الأحد، 17 سبتمبر 2017

بليز باسكال: حول بؤس الإنسان. -الجزء الثالث والأخير-




بليز باسكال




لهذا، حينَ قالَ سينيا لبيروس الَّذي كانَ يسعى للرَّاحةِ مع أصدقائِهِ بعْدَ احتلالِه أجزاءَ كبيرةً منَ العالمِ، أنَّ عليهِ البَحثَ عنْ سعادتِه في ذاتِهِ بدلَ أنْ يبحثَ عنها بعدَ هذا الكمِّ الهائلِ من الجُهدِ، لقد كان سينيا هنا يُسدي لهُ نصيحةً لمْ يتقبَّلْها. بلْ إنَّ هذهِ النَّصيحة لمْ تَكُن أكثرَ وجاهةً مِنْ مشروعِ الشَّاب الطَّموحِ بيروس. إذْ اعتبرَا معًا أنَّ الإنسانَ يُمكنُ أنْ يكتفي بذاتهِ وخيراتهِ، دونَ أنْ يملأَ فراغَ قَلْبهِ بآمال خياليَّة: يا له منْ خطإ جسيمٍ! فبيروس لمْ يَكن ليصيرَ سعيدًا لا قبلَ احتلالِ العالمِ ولا بعدهُ. ربَّما كانت الحياةُ الرَّغيدةُ الَّتي اقترحَها عليهِ وزيرهُ أقلَّ قدرةً على إغراءِهِ منْ مشاغلِ الحُروبِ والأسفارِ الَّتي سيتأمَّلُ خلالها.
علينَا أنْ نعترفَ إذنْ أنَّ التعاسةَ بلاءٌ مكتوبٌ على الإنسانِ بحيثُ قدْ يضجرُ دونَ أيّ سببٍ خارجيّ، بلْ حالتهُ الطَّبيعية كفيلةٌ لوحدِها بجعلهِ ضجِرًا: هوَ بالتَّالي ضعيفٌ وخفيفٌ للغايةِ، بحيثُ أنَّه أمام ألفِ سببٍ جوهري للضجر، يكفي أقلُ أمرٍ تافهٍ ليرفِهَ عنه. وإذا فكّر في هذا بجديّةْ، سيَتَذمرُ من كونِهِ يُرفِهُ عن ذاته بأشياءَ سطحيةٍ وحقيرةْ، أكثرَ مما يَتذمَرُ من مآسيه الحقيقية؛ وهذه الترفيهاتُ هي أقلُ وجاهةً ألف مرة من ضجره.
كيفَ لرجلٍ فَقَدَ ابنه الوحيد، وبعد أن كان في الصباح يبكي ويلعن قدره، كيف له أن يضحك في المساء؟ لا تستغربوا! إنه الآن مشغولٌ بمحاولةِ تخمينِ المكانِ الذي سيهرب منهُ الأيلُ الذي تطارده كلابه منذ ستّ ساعات.
لا يلزمُ أكثر من ذلك للانسان، مهما كان كَرَبُه عظيما. إذا نجحنا بالترفيه عنه مؤقتا، سَنَراه سعيدا لذلك الوقت، ولكنها سعادةٌ مزيفةٌ ووهمية، لأنها لا تأتي من امتلاك شيءٍ مادي وحقيقي، ولكن فقط من خفّةِ رُوحِهِ التي تُنسيه ذكرى معاناتِهِ الحقيقية، لتَرْبِطهُ بأشياءَ بخسةٍ وتافهة، لا تستحق أن يَتَورطَ فيها. إنّها لغِبطةٌ مرضيةٌ ومسعورة، لأنّها لا تَدُلّ على صِحّةِ رُوحِهِ وإنّما على اخْتِلالِها. إنّه يَضحكُ ضِحْكَةَ خُبْلٍ ووَهم. لأنّه أمرٌ غريبٌ أن تُفكّرَ فيما يُعجبُ الإنسانَ في الّلعب واللهو. وعلينا الاعتراف أنّها بِشَغْلها للنّفس، هِي تُلهيهِ عن آلامه، وهو أمرٌ حقيقي، ولكنّ هذا لا يَحدثُ إلاّ لأنّ العقلَ يَصنعُ موضوعا وهميا لِشَغفهِ، فَيتشبّتَ به.
ما هَدفُ أُولئكَ الّذينَ يَلعبونَ كرة المضربِ في رأيكم، بِتَركيزٍ كبيرٍ وانهماكٍ جسدي أكبر؟ إنّ غرضهم هو التّباهي أمامَ أصدقائهم في اليوم الموالي بأنّهم لعبوا أفضلَ من المنافس، وهذا سرّ ارتباطهم بالّلعب. والأمرُ سيّان بالنّسبة لأولئك الّذين يَعرقونَ في مكاتبهم، لِيُظهروا للعلماءِ أنّهم قد حلّوا مَسْألةَ جَبرٍ مُعَقّدة لمْ تُحلّ قبلَ ذلك من قبل. وهُوَ أيْضا حالُ أولئك الّذين يُعَرّضونَ أنفسهم لِمخاطرَ هُمْ في حلّ عنها، لِيَتباهوا أنّهم بمكانةٍ لم يَستطع غيرُهم بُلوغَها، بشكلٍ يوحي بالبلاهة في رأيي. وبالنهاية، هناك أولئك الّذين يَستهلكون ذواتَهم لملاحظةِ كلّ هذه الأمور، لا ليكتسبوا منها الحكمةَ، وإنّما فقط لِيتباهوا بأنّهم أدركوا عَبَثها: وهؤلاء هُمْ الأكثرُ خَبَلاً، لأنّهم مخبولونَ رغمَ معرفتهم. كان حَرِيًّا بهم عَدم التفكيرِ بأَحدٍ إذ امتلكوا هذه المعرفة.
ذاك الّذي يَمضي حياته بِلَا ضجرٍ في الّلعبِ والمراهنةِ كُلّ يومٍ بأشياءَ قليلة، سيغدو تعيسا إنْ مَنَحناهُ كُلّ يومٍ ما يَكسبُهُ شريطَةَ ألّا يلعب. قد َنعتقدُ أنّه يَبحثُ عن متعةِ الّلعبِ وليس الربح. ولكنّه إذا لَعبَ منْ أجلِ لا شيء لَنْ يَتحمّسَ أبدا، وسَيملّ. هو لا يَبْحثُ عَن الّلعب وَحْده إذا: لأنّ مُتعةً مستمرةً وبِلا حماس سَتشعرهُ بالضجر.  يَنبغي أنْ يَتَحمّسَ وأنْ يُحَفّزَ نَفسه، عَبْر تَخَيّلِ أنّه سيَصير سعيدا بِربحٍ ما كان لِيَرفُضَ أخْذهُ شَريطَةَ ألّا يَلعب. إنّه يَصنعُ لِذاته موضوعَ شغفٍ يُثير رغبته، غضبه، ذُعره وأمانيه.
وهكذا، فإّن ما يُرَفّهُ عَن الإنسان ليس فقط أمورا خسيسةً، هي أيضا مُخادعةٌ ومزيفة. أيْ تَرْتكِزُ على أوهامٍ وخدع، لمْ تَكُن لِتَشْغَلَ عَقْلهُ لو لَمْ يَفْقِدْ حِسّ وطَعْمَ الخير الحقيقي. ولو لمْ تَكُن رُوحُه قد امْتَلَأتْ خسّة، تفاهة، خفّة وكبرا وعِدّةَ مَثالِبَ أخرى. هذه الأمور لا تُخَفّفُ بؤسنا إلّا ِلتَصْنعَ بُؤسا وشقاءً أَكثرَ حضورا وواقعية، لأنّها ما يَمْنَعُنا حقّا منَ التفكيرِ بِذواتِنا، ويَجعلنا نَضَيّعَ وقتنا هباءً. دونها، كنّا سَنَملّ، وهذا الضّجَرُ كان سَيَبحثُ عن مَخارجَ حقيقية. ولكنّ الترفيهَ يَخْدعنا، يُسلّينا، ويَرمي بنا بِلَا إدراكٍ إلى الموت.
لمّا عَجزَ الإنسان عن علاجِ الموتِ والبؤس والجهل، ارتأى ألاّ يُفكّر بها، لِيَصيرَ سعيدا؛ إنّ النسيانَ هو كلّ ما اخترع الانسان لِيُعزّي نفسهُ أمام كلّ هذه الآلام. يا لَهُ من عزاءٍ شقي. لأنّه لا يُشْفي الآلام، بَلْ يُخْفيها لبعضِ الوقت، وهو إذْ ذاكَ لا يَجعلُنا نُعالِجُها حقّا. وهكذا، بَعْدَ تَحْويلِ طبيعةِ الإنسان، صار الضّجرُ، الّذي كان مَأساتهُ الحقيقية، خَيْرَ حَليف له بطريقةٍ ما، لِأنّه يَجْعَلهُ يَبحثُ عَنْ حَلّ حقيقي. والترفيهُ الّذي كان يَنْظُرُ له كَحَليفٍ صار الشّرَ المُحْدِقَ به، لأنّه يُبْعِدُهُ أكثر منْ أيّ شيءٍ آخرَ عَنِ البَحثِ عَنْ عِلاجٍ لآلامِه. وهذا دليلٌ على بُؤسِ الإنسانِ وفَسادِه، وهو كذلك دليل على عَظَمتِه. لأّن الإنسانَ لا يَضْجَرُ مِنْ كُلّ شيءٍ ولا يَبْحَثُ في كلّ شيءٍ عَنْ مَشاغِلَ مُحْتَملة، إلّا لأنّ فِكرةَ السّعادةِ الضّائعةِ تَشْغلُ باله. وهذه السّعادةُ الّتي لَمْ يَجِدها داخِله، يَبْحثُ عنها بِلَا جدوى في أشياَءَ خارجية، دون أَنْ يَستطيع تَلْبِيَتَها، لأنّ السّعادةَ لَيست داخِلنا، ولا في باقي المخلوقات، وإنّما في الرّبِ وَحْدَه.


