الأربعاء، 4 ديسمبر، 2013

تمارين في العُوَاء




تمارين في العُوَاء











كيف تكون حكيما ومفيدا للعالم؟
-لا تُنجب.

غالبا ما ينحط الفيلسوف إلى مجرد مصلح اجتماعي.

كل علاقة هي عبء، خاصة الأشخاص الطبيون والرائعون ،إنهم أسوأ الأعباء.

الحقيقة لا تطعم أحدا.


أيتها الألهة: أعيدي الصمت الى الأرض.

الحد الأدنى من الحرية هو نسف العائلة والمجتمع.

جمال العقل ليس في صلابته، إنما في قدريه على الإغواء.. أليست الفلسفة في جوهرها هي السحر وخطف العقول؟!.

العذاب هو حالة الحرمان من الصمت.


إدراك وهم الوجود شيء، وتخلينا عن الإرادة (الرغبات) شيء آخر.


مؤلمٌ وجميل، أن تسير ضاربا بلا هدف ، وبلا مكان تذهب إليه، ودون أن ينتظرك أو يفكر بك أحد..


أن تتألم من العالم يعني أن ترمى مشلولا في ركن ما. تشعر بالعالم، لكنك أبدا ليس جزءا منه،  مع عجزك التام عن أي رد فعل.

كيف تشعر؟
-كسلحفاة أضاعت بيتها!

الغابة وطن؛ المدينة منفى.

في العزلة-، تنظف ما يشغله الآخرون من داخلك؛ فتتسع لك مساحة أكبر من ذاتك.

النسيان التام هو عدم بصورة ما... والذاكرة نفسها ليست سوى ومضات مشوشة لسراب الزمن. كل شيء هش، كل شيء وليمة للعدم.

غرائزنا تعوي ،  أما أروحنا فتئن.


1+ أي شيء= كارثة.



في نوبات القلق الذي ليس له ما يبرره ، تتخذ الأعصاب وضعية الصلاة  كأنها ترجو الزمن بأن يكون مغتصبا رؤوفا .





كل جمال هو عهر ، وهو  يطالِب بأن ينتهك ويدمر ، وكل حامل له هو ملعون يستحق الشّفقة. 





لا تستيطع أن تحيا؟ لا تستطيع أن تموت؟
-إذن أنت عدميّ.










-شيفا-








الاثنين، 2 ديسمبر، 2013

من يوميات شارل بودلير





من يوميات شارل بودلير










شارل بودلير





اليوميّات



صواريخ

الحبُّ هو الميل إلى البغاء. بل لا وجود لمتعة مهما كانت سامية، لا يمكن إرجاعها إلى البغاء.

في اللون البنفسجيّ (الحبّ المكبوت ، الغامض ، المُحجَّب ، لون الراهبة المُقْطَعة ).

أعتقدُ أنّي لاحظتُ قبلا، أن الحبّ شديد الشبه بجلسة تعذيب أو عملية جراحية. 

طُرِحَ أمامي ذات مرّة سؤالٌ عمّا يُمثل أكبر متعة في الحبّ. أجاب أحدهم بعفوية : أن تأخذ. وأجاب آخر : أن تهب نفسك . قال هذا: متعة كبرياء، وقال الآخر : لذّة خضوع. كان كلٌ من هؤلاء البذيئين يتحدث على طريقة "محاكاة يسوع المسيح ". وأخيرا وُجِدَ طوباويّ وقح ليؤكد أنّ أكبر متعة في الحبّ ، هي أن ننتج مواطنين للوطن.
أمّا أنا فأقول: اللذّة الوحيدة والقصوى للحبّ تكمن في اليقين بإتيان الشرّ.
--الرجل والمرأة يعرفان منذ الولادة أنّ الشرّ مكمن كلّ لذّة.

لا تحتقروا حساسية أحد. حساسية كُلًّ منا هي عبقريته.

يقال أن عمري ثلاثون سنة. ولكنْ إذا عشتُ ثلاث دقائق في كلّ دقيقة ، ألا أكون في التسعين؟

الرواقيةُ دينٌ ليسَ فيه إلاّ سرٌّ واحد : الانتحار.

نظافة

صاحبني دائما، معنويا وجسديا ،إحساسٌ بالهاوية. لا أعني هاوية النوم فحسب، بل هاوية الحركة والحلم والذكرى والندم والحسرة والجمال والعدد إلخ...

نحنُ مسحقون في كل دقيقة بفكرة الزمن والإحساس به . ولا توجد إلاّ وسيلتان للنجاة من هذا الكابوس، لنسيانه : المتعة والعمل. المتعة تستهلكنا. العمل يُقَوّينا . لِنَخْتَرْ.
كلّما استخدمنا إحدى هاتين الوسيلتين ، ازاد قَرَفُنا من الأخرى.
نحن لا نستطيع نسيان الزمن إلاّ باستخدامه.

(لا شيء أجمل من الأفكار المُبتذلة).

الإهانات التي قُوبِلْتُ بها كانتْ نعما من الله.


الشقاءُ الدائم يُحدثُ في الروح ما تُحدثه الشيخوخة في الجسد، نعجزُ عن الحركة فنضطجع...     " شاتروبيان"


قلبي عاريا

في بعثرة الأنا و مَرْكَزَتِها .  ثّمة كلّ شيء .

لأيًّ كان الحقُّ في التكلم عن نفسه شرطَ أن يكون مسليا.

(...) دائما الرغبة في التدمير. رغبة شرعية ، إذا كان كلّ ما هو طبيعي شرعيا.

أن أكون إنسانا نافعا ، بدا لي أمرا في منتهى البشاعة.

لا أملك قناعات كما يفهمها أهل عصري ، لأنّي لا أملك طموحا.
لا توجد داخلي قاعدة لأيّ قناعة.

إحساسٌ بالعزلةِ منذ الطفولة على الرغم من العائلة ، وخاصّة بين الرفاق.
إحساسٌ بالعزلة كمصيرٍ أبديّ. ومع ذلك رغبة شديدة في الحياة وفي المتعة.

الأُمم لا تنجب العُظماء إلا مُرْغَمَة.
إذنْ، لن يكون المرءُ عظيما إلاّ إذا انتصرَ على أُمتِه جمعاء.

(...) البطل الحقيقي يلهو وحيدا.

المزعجُ في الحبّ، أنّه جريمة لا يمكن الاستغناء فيها عن شريك.

كن رجلا عظيما وقدّيسا في نظر نفسك، قبل كلّ شيء.

(...) ليس المجد سوى حصيلة توافقِ عقلٍ مع غباوةِ أُمّة. 


ما الحبّ؟
الرغبة في مغادرة الذات.
الإنسان حيوان عاشق.
أن تعشق يعني أن تضحّي بنفسك وأن تَتَعَهّر.
لذلك كان كلُّ حبٍّ هو بغاء.

الأديب هو عدوّ العالم.


خامرني وأنا طفل، إحساسان متناقضان: التقزّز من الحياة والانتشاء بها.




بودلير-اليوميّات-
ترجمة : آدم فتحي













الأحد، 1 ديسمبر، 2013

مختارات من إميل سيوران



شذرات 







إميل سيوران




أنا أستقيل من الإنسانية. لم أعد أريد أن أكون، و لم أعد قادرا على أن أكون إنسانا. ماذا سأفعل ؟ أخدم الأنظمة الاجتماعية و السياسية ؟ أسود حياة امرأة ؟ أتصيد نقاط الضعف في النظم الفلسفية، أناضل من أجل القيم الأخلاقية و الجمالية ؟ 
كل ذلك هراء. أنبذ إنسانيتي، حتى و إن كنت سأجد نفسي وحيدا. و لكن أنا وحيد على كل حال في هذا العالم الذي لم أعد أنتظر منه أي شيء.



يتكاثر نوعنا البشري بشكل يتجاوز حدود الفحش والفجور؛ مما يجعل عبء محبته ضربا من المحال.



سيطيبُ لي الارتماء في حضن الجنون، بشرط أن تكون نتيجته كالتالي: أن أصبح مجنونا سعيدا، نشطا رائق المزاج على الدوام، لا تعكر مزاجي أية منغصات أو هواجس، وأن أضحك عن غير وعي من الصباح إلى المساء .


لستُ ذلك الذي يعاني في العالَم، بل العالم يعاني في داخلي.


شكلتني المعاناة وصاغتني، وهي ما سيمحقني . أنا ثمرتها.



كل ولادة جديدة هي سوء حظ جديد ، بينما كل موت هو تخلص من واحد.



يمكننا تخيل كل شيء، توقع كل شيء، باستثناء إلى أي حد يمكن أن نغرق.



الشنيع في الجنون أنه يجعلنا نشعر بالفقدان التام والنهائي للحياة في حين أننا لا نزال أحياء. لا أزال أكل وأشرب، لكني فقدت كل ما أضيفه لوظائفي الحيوية.


لم يعد الحُب سوى ذريعة يسرع بها الناس هلاكهم.


ما تكتبه هو صورة ناقصة عنك ، لأن الكلمات تنبثق وتدخل الحياة فقط حين تكون عند أعلى أو أدنى نقطة في نفسك.




أهوَ شر عظيم ألاّ يعرف أحدهم القراءة والكتابة؟ بكل صراحة لا أعتقد بصحة ذلك. لكني بالطبع سأذهب أبعد من ذلك وأقول إنه في حال اختفاء الأميين من على الكوكب؛ فإننا على الأغلب سنرتدي ملابس الحداد على البشرية.



مثخنون بالأمل ننتظر، كلنا لا نزال ننتظر، والحياة كلها ليست سوى تجسيد الانتظار.


كل من السعادة والتعاسة ينكدن عليّ، لكن لمَ يحدث أن أميلَ أحيانا الى الأولى؟!.



الطريقة الوحيدة لمواجهة الخيبات المتوالية ، هي أن يعشق المرء فكرة الخيبة نفسها. إذا أفلح المرء في ذلك؛ لا يعود يفاجئه شيء، يسمو فوق كل ما يحدث، يصبح الضحية التي لا تقهر.



للتقدم الروحي، على المرء أن يكون وحيدا جدا.



عاطفة الشَّفقة تجعلك تعزف عن أن تكون "مؤسس عائلة"، وهذا أسوأ لقب أعرفه.


من خصائص الألم أنه لا يخجل من تكرار نفسه.



كل ولادة تصيبني بالرعب. إنه لعته، بل إنه لجنون أن يعرض الناس أطفالهم، أن يحملوا تلك الكوارث والمآسي المرتقبة، ويبتهجوا بها.




نحن نأخذ موقفا ضد الموت ، ضد ما يببغي حدوثه، ضد ما هو آت، في حين أن الولادة هي الخسران العظيم الذي لا يعوض.



في النفور من نتيجة الممارسة الجنسية، في الرعب من الإنجاب، يكمن استجواب صارخ للكون : لأي شيء نضاعف عدد الوحوش؟

لقد وجد الوعي طريقه إلى كل مكان، إنه يقطن حتى في نخاع عظامنا؛ وبالتالي لم يعد الإنسان يقيم في الوجود، إنما في نظرية الوجود.


الدماغ مصاص دماء.



أريدُ الخيبةَ في الحب، لأحظى بأسباب أكثر للمعاناة. وحده الحب يظهر لك مقدار الانحطاط الذي وصلت إليه. إذ كيف بوسع الإنسان الذي حدق في وجه الموت أن يستمر في الحب؟ أن يظل لديه متسعٌ للموت من الحب؟ .

لو لم تكن المعاناة أداة معرفة؛ لكان الانتحار إلزاميا.



ليست هناك لذة تفوق لذة تلك اللحظات التي تتذكر فيها أنك كنت فيلسوفا، وأنك لم تعد كذلك.

أن تعاني، يعني تركز الفكر والتأمل على إحساس الألم: أن تتفلسف يعني أن تستغرق في التأمل على هذا التأمل.



ليست لدي أفكار، لدي هواجس فقط. الأفكار لم تتسبب في ذبول أحد قط.



كانت الجنة غير محتملة، وإلا لكان الإنسان الأول تكيف معها. هذا العالم لا يطاق وغير متحمل بنفس القدر أيضا، من هنا جاء ندمنا على الجنة أو ترقبنا لواحدة أخرى. ماذا نفعل؟ أين نذهب ؟ لا تفعل شيئا ولا تقصد أي وجهة.!



قدر بعض البشر ألا يتذوقوا سوى سموم الأشياء ، بالنسبة لهم كل مفاجأة هي مفاجأة مؤلمة ، وكل تجربة هي مناسبة للعذاب.



إن كان لي أن أكون صادقا تماما، فإنني لا أعرف لماذا أحيا ولماذا لا أتوقف عن الحياة. لعل الجواب يكمن في الطبيعة اللاعقلانية للحياة نفسها، والتي تحفظ نفسها بلا أي مبرر.




لا يقدر أحد على تحرير نفسه في حال أصر على أن يكون شخصا أو شيئا ما. كل ما نملكه أو ننتجه يثقل حمولتنا ، يخرب طبيعتنا الأصلية، يخنقنا.


بدأتُ المعركة كالتالي: إما انا وإما الوجود؛ وكلانا خرجَ مهزوما ومتقلصا.



هناك قضية واحدة، ألا وهي الموت. والانغماس في القضايا الأخرى مضيعة للوقت وعبث عقيم. هذا ما فهمته الأديان جيدا؛ وبالتالي تفوقت على الفلسفة.


القول المأثور يجب أن يكون كالصفعة في الوجه.


ثمة متعة ما في مقاومة غواية الانتحار.


الخيبة هي الحالة الأصيلة، الخيبة أصل.


كلما حاولنا طرد "الأنا" من ذواتنا ؛ تورطنا فيه أكثر.



كل من يبحث عن الحرية الحقة عليه أن يكون مستعدا ليخطو خطوته الأخيرة "أن يتحرر من الحرية نفسها". عندها فقط نتعلم كيف نتحرك بدون رغبة.


لم أبك أبدا، فدموعي استحالت أفكارا . مريرة هي أفكاري بقدر مرارة الدموع.



المومس: مبعدة عن كل شيء، ومنفتحة في الوقت نفسه على كل شيء. أن تكون بلا أية إدانات تجاه نفسك وتجاه الرجال، هذا هو الدرس المستفاد من الدعارة. كل ما أعرفه تعلمته من مدرسة المومسات.



أحبُ الأفكارَ التي تحافظ على مذاقٍ من اللحم والدم، وأفضل ألف مرة فكرة نابعة من كبت جنسي أو انهيار عصبي على أي هراء نظري.






من مختلف كتب سيوران

ترجمة -شيفا-



السبت، 30 نوفمبر، 2013

مختارات من آرتور رامبو


مختارات من آرتور رامبو











آرتور رامبو




يوم بؤس! إبتلعتُ -كأسا- جرعةً من السمّ قوية. سعارُ اليأسِ يدفع بي في وجه كلّ شيء : الطبيعة ، الأشياء ، أنا نفسي ،هذا كلّه الذي أريد ُ أنا تمزيقه. بوركتْ ثلاثا النصيحةُ التي بلغتني. الأحشاء -أحشائي- تُحرقني، عنفُ السم يلوي أعضائي، يشوهني. أموتُ عطشا. أختنق. لا أقوى على الصراخ. إنها الجحيم ، العذاب الأبديّ. هي ذي النار تتجدّد. إمض أيها الشيطانُ، لتذكيها. إنني أحترقُ كما ينبغي -جيدا-. إنها جحيمٌ طيبةٌ ، جحيمٌ -طيبةٌ وجميلة-. 


إحساس

في أُمسيات الصيفِ الزُّرقِ ،سأمضي عبرَ الدروب،
موخوزا بالقمح ، سأدوسُ على العشبِ النّاعم:
حالما، سأُحس بنداوته على قدمَيّ.
سأدَع الريحَ تغسلُ رأسي العاري.
لن أتكّلمَ، ولن أفكّرَ بأيِ شي:
لكنّ الحبَّ غيرَ المنتناهي سَيتصاعدُ في روحي،
وسأمضي بعيدا، بعيدا جدَّا، كمثْلِ بوهيميّ،
عبرَ الطّبيعة- سعيدا كما لو معَ امرأة.



أغنية البُرج الأعلى

حسبتُ أنّني عثرت على العقل وعلى السعادة. كنتُ أُبعدُ السماء، اللاّزورد ، الذي هو من ظلام ، وأعيشُ ، شرارةً ذهبية ًمن نورٍ طبيعيّ. كان ذلكّ جادا تماما. كنتُ أُعبّرُ -بأكبر- بلاهةٍ ممكنة.


من خاتمة الهذيانات:


(...) كنتُ أُعوّدُني على الهلوسة البسيطة : أرى بصورةٍ صريحة ٍ مسجدا في محل معملٍ، ومدرسةَ طبالين بناها ملائكةٌ ، وعرباتٍ في طرُق السّماء، وصالونا في قاع بحيرةٍ ؛ -كنت أرى- الأسرارَ والمسوخَ ؛ وكان عنوانُ تمثيليةٍ ترفيهةٍ ينشرُ الرّعبَ أمامي.
ثم ، بمعونة هلوسةِ الكلماتِ، كنتُ أُفسرُ سَفسَطاتي السّحرية!
وانتهى بي الأمرُ إلى أن أجدَ فوضى فكري مقدسة. كنتُ مُتبطلا، وفريسة حمّى ثقيلة: أحسدُ غبطةَ الحيوانِ، السُّرفات التي تمثل براءةَ اليمابيسِ، والخلُدِ -التي هي- رقادُ البكورة!
راح طبعي يشتدّ. كنتُ أُودّع العالم في ضروبٍ من أغانٍ عاطفية.

صارتْ عافيتي مهدّدة. أقبلَ الهولُ. رحت أسقطُ في النّوم أياما عديدةً، ولدى الاستيقاظِ أواصلُ أكثرَ الأحلامِ اكتئابا. كنتُ ناضجا للوفاةِ، وعبرَ دربٍ محفوفٍ بالمخاطرِ قادني ضعفي إلى تخومِ العالَمِ ، إلى سيميريا، موطنِ الظُلماتِ والدوّمات.


كان علىّ أن أسافرَ، وأن أُبددَ آثارَ السّحرِ المحتشدة على دماغي. على البحر، الذي كنتُ أحبُّه كما لو كانَ سَيغسلني من دَنَسٍ،رأيتُ منصِبا الصّليبَ المُعزّي. رجمني قوسُ قزح. كانتِ السعادةُ قّدّري ، ندَمي ، دودتي النّاخرةَ : دائما ستكونُ حياتي أوسع من أن أُكرسها للقوّةِ والجّمال.

........
متفرقات:



مهزلةٌ متواصلةٌ! لسوفَ تُبكيني براءتي. الحياةُ هي المهزلةُ التي ينبغي أن يُمثلَها الجميع.

أسَأُخطفُ كمثلِ طفلٍ، كي ألعبَ في الفردوس ناسياً الشقاءَ كلّه!



ينبغي أن يكونَ لي جحيمي للغضب، وجحيمي للكبرياء ، وجحيمٌ للمُداعبة، جوقة جَحيمات.




كم أتحوّل إلى عانسٍ بافتقاري إلى شجاعةِ محبةِ الموت ! .




كنتُ من الضّعفِ بحيثُ حسبتُني غيرَ قابلٍ للاحتمال بعدُ في المجتمعِ إلاّ بقوّة يا للــ [بؤس الشّفقة]. أي دَيرٍ يمكن أن يستقبلَ هذا القرَف الجميل؟




لديَّ (...) جميعُ الرذائلِ ، الغضَبُ ،والفجورُ ؛ - رائعٌ هو الفجورُ ؛ - وخصوصًا الكسَلُ والكذِب.


آرتور رامبو
الآثار الكاملة - ترجمة : كاظم جهاد.



الجمعة، 31 مايو، 2013

وداعا للفلسفة-سيوران


-مختصر التحلل 9





إميل سيوران






وداعا للفلسفة


أدرت ظهري للفلسفة عندما تبين لي أنه من المستحيل العثور في كانط على أية ملامح ضعف إنساني، على أي نبرة ميلانخوليا أصيلة، في كانط وفي كل الفلاسفة. و مقارنة بالموسيقى، بالتصوف، أو الشعر؛ نجد أن الفلسفة تنطلق من بواعث مُختلة وبؤر مشبوهة، عظيمة الشأن ومقدسة فقط بالنسبة للجبناء وباردي الأعصاب. ومن ناحية أخرى الفلسفة هي قلق عمومي-لا شخصي، ملجأ بين أفكار أنيمية Anémique-إنها ملاذ كل من أراد الهروب من التنوع الشاسع للحياة. تقريبا معظم الفلاسفة انتهوا نهايات محترمة؛ وهذا أكبر ادعاء ضد الفلسفة. حتى موت سقراط ليس فيه شيء مأساوي، وتأويلاته المأساوية كانت مجرد سوء فهم، لقد إنتهى نهاية مربي فاضل—وإذا كان نيتشه قد إنهار؛ فلأنه كان شاعرا وصاحب إلهام : لقد سدد فاتورة  نشوته وليس أطروحاته.
ليس بمقدورنا التملص من الوجود بإعطاء التفسيرات، يمكننا تحمله فقط، أن نحبه أو نكرهه، أن نعبده أو ننفر منه، وهذا التناوب بين البهجة والرعب يكشف عن جوهر ما تعنيه الكينونة، تذبذباتها، نشازها ولا إنسجامها، إشراقاتها وتمزقاتها المريرة.
عند تعرضنا لمصيبة مباغتة أو لحتمية مواجهة هزيمة لا يمكن تفاديها، فمن لا يضم يديه وينضم إلى صفوف المصلين في حينها؛ فلأنه ينتظر تلاشي حدتها والأجوبة التي ستقدمها الفلسفة.! يبدو لي أن مهمة الفلسفة الوحيدة هي حمايتنا طالما أن الاستخفاف بالإيمان وهجره يسمح لنا بالمضي قدما بمحاذاة حافة الهاوية، والتخلي عنا في الوقت الذي نكون فيه مضطرين لعبورها.  كيف يمكن أن  يكون الأمر بخلاف هذا، ونحن قادرون على ملاحظة كم هي ضئيلة العذابات الإنسانية التي تمكنت من أن تجد لها مكانا في الفلسفة؟ الممارسة الفلسفية ليست فقط لا جدوى منها، بل تكاد تكون مشينة.  نحن على الدوام فلاسفة بحصانة: نمتهن مهنة بلا أفق تصب كميات هائلة من الأفكار في ساعاتنا الشاغرة والمحايدة، تلك الساعات التي لم تستجب للعهد القديم، لباخ، لشكسبير.  ولي أن أسأل، هل من بين كل تلك الأفكار التي تضج بها جماجمنا والتي تجسدت على ورق ،هل من بينها ما يمكن أن يكافئ صرخة واحدة من صرخات أيوب،هول واحد من الأهوال التي عرفها ماكبث، أو سمو واحدة من كانتانات باخ؟ نحن لا نجادل الكون، نحن نعكسه ونعبر عنه، والفلسفة لا تعبر عنه. تبدأ المشاكل الحقيقية بعد أن تكون جبت الفلسفة طولا وعرضا، أو بعد أن تستنفذها. بعد قراءة الفصل الأخير من مجلد ضخم، يمثل ذلك المرحلة الأخيرة لتراجعنا قبل أن نترك للمجهول حيث تقيم لحظاتنا، وحيث علينا أن نكافح ، فهو بطبيعة الحال أكثر إلحاحا، وأكثر أهمية من خبزنا اليومي. هنا يهجرنا الفيلسوف : عدو الكارثة، إنه بارد كما المنطق ذاته، حذر على الدوام. نحن نفضل صحبة ضحية لوباء الطاعون، شاعرا إغتنى من كل إختلال، موسيقي يسمو بمملكة قلوبنا. نحن نبدأ الحياة حيث تنتهي الفلسفة،عند خرائبها، عندما ندرك بطلانها الرهيب، حين ندرك أنه كان من العبث اللجوء إليها؛ إنها لا تقدم العون.

النظم الفلسفية الكبرى ما هي إلا حشو كلام منمق. ما الفائدة من معرفة ما إذا كان جوهر وجودنا يرجع إلى "إرادة الحياة" أو الروح الكلي،أو حتى إلى نزوة إله أو الكيمياء؟ مجرد تناسل للكلمات، تلاعب حاذق  بالمعاني. لكم هو مثير للإشمئزاز احتضان الألفاظ هذا، لكن تجاربنا الوجودية العميقة تكشف لنا أن فيما عدا اللحظة الحالية، لا شيء خارق ولا يمكن التعبير عنه. وعلاوة على ذلك، فالكائن مجرد ادعاء باللاشيء.
نحن لا نقدر على التفسير إلا خارج اليأس. لا بأس في أن يكون  لدينا قوالب وصيغ، يجب أن نملك الكثير منها؛ إذا كانت فقط من أجل إعطاء مبرر للعقل وتقنيع الخواء.

لا نجد في المفهوم ولا في النشوة أية فعالية. عندما تلقينا في الموسيقى صميم الوجود، نعود سريعا إلى السطح: تتبعثر بقايا الوهم وتقر معرفتنا ببطلانها. الأشياء التي نلمسها والأشياء التي نرصدها مشكوك فيها بنفس مقدار الشك بحواسنا وبمنطقنا، نحن متأكدون فقط من كوننا الكلامي الخاص، الخاضع لإرادتنا—الغير فعلي. الوجود صامت والعقل ثرثار. هذا ما يسمى "فهما".
أصالة الفيلسوف منبعها اختراع المصطلحات. وحيث أننا في موقف لا نجد فيه سوى ثلاث أو أربع طرائق لمجابهة العالم—وطرائق عديدة جدا للموت- فإن الفروق الدقيقة للغاية فيما بينها ،,والتي تضاعف عددها وتنوعها، تنبع من مجرد اختيار للكلمات--كلمات محرومة من أي امتداد ميتافيزيقي.
نحن عالقون في كون لا لزوم له، بحيث أن الأسئلة والأجوبة فيه تساوي الشيء ذاته.




ترجمة -شيفا-














الجمعة، 26 أبريل، 2013

عدو النبي/سيوران



مختصر التحلل 8



عدو النبي

-إميل سيوران







في كل إنسان ينام نبي؛ وعندما يستيقظ يكون الشر قد ازداد قليلا في العالم . . .
الحاجة اللاواعية للوعظ متجذرة في دواخلنا، بحيث إنها تنبثق من أعماق مجهولة نحو غريزة حماية الذات. كل منا ينتظر لحظته المناسبة ليبتدع شيئاً- أي شيء. يناديه صوت : هذا يكفي، إنه يكلفنا كثيراً ألاّ نكون صماً وبكماً.
من المغرورين حتى الزباليين، الجميع مستغرقون في كرمهم الوحشي، في توزيع صيغ للسعادة.  الجميع يريد أن يعطي الإرشادات: وعليه الحياة العامة لا تحتمل، و الحياة مع الذات تضل كذلك أيضاً، إذا فشلت في حشر نفسك شؤون الآخرين؛ فلن تعرف الاستقرار في حياتك الخاصة.  تحول ذاتك إلى"دين"،أو إلى رسول في الاتجاه المعاكس إلى أن تنكرهما معا-نحن ضحايا لعبة كونية-. . .
وفرة الحلول المعروضة لتمظهرات الوجود لا يميز بينها إلا بمدى سخافتها. التاريخ: مصنع للأفكار... مثيولوجيا مختلة، سُعار الحشود والمعتكفين... رفض لمواجه الواقع وجهاً لوجه، عطش بشري للخيال.

 محرك جميع أعمالنا يمكن في تلك الحاجة لإجلال نفوسنا باعتبارها مركز الكون ومحركه، نهاية التاريخ.
ردود أفعالنا وطريقة استجابتنا لكبريائنا، تحول الكوكب إلى جزء لا يتجزأ من جسدنا ومن وعينا بما نحن عليه. لو كان لدينا الوعي الصحيح بمكانتنا في العالم، لو وعيناها دون فصلها عن مجمل الحياة ككل؛ فإن انكشافَ حضورنا التافه كفيلٌ بسحقنا. لكن أن نعيش يعني أن نعمي عيوننا على أبعاد وجودنا.
لو أن جميع أفعالنا من التنفس إلى تأسيس الإمبراطوريات أو النُظم الميتافيزقية، لو أنها لم تنطلق من وهم عظمتنا وأهميتنا، ومن باب أولى، من غريزة النبوءة، من كان ليتقدم برؤية شاملة مستمدة من بطلانه، من كان ليتقدم ليكون مؤثراً، وليجعل من نفسه مُخلصاً؟.

نوستالجيا إلى عالم بلا "مثاليات"، إلى عذاب بلا مذهب، إلى أبدية بدون حياة. . . -الفردوس -. . . لكننا لا نستطيع أن نوجد لحظة واحدة بدون أن نخدع نفوسنا: النبي في كل واحد منا هو بذرة الجنون التي تدفعنا إلى الإشراق والتمرغ في بطلاننا.

المثاليات مغرية؛ لذا فهي تبدو طبيعية،  لكن على الإنسان ألاّ يبحث عن ملجأ خارج اللاشيء القابع بداخله . . . أستطيع أن أتصوره يقول: مُنسلخاً عن الهدف، عن جميع الأهداف، من رغباتي ومن سخطي أبقيت على الصيغ فحسب. مقاوماً لإغراء الخلاصة ،انتصرت على العقل، كما أنني انتصرت على الحياة نفسها برهبة من يبحث لها عن جواب. المسرحية الإنسانية- يالها من قيء! الحُب- تبادل لُعاب... جميع المشاعر تنهل حليبها من بؤس الغُدد. النُبل هو فقط  في رفض الوجود، في ابتسامة تُطالع المساحات الممحوقة . منذ أن صار لي "نفسا"؛ لم أعد أكثر من موضوع للوجود ... ألتهم بنهم جميع المُسكنات التي تمنحني إياها العزلة، والتي هي أضعف من أن تجعلني أنسى العالم. بعد قتلي لكل الأنبياء بداخلي؛ كيف يمكن أن يظل لي مكان بين الرجال؟.



ترجمة/شيفا