍ أنَ طَرِيقَتَهُ ثَوْرِيَّة، وَ أنَ مَا يَقُولهُ مُهِمٌ، وَ أنَ مَا قَالهُ لمْ يَسْبقهُ إليْهِ أحَدٌ... إلَخ كَمَا لوْ أنَ القَارِئَ لاَ يَسْتطِيعُ الشُعورَ بِهَذا مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِهِ ! دُونَ ذِكرِ أنَ إبدَاعاً يُمكِنُ لِلْمُبدِعِ إدْرَاكهُ يَحْمِل شيْئًا مَا غيْرَ لاَئِق. الإبْدَاعُ يَجِبُ أنْ يَتِمَ إدْرَاكهُ مِنَ الآخَرِينْ، ليْسَ مِنَ المُبْدِعِ نَفْسِه.



نِيتْشِه يُرهِقُنِي، ضَجَرِي مِنْهُ أحْيَاناً يُحَاذِي القَرَفْ. لاَ يُمكِنُ قُبُولُ مُفَكرٍ تُناقِضُ مِثَالِيَتُهُ مَا كَانَ فِعْلِيَا عَليْهِ. هُنَاكَ شيْءٌ مُثِيرٌ لِلْٱشْمِئْزَازِ لَدَى الضَعِيفِ الذِي يَدَعِي القُوَة، لَدَى الضَعِيفِ بِلاَ رَحْمة. هَذَا كُلُهُ يَصْلحُ لِلْمُراهِقِينَ فَقَطْ.


فِي كِتَابٍ قَدِيمٍ لِعِلْمِ النَفْس يُمَيِزُ الكَاتِبُ بيْنَ المَلَلِ المُكْتسَب وَ المَلَلِ الفِطْريّ. يَبْدُو أنَ مَلَلِي فِطْريّ، لَقدْ شَعرْتُ بِالمَلَلِ فِي بَطْنِ أمِّي.



لَقدْ غَيَرْتُ رَأيِي بِالجَمِيع، مَا عدَا شِكْسبِير، دُوسْتُويفِسْكِي وَ بَاخْ. بيْنَ هَؤُلاءِ الثَلاَثَة، المُفضَلُ لدَيَ هُوَ بَاخْ. يُمْكِنُ أنْ نَقُولَ عنْهُ : هَذَا الرَجُل لاَ يَخْذُلكَ أبَدًا.



الغيْرَة هِيَ أحَدُ أكْثَرِ المَشَاعِرِ طَبِيعيَّةً وَ كوْنِيَّة، حتَى القِدِيسُونَ كَانُوا يَغَارُونَ فِيمَا بيْنَهُم. يُمكِنُ ٱفْتِراضُ رَجُلَيْنِ يَقُومَانِ بنَفْسِ العَمَلِ أعْدَاء. الكَاتِبُ أيْضًا يُمْكِنُ أنْ يُفَضِلَ مُصَارِعَ ثِيرَانٍ علَى كَاتِبٍ آخَر.





أثْنَاءَ الكِتابَة، عَليْنَا التَفْكِيرُ بِعذَاباتِ القَارِئِ وَ المُتَرجِم، التَفْكيرُ فِي هذَا الأخِير خُصوصًا كَفِيلٌ بِجَعلِ الكَاتِبِ مُسْتعِداً لِأيِ تَضحِيَّةٍ لِكيْ يَكُونَ وَاضِحاً وَ مَفْهُومًا.



لاَ يوجَدُ أيُ كَاتبٍ يَسْتطِيعُ تَحمُلَ أقلَ تَعْدِيلٍ علَى مَا يَفْعلُهُ، إنَهُ يَمْلِكُ مَا يَكْفِي مِنَ الشُكوكِ حوْلَ نَفْسِهِ بِحيْثُ لاَ يَسْتطِيعُ تَحَمُلَ الشُكوكِ التِي يُضْمِرُهَا الآخَرُونَ لَه.




الوَيْلُ لِذَاكَ الرَجُلِ الذِي بَعْدَ أنْ تَرَكَتْهُ الآلِهَة، لمْ يَبْقَ لَهُ مِنْ مَلاذٍ سِوَى كِبْرِيَائِه.




فِي هَذِهِ اللَحْظَةِ بِالتَحْدِيد، وَ فِي كُلِ مَكَانٍ فِي العَالم، آلاَفُ البَشَرِ يَحْتضِرُون، بيْنَما أنَا، مُمْسِكاً قَلَمِي، لاَ أجِدُ كَلِمَةً وَاحِدَةً لِلتَعْلِيقِ علَى ٱحْتِضارِهِم.




كُلُ الكِبْرِيَاءِ ينْدَثرُ أمَامَ المَرَضْ. المَرَضُ هُوَ الذِي يُذَكِرُكَ بِمَكانَتِكَ، بِحَقيقَتِكَ، وَ هُوَ مَا يَهْدِمُ كُلَ إدِعَاءاتِكَ، إنَهُ إذْلاَلٌ مُسْتِمر. أنْ تَكُونَ مَرِيضاً هُوَ كَأنْ تَكُونَ هُنَاكَ قُوةٌ خَفِيَّةٌ تَصْفَعُكَ دُونَ تَوقُفٍ.




أحَدهُمْ عَرَفَ الحُزْنَ علَى أنَّهُ : "نَوْعٌ مِنَ الأَفُولِ يَتْلُو الألَم".



مَا يَجْعلُ المَاضِي جَدِيراً بِالإهْتِمَام، هُوَ ٱخْتِلافُ رُؤيَتِهِ مِنْ جِيلٍ لِآخَرَ، مِنْ هُنَا التَجْدِيدُ الدَائِمُ لِلتَّارِيخْ.



كُلَمَا ٱزْدَادَتْ أوْهَامُنَا ٱمْتَلكْنَا مِنَ الشَجَاعَةِ أكْثَر. الشَجَاعَةُ لاَ تُلَائِمُ فِطْنَةَ كَبِيرَة.



مَرَرْتُ قُرْبَ مَقْبَرة 'مُونْبَارنَاس وَ قُلْتُ فِي نَفْسِي : يَظَلُّ المَوْتُ رَغْمَ كُلِ شيْءٍ حَدَثاً قَلِيلَ التَفَاهَةِ.



أَكبَرُ مَشَاعِرِ الكُرْهِ أكُنُهَا لِأولَئِكَ الذِينَ يَسْخَرُونَ مِنَ الإنْتِحَارِ جَرَاءَ الحُب، لِأَنَّهُم عَاجِزُونَ عَنْ فَهْمِ أنَ حُباً غيْرَ مُتَحَقِقٍ هُوَ بِالنِسْبَةِ لِلْعَاشِقِ، ٱسْتِحَالَةُ تَعْرِيفِ وُجُودِهِ، خَسَارَةٌ كَامِلَة لِذَاتِهِ. الحُبُ الكَامِلُ الذِي لاَ مَجَالَ لِتَحْقِيقِهِ لاَ يَقُودُ سِوَى لِلإِنْهِيَار.



مِنْ غيْرِ المَعْقُولِ كمْ يَغْدُو الإنْتِحَارُ أكْثَرَ الأفْعَالِ طَبِيعِيَّةً فِي مُنْتَصَفِ لَيْلَةٍ بَيْضَاء.




قَرَأتُ لِلتَوِّ أنَ 'لِينِينْ كانَ يُعَانِي الأَرَقْ. الآنْ أسْتَطِيعُ فَهْمَ غُلُوَهِ أكْثَر، هَوَاجِسِهِ وَ تَعَصُبِه.



الخَوْفُ مِنَ العُقْمِ يَدْفَعُ الكَاتِبَ إلَى أنْ يُنْتِجَ فَوْقَ طَاقَتِهِ، وَ أنْ يُضِيفَ إلَى الأكَاذِيبِ المُعِيشَة أكَاذِيبَ أُخْرَى لاَ تُحْصَى يَسْتَلِفُهَا أوْ يَخْتَلِقُهَا ٱخْتِلاَقاً. تَحْتَ كُلِ كَلِمَةِ "أعْمَالٌ كَامِلَة" يَقْبَعُ دَجَال.



لاَ أمِيلُ لِلْكِتَابَةِ إلاَ فِي لَحظَاتِ الشغَفِ، وَ أنَا أهْرُبُ مِنْ هَذِهِ اللَحَظَات. إصْرَارِي علَى اللاَمُبَالاَة يَنْزِلُ بِي إلَى العُقْم.




أكْبَرُ خَطَأ يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ بِهِ كَاتِبٌ هُوَ أنْ يُصَرِحَ أنَهُ غيْرُ مَشْهُورٍ. لَدَيْنَا الحَقُ فِي الشَكْوَى كَإِنْسَان، لَكِنْ ليْسَ كَكَاتِبٍ.




لَقَدْ تَوَقَفَ عَنِ الكِتَابَةٍ : لَم يَعُدْ لَدَيِهِ شَيْءٌ يُخفِيه.




ترجمة: Achraf Nihilista

تدقيق لغوي وتشكيل: Mohammed Daamach