-تم-


ترجمة: Achraf Nihilsta & ياسين الحيلي



الأربعاء، 30 أغسطس 2017

بليز باسكال: حول بؤس الإنسان. -الجزء الثاني-




بليز باسكال






أَلَيْسَت الكرامةُ الملكيَّةُ عظيمةً في ذاتِها، بِحيثُ تَجعلُ الَّذي يَمتلِكها سعيدًا بمجرَّدِ النَّظرِ لما هوَ عليهِ؟ أيجبُ إلهاؤُه عنْ هذهِ الفِكرةِ مثلَما هوَ الحالُ بالنِّسبةِ للعوامّ؟ أنَا أرى جيِّدًا أنَّ جعلَ الإنسانِ سعيدًا، يكونُ في صرْفِ نظرِه عنْ بُؤسهِ اليوميّ، حتَّى يشغلَ فِكرَهُ كاملاً بالانشغالِ بالرَّقصِ الجيِّد. ولكنْ هلْ سَيبلغُ دَرجةَ الملوكِ؟ وهلْ سيكونُ أكثرَ سعادةً في علاقتِه بتسليتِه التَّافهةِ أكثرَ منْ التَّفرسِ في مشهدِ عَظَمتِه؟ ما هوَ أكثَرُ شيءٍ مقبولٍ يمكنُ أن تنالَ روحهُ، ألنْ يكونَ في هذَا كبحًا لسعادتِهِ وانشغالاً لرُوحهِ عن التفكيرِ في ضبطِ خطواتِهِ على إيقَاع حالةٍ أو وضعٍ ما بشكلٍ مُتقنٍ، بدلَ تركهِ مستَمتِعًا في سكينةٍ تأملّ العظمةِ المُستفيضةِ المحيطةِ بهِ؟ عندمَا نخوضُ التَّجربة، ونتركُ ملكًا لوحدِهِ، بدونِ إرضاءٍ لحواسِّه، بدونِ حرصٍ على روحِه، وبدونِ رفقةٍ، مفكرًا في ذاتهِ فقطْ، سَنرى أنَّ ملكًا تأملَّ في نفسِهِ هوَ رجلٌ بئيسٌ أيضًا، تَمامًا كغيرِهِ منَ الرِّجالِ. وحتَّى بتفادِي هذَا بعنايةٍ، سَيَتواجدُ دائمًا بجانبِ الملوكِ عددٌ كبيرٌ من المرافقينَ، هَمُّهم تسليةُ الملوكِ بعدَ مشاغلِهم، مهمَّتُهُم ملاحظةُ أوقاتِ الفراغِ وملؤُها بما لذَّ من المُتعِ والألعابِ، حتَّى لا يبقَى ثمَّةَ منْ فراغٍ. أيْ أنَّهم محاطون بأشخاصٍ مهتمُّون للغايةِ ألاَّ يبقَى الملكُ وحيدًا، في حالةِ تأمُّلٍ ذاتيّ، علمًا منهم أنَّه عرضةٌ للبؤْسِ، فكلُّ ملكٍ تعيسٍ هوَ ملكٌ فَكَّرَ في ذاتِهِ.
إنَّ الشَّيءَ الجَوْهريَّ الَّذي يدعمُ الإنسانَ أمامَ أهوالِه الكُبرى والمُعَذِّبة، هوَ أنَّه يُصْرَف عنِ التفكيرِ في ذاتِهِ دائمًا. احذروا من هذَا!
ماذَا يعني أنْ يكونَ المرءُ رئيسًا، وزيرًا أو حتّى وزيرًا أوّل، غيرَ أنْ يمتلِك عددًا من النَّاسِ المحيطينَ بهِ من كلِّ جانبٍ، مُهِمَّتُهم ألاَّ يترُكوا لهُ ولَوْ ساعةً واحدةً في اليَومِ حيثُ يمكنُ أنْ يفكِّر في ذاتِه؟ وعندمَا يَفقِد الملوكُ عزيمتَهُم، ويُبعَث بهم إلى منازلِهم في الأريافِ، حيثُ لا ينقُصُهُم لا الخيراتُ ولا الخدمُ ليُوفرُوا حاجياتهِم، وحتى لا يتركوا لهُم الفُرصةَ ليُصبحوا تُعسَاءَ، لغيابِ المانعِ من التَّفكيرِ في الذَّات.
مِنْ هُنا جاءَ انشغالُ عدَدٍ منَ الأشخاصِ بالألعابِ والقَنْصِ ووَسائِلِ التَّرفيهِ الأُخرى الَّتي تشغلُ حيِّزًا كبيرًا في روحِهِم. ليسَ لأنَّ هنالكَ سعادةً فيمَا يمكنُ الحصولُ عليهِ في هذهِ الألعابِ، ولا في تصوُّرِ الغِبطةِ الحقيقيَّةِ في المالِ الَّذي يُمكنُ جَنْيُهُ منَ المُراهناتِ، أوْ في الأرنَبِ البريّ الَّذي يَقتنِصونَهُ. لنْ نرغبَ بهذَا الأرنبِ أو هذَا المَالِ لَوْ كانَ مَمْنوحًا دونَ جُهدٍ، ليسَ هذا الاستعمالُ الرَّخوُ والسَّلبيّ، الذي يجعلُنا نُفكِّر في وَضْعيَّتنا التَّعيسةُ، هو ما نبحثُ عَنْه في التسلية. ولكنّ الهمّ هو الَّذي يَصرِفُنا عنِ التفكيرِ في ذَواتِنا.
مِنْ هنا جاءَ حبُّ الإنسانِ للصَّخبِ والضَّوضاءِ في العالمِ. فالسِّجنُ بالنِّسبةِ لهُ عقوبةٌ مريعةٌ، وثمَّة القليلُ من النَّاسِ فقطْ مَن يقدرونَ على معاناةِ العُزلةِ.
هذا كلُّ ما تمكَّن الإنسانُ مِن خلقِه ليُسعدَ نفسهُ. والَّذينَ يَتسلَّوْن بإظهارِ تفاهةِ وانحطاطِ تسليةِ الإنسانِ، يعرفونَ جيِّدًا حقيقةَ جزءٍ منْ بُؤسهم؛ لأنَّه بؤسٌ أكبرُ منَ القدرةِ على التَّسليةِ بأشياءَ خسِّيسةٍ وكريهةٍ: لكنَّهم لا يُدركونَ الجَوْهرَ الَّذي يجعلُ بؤسهم ضروريًّا، ما لم يَسْلَموا منَ البُؤْسِ الدَّاخليّ والطبيعيّ الَّذي يَشْترطُ عدمَ القُدرةِ على معاناةِ النَّظرِ إلى الذَّاتِ. لَو أنَّ شخصًا اشترى هذَا الأرنبَ البريّ، ما كانَ ليمنعَ عنْهُ الرُّؤيةَ؛ ولكنَّ القَنصَ يمنعُها. وحينَ نلومهُ على ذلك، أيْ على بحثِهِ المُستميثِ الَّذي لنْ يُرضيه، وأنَّه ليسَ ثمَّةَ ما هوَ أتفهُ وأدنى ممَّا يبحثُ عنهُ، لوْ أنَّ استجابتهُ كانتْ سليمةً ومُفَكَّرًا فيها، لَوافقَ: ولكنَّهُ يَعْترِضَ قائلاً أنَّه لا يبحثُ سوى عنْ ملهاةٍ عنيفةٍ وشديدةٍ ليصرفَ نَظره عن ذاتهِ، ولهذا يَقترِحُ على نفسِه شيئًا جذُّابا يُغريهِ ويَشْغلُ وَقتَهُ. ولَكنَّهُ لا يُجيبُ حتَّى بذلكَ، لأنَّه لا يَعرِفُ نفسهُ. إنّ رجلًا نبيلًا يعتقِدُ صراحةً بوجودِ شيءٍ عظيمٍ ونبيلٍ في القَنصِ: سيقولُ أنَّها مُتعةٌ ملكيَّة. تمامًا مِثلَ باقي الأمورِ الَّتي تشغلُ النَّاسَ. نحنُ نَتخيَّلُ بلوغَ شيءٍ صلبٍ وحقيقيٍّ فيما نبحثُ عنْه، نُقنعُ أنفسنا أنَّنا إذا ما بلغناهُ، سَنرتاحُ مُستَمْتِعينَ: ولا نُدرِكُ طبيعتَنا الجَشِعةَ وصَعبةَ الإرضاءِ. نَعتقِدُ أنَّنَا نَبحَثُ بحقٍّ عن السَّكينةِ، ولكنَّنَا لا نَبْحثُ في الحقيقةِ إلاَّ عن الاضطِرابِ.
يَمتلِكُ الإنسانُ غريزةً سِرّيةً تجعلهُ يَبحثُ عنْ التَّرفيهِ والانشغالِ في الخَارِجِ، والَّتي تنبعُ من الإحساسِ الدَّائمِ بِبُؤسهِ الأبديّ. ويملِكُ غريزةً أُخرى، سِرّيةٌ بِدَورِهَا، استمرَّت مَعهُ مُنذُ حالَتِهِ الطَّبيعيَةِ الأولى، تَجْعلُهُ هذهِ الغَريزةُ يعلمُ أنّ السَّعادةَ لا توجدُ خارِجَ حالةَ السَّكينةِ. وَمِنْ هاتَيْنِ الغريزتَيْنِ المُتَضادَّتَين، يَتشكَّلُ مَشروعٌ ضبابيٌّ يَتوارى عنْ نَظرهِ في جوهرِ روحهِ، والَّذي يَجعلهُ يَرْنو للسَّكينةِ عبرَ الاضْطرابِ، ولِيُدركَ دائمًا أنَّ الرِّضى الَّذي فَقَدَهُ سَيَستَرجِعهُ إذَا تَجاوزَ بعضَ المصاعِبِ الَّتي تقفُ في الطَّريقِ، عِندَها يُمكنُ أنْ يَقْتحمُ أبوابَ السَّكينةِ.

وهَكذا تُهدَرُ الحَياةُ كُلّها. نَبْحثُ عنِ السَّكينةِ عبرَ تَجاوزِ بَعضِ العَقباتِ، وما إنْ نَتجاوُزهَا، حتَّى تغدو السَّكينة ذاتها غيْرَ محتملةٍ. إمَّا أنْ نُفكِر بالمآسي الَّتي أصابتْنا، أو تِلك المُحدِقَةُ بنا. وحتَّى حينَ نَعْتقدُ أنَّنَا مُحصَّنونَ مِنْ ذلكَ كلِّه، لَنْ يَتركَ الضَّجرُ فُرصَتَهُ ليَسْتعرِضَ نُفوذَهُ وتَجَبُّرَهُ، ويَخرُجَ مِنْ أعماقِ القَلْبِ حَيْثُ تَمْتدُ جُذورُه، ليَدُسَّ بالعَقْلِ سُمُومَه.



... يُتبَع



ترجمة: Achraf Nihilista & ياسين الحيلي




السبت، 19 أغسطس 2017

بليز باسكال: حول بؤس الإنسان. -الجزء الأول-




توطئة سريعة: هذه ترجمة نص "بؤس الإنسان - Misère de l'Homme" للمفكر الفرنسي بليز باسكال، وهي ترجمة مشتركة مع صديق المدونة ياسين الحيلي، وسننشر هذا النص على أجزاء.

باسكال، بليز.





لا يُمكن لشيءٍ وضعنا على طريقِ إدراكِ بُؤس الإنسانِ غير معرفةِ السَّببِ الحقيقيّ وراءَ حالةِ الاضطرابِ المستمرّ الَّتي يقضي بهَا حياتَه.
لقد أُلقيَت الرُّوح في الجسدِ لتَمكثَ فيه لوقتٍ قصير، وتعرف أنّ الجسدَ ليسَ إلا معبرًا نحو رحلةٍ أبديّة. كما أنها لا تملِكُ من الزّمن سوى القليلِ قبل أنْ تنفصلَ عنه، إذ إنّ الضروراتِ الطبيعيةَ تنزعُ من الزمنِ قسطًا كبيرًا. ولا يبقى لها سوى القليلِ من الزمنِ المُتاحِ للذَّات. لكنّ هذا القليلَ المتبقي عسيرٌ للغاية، ويُضايقها على نحوٍ غريب، حتى إنَّها لا تفكر إلاَّ بمضيه. إنَّه لعذابٌ عظيمٌ أن يضطرَّ المرءُ لقضاءِ الوقتِ مع نفسه، مفكرًّا في ذاته. وهو، إذْ ذاكَ، لا يحرصُ على شيءٍ قدرَ حرصهِ على نسيانِ نفسِه، وتركِ الوقتِ، القصيرِ والثَّمينِ، يُهدر دون تفكيرٍ، مهتمًّا بأمور تشغلهُ عن التَّدبر فيه.
إنَّه أصلُ كلِّ المشاغل المَرَضِيَّةِ للإنسانِ، ولكل ما ندعوه ترفيهًا أو مضيعةً للوقت، حيثُ لا غرضَ لنا منها إلا تركُ الوقت يمضي دون الإحساسِ به، أو بالأحرى دون أن نستشعرَ به ذواتنا. كما نسعى من خلال فقدان هذا القِسطِ من حياتنا إلى تفادي المرارةِ والقَرفِ الداخلي الَّذي يُصاحبُ حتمًا الاهتمامَ الَّذي كنَّا نصُبُّه على أنفسنا خلالَ هذا الوقتِ. لا تجدُ الرّوح في ذاتِها ما يرضيها، بل ولا ترَى إلا ما يُكْرِبها حين تفكِّر في الأمرِ.  وهذا ما يُجبرها على الانفلاتِ خارجًا، والبَحثُ عن فقدانِ ذكرى حالتِها الحقيقيَّة من خلالِ الانهماكِ في الأمورِ الخارجيّة. فغبطتُها تكمنُ في هذا النّسيان؛ ويكفي جعلُها ترى ذاتَها وتكونَ معها، لتُصبحَ بئيسةً.
إنّنا نُحَمِّل الإنسانَ منذُ الصِّبى عبءَ صَوْن كرامتِه وثرواتِه، بلْ وحتّى خيراتِ وكرامةِ أسلافِه وأصحابِه، ونُكَبِّلُه بدراسةِ اللُّغاتِ، العلومِ، الرِّياضةِ والفنون. نُكلِّفهُ بمشاغلَ شتَّى: نُفْهِمُه أنَّه لنْ يصيرَ سعيدًا إذَا لم يحرص بمجهودهِ وعنايتِه على صَوْنِ ثروتِه وشرفِه، وكذا ثروةِ وشرفِ أصدقائه، وأنَّ اختلالَ أيٍّ منْ هذه الأشياءِ سيردي بهِ تعيسًا. وهكذا، نَشْغَلُه بأعباءَ ومهامَ تُؤْرقُه من مطلعِ الفجر. ستقولون: "يا لَها مِن طريقةٍ غريبةٍ لجعلهِ سعيدًا!" ما الّذي يمكنُ فعلهُ إذن لجعلِه تعيسًا؟ اسألوا أنُفسكُم ما الّذي يُمكنُ فِعلُه! لا ينبغي سوى إزالةِ هذا الحملِ عن كاهلهِ. لأنَّه، مذ ذاك، لنْ يرى ويفكرَّ إلا بذاتهِ، وهذا ما لا يمكنُه بأيِّ شكلٍ تحملُّه. وحتَّى إنْ تَبقَّى لهُ بعضُ الفراغِ بعدَ كلِّ تلكَ الأعباءِ الَّتي تَحَمَّلها، سيحرصُ على تضييعهِ في التَّرفيه الَّذي يَشغلُه ويسرقُه بدورِه من ذاتِه.
وعليهِ، كلَّما انشغلتُ بمختلفِ اضطراباتِ الإنسانِ، وأزماتِهِ والمخاطرِ الَّتي يتعرَّضُ لها في ساحةِ المعركةِ، سعيًا وراءَ رغباتٍ طموحةٍ تُولِّدُ صِراعاتٍ وأَهْواءَ ومشاريعَ خطيرةٍ ومُؤذِيةٍ؛ قلتُ أنَّ الشَّرَ الَّذي يَلحقُ الإنسانَ يَأتي منْ عدمِ قدرتِه على البقاءِ مرتاحًا في غرفةٍ. إنَّ شخصًا يملِكُ ما يكفي لسدِّ حاجاتِه، إذَا عرفَ كيف يبقى معَ نفسِه، فلنْ يغادرِها أبدًا إلى البحرِ أو إلى أيِّ مكانٍ آخرَ: وإذَا كنَّا نبحثُ فقطْ عنِ العيشِ ببساطةٍ، عِندها لنْ نحتاجَ للقيامِ بكلِّ تلكَ المشاغلِ الخطيرةِ.
ولكنْ حينَ نظرتُ عن كَثَبٍ، وجدتُ أنَّ بُعدَ الإنسانِ عن السَّكينةِ، وصعوبةَ البقاءِ مع ذاتِه، يأتي منْ سببٍ فعليٍّ، إذْ يعودُ إلى شرِّ وضعِنا الطَّبيعي الضعيفِ والفاني، ولبُؤسِنا الَّذي لا عزاءَ لنا فيه حينَ لا يمنعُنا شيءٌ عن التّفكيرِ بهِ، وحين لا نرى شيئًا إلاَّ ذواتَنَا.
لا أتحدَّثُ إلُا عنْ أولئِك الَّذين ينظرون لذواتِهِم بغَيْرِ منظَارِ الدِّين. إنَّه لمِن مُعجزاتِ المَسيحيَّة، في حقيقةِ الأمرِ، أنَّها تُصالِحُ الإنسانَ معَ ذاتِه، عبرَ مصَالحتِه مع الرَّب؛ كما تجعلُ التَّفرُسَ في ذاتِهِ محتملاً، وتجعلُ من العزلةِ والسكينةِ مستحبَّيْنِ للكثيرينَ، أكثرَ من الاضطرابِ وباقي مشاغلِ البشرِ. ألا تُنْتِجُ منْ إيقافِ المرْءِ في ذاتِهِ آثارَها الأكْثَرَ إبهارًا؟ ولا تفعلُ ذلك إلاَّ بإيصالهِ بِالرَّبِ ودعمِهِ في شعورِه بالبُؤسِ، عبرَ تطَلُّعِهِ لحياةٍ ثانيَةِ ستُحرِّرهُ كُلِيًا.
ولكن لأولئِك الَّذين لا تُحرِّكُهم سوى طبيعتُهم، فمِنَ المُستَحيلِ أنْ يبقوا في هذهِ الرَّاحةِ الَّتي تتيحُ لهم أن يَتَفَرَّسُوا في ذواتِهم، دونَ أنْ يُهاجِمَهُم الحُزنُ والأسَى. ذاكَ الَّذي لا يُحبُّ إلا نفسَهُ، لا يكرهُ شيئًا قدرَ كرهِه البقاءَ وحيدًا مع نفسهِ. فهوَ لا يبحثُ عن شيءٍ إلاَّ لنفسِه، ولا يهرُبُ من شيءٍ قدرَ هروبِه من نفسِه. لأنَّه حينَ يرى نفسهُ، لا يرَاها كمَا كانً يرغبُ أن تكونَ، ويجدُ فيها كمًّا من الآلامِ لا مفرَّ منهُ. وفراغًا ماديًا وحقيقيًا يَصعُبُ عليهِ ملؤُه.

فَلنختَرْ أيَّ حالةٍ نشاءُ، ونجمعُ فيهَا كل ما نريدُ منَ الخيراتِ والمَلذَّاتِ الَّتي تظهرُ قادرةً على إرضَاءِ أيّ إنسانٍ. إذا كانَ هذَا الإنسانُ الَّذي سَنضعُه في هذهِ الحالةِ بلاَ مشَاغلَ ولا تَرْفيه، مُفكِّرًا في ماهيَّتِه، فإنَّ هذهِ الغِبطةَ -القَاهِرةَ- لنْ تَنْتشِلهُ ممَّا هو فيهِ. سيقعُ بالضَّرورةِ في تصوُرَاتٍ سوداويَّةٍ عن المُستَقْبلِ: وإذَا لمْ نشغَلْهُ خارجَ ذاتِه، فسيغدو بالضَّرورةِ تعيسًا.



...يُتبع


ترجمة: Achraf Nihilista & Yassine Hilly



الثلاثاء، 4 أكتوبر 2016

أوشو... عن كارل يونغ وعلم النّفس الغربيّ







أوشو... عن كارل يونغ وعلم النّفس الغربيّ






ثمة طريق وحيدة بلا استثناء، إنّها طريق التأمُّل— والّتي ظلَّ علم النّفس الغربيّ يتجنّبها. ظلَّ يتجنَّب ليحمي بنيته وأدبياته برمتهما. مؤسسوه ومحلّلوه النّفسيين الكبار، كلُّهم سيغرقون، سيُنسَون لو دخل التأمل المجال. لأنّ التأمُّل يستطيع مساعدتك لتكتشف شيئًا يتجاوز عقلك.
يوجد الإيجو بين العقل والجسد. إنّه كيان زائف. ليستِ الذّاتُ موجودةً بين العقل والجسد، إنّما وراء العقل. ولتبلغ الذَّاتَ عليك أن تتعلَّمَ طرائق إسكاتِ العقل، بحيث تختفي ثرثرته المستمرة. وذلك لأنَّ الذَّات الحقيقيّة صمتٌ مطلق.
ما لم يُدمِج علم النّفس الغربيّ التأمُّل، فسوف يظلُّ موثقًا إلى الأنا. لا يستطيع ترك الإيجو لأنّ دون إيجو لا يعود عندها ثمة مركز للإنسان. على الأقل ثمة شيء— قد يكون زائفًا— لكنّه شيءٌ نتمسَّك به... لكنّه يدمِّر حياة الإنسان كلِّها. يزيد من اندفاعه أكثر فأكثر، يجعله أسرع دون أن يعرف إلى أين هو ذاهب. ولماذا هو ذاهب، دون حتى أن يتقصى من يكون. 
لم يسأل علمُ النّفس الغربيّ سؤالًا أساسيًّا— مَنْ أنا؟— لأنّ هذا السؤال سيدمِّر الإيجو الزّائف. وأن تسأل ذلك السؤال يعني أن تدخل عالَمَ التأمُّل، والتأمُّل بإيجاز هو حالة من اللاعقل. ولقد خاض علم النّفس الغربيّ، وما يزال، آلامًا كبيرة لينكر أيّة حالةٍ كهذه من اللاعقل— إنّ العقل نهاية وجودك— موقف غير علميّ بالمرّة من دون استكشاف أو حتى الاطلاع على التّاريخ الطويل لمتصوِّفي الشّرق— ليس علم النّفس الغربيّ سوى علمٍ بعمر... قرن واحد. لقد وُلِدَ للتو.
يقارب عمر الصوفيّة الشرقيّة عشرة آلاف سنة. ليستْ قضيّة كلمة رجل واحد، أو بلد واحد؛ بل بلدان محتلفة وأعراق مختلفة وأزمنة مختلفة، ولم يكن بينها تبادل في الأفكار، وصلوا جميعًا إلى نفس الخلاصة. لا يمكنك أن تواصل تجاهل الأمر ببساطة. نصف البشريّة— وعلى الأرجح النّصف الأفضل؛ لأنّه تحضَّر قبل الغرب، تثقف قبل الغرب بزمن طويل، عاش كلَّ الأمجاد الّتي يعتقد الغرب أنّه يبلغها الآن... عند النظر إلى أدب تلك الشعوب ومخطوطاتها وموسيقاها وشعرها، سيكون عليك أن تفكِّر أنّ النّاس الّتي أبدعتْ مثل هذه المخطوطات، ومثل هذا الشعر العظيم، ومثل هذا الرسم العظيم، ومثل هذه الموسيقا العظيمة، لا يجب تجاهلها اعتباطًا. يجب الاستماع إليهم بحرص ويجب استكشاف كلِّ ما يقولونه دون أيِّ تحيُّز. إنّهم يقولون إنّ العقل ليس نهاية الإنسان؛ بل اللاعقل هو حقيقته الجوهريّة.
العقل ظاهرة متغيّرة، إنّه جريان متواصل— ونعلم ذلك! إنّه يتغيّر كلَّ لحظة. إن الأفكار في حالة ازدحام مستمرّة. لا تستطيع إبقاء فكرة واحدة في عقلك لأكثر من بضع لحظات. إنه جريان متواصل غير مستقر. ليس بوسعه تأسيس حقيقة الإنسان الجوهريّة. ثمة حاجة لشيء أكثر تماسكًا. وهو هناك، لقد تمّ اكتشافه. عاشه ناس. وبوسعك رؤية الفرق: ما يزال أعظم محلّل نفسيّ في الغرب عرضة لنفس ضروب الأمراض مثل أيِّ إنسان عادي، لنفس الجنون، لنفس الشيزوفرينيا. بخصوص خبرته، فهو متمرّسٌ جيّدًا بالفعل، لكن فيما يخص إنسانيته، هو عادي كأيِّ شحض آخر. ليس فيه تحوّل جذريّ.
اشتُهرَ الأطباء النفسيون بأنّهم يغتصبون مرضاهم— أنّى لهؤلاء النّاس إذن أن يقدموا المساعدة ؟ يصاب أطباء النّفس بالجنون ضعف ممارسي المهن الأخرى. وينتحرون بمقدار ضعفي من ينتحرون من ممارسي المهن الأخرى. ليسوا أناسًا مرحين، ليسوا هادئين وساكنين، لا تبدو عليهم سكينة الصوفيين، ولا سعادتهم ولا يقينهم ولا هيبتهم. كلُّ ما يحلُّ بهم من صنيع العقل.
يظْهر الصوفيّ أعلى مرتبةً من المحلّل النّفسي. في الواقع إنّ المحللين النّفسانيين يخافون مواجهة الصوفيين؛ لأنّ مَثَلَهم أمام الصوفيين كمثلِ الجمل قرب الجبل. لا تحبُّ الجمال الذهاب إلى الجبال؛ تحبُّ الصحراء. فهناك تكون هي الجبال.
كان كارل غوستاف يونغ في الهند. زار تاج محل، ذهب ليرى مجموعة معابد خاجوراهو، ذهب ليرى معابد كوناراك، لكنّه لم يذهب لرؤية رامانا مهارشي. وحيثما ذهب، قيل له مرارًا وتَكرارًا " أنت أحد أعظم المحلّلين النّفسييين في الغرب، عليك ألاّ تفوِّتَ فرصة لقاء صوفيّ مشرقيّ قد بلغ صفْوَه الكامل."
كان في الجنوب، على بعد ساعتين من بلوغ رامانا مهارشي لو أراد ذلك. لثلاثة أشهر كان في الهند، لكنّه تجنَّب الأمر. لا يمكن لهذا أن يكون محض صدفة. ولقد شعر هو نفسُه أنّه مدين بتفسير ما، وإلاّ سيبدو الأمر على أنّه تجنَّب. وبطبيعة الحال، لمّا كان مفكرًا عظيمًا ومحلِّلًا نفسيًّا كبيرًا- كان بوسعه إيجاد أيِّ عذرٍ وأيِّ تفسير، وقد وقع على تفسيرٍ يمكن اعتباره خطيرًا.
صدر تفسيره عندما عاد لزيورخ، صرّح بأنّه لم يذهب لرؤية رامانا مهارشي" لأنّ ثمة اختلاف بين طرائق الشّرق وطرائق الغرب، وأنّ الطريقة الشرقيّة خطيرة على الإنسان الغربيّ؛ إذ إنّه نشأ بطريقة مختلفة، تقاليده مختلفة وثقافته مختلفة ودينه مختلف وتطوره النّفسيّ كلّه مختلف. إن من الخطير أن نجلب لهذه النّفسيّة المختلفة أيّة طريقة من الشّرق؛ لأنّ تلك الطرائق طوَّرتْ لإنسان مختلف، لنفسيّة مختلفة- ولهذا لم أزره." لكن هذا كلّه هراء، فمن قال إنّ عليك اتباع رامانا مهارشي، من قال إنّه عليك استعمال تقنياته وطرائقه؟
كلُّ ما كان يصرُّ النّاس عليه هو أنّ عليك أن تراه على الأقل. مجرّد لقائه لم يكن ليدمِّرَ علم نفسِك الغربيّ. لو كان هذا العلم ضعيفًا وهشًا لدرجة أنّ لقاء رامانا مهارشي سيدمره، فهو لا يستحق عناء الإبقاء عليه — يجب أن يدمَّر، وكلّما كان ذلك أقرب كان أفضل. لم هدر الوقت على شيء بهذا الضّعف؟ رامانا مهارشي ليس خائفًا منك.
حين قيلَ لرامانا مهارشي إنّ كارل جوستاف يونغ هنا وإنّه قيل له باستمرار من قبل كلِّ عالِم نفسٍ يلتقيه في الهند" إنّ لقاء أيِّ بروفيسور تحليل نفسيّ في الهند عديم الجدوى؛ لأنّهم ببساطة يكررون ما تنتجه أنت في الغرب كالببغاوات. من الأحسن أن تذهب لترى شخصًا فريدًا ومختلفًا لتكون لديك نظرة مقارنة." حين سمع رامانا بهذا وأنّه قد يأتي إليه شعر بالغبطة. وقال: "مرحبًا به في أيِّ وقتٍ شاء القدوم، أنا متوفر"
وهذا الرجل أميّ. ترك منزله في عمر السّابعة عشر. ليس خبيرًا بأيِّ شيء. ليس عالِم منطق، ليس فيلسوفًا وليس خائفًا من أيٍّ من مؤسسي علم التحليل النّفسيّ. كان ليسعد برؤيته. لكنّ محلّل النّفس جبان.
بالنّسبة لي، ليستْ هذه مجرّد حادثة بين يونغ ورامانا؛ إنّها رمزيّة للغاية، وذاتُ مغزى. علم التحليل النّفسيّ الغربيّ خائفٌ لأنّه قائمٌ على رمال متحركة، لا أساسَ له. إذن لو سألتني، لا يمكن لي أن أقترح عليك تغييراتٍ صغيرةٍ هنا وهناك. ليس بوسعي أن أخبرك كيف تقدر على ترميمه تاركًا البنیان القديم سليمًا— مجرّد أن تطليه بلون جديد، وأن تعيد ترتيب الأثاث وما إلى ذلك. لا. أساساتُ البناء كلّه قائمةٌ على نحو خاطئ.
على علم النفس الغربيّ أن يترك الإيجو وأن يجد الذّاتَ الحقيقيّة وذلك غير ممكن من دون التأمُّل. لقد فعلها الشّرق لآلاف السنين. لذا ليس الأمر جديدًا، ليس شيئًا غير مُستكشَف، ليس أمرًا دونكيخيوتيًا. إنّه أمرٌ تقف القرون له دعامة. ولم يُجَنَّ أيِّ متأمُّل يومًا، لم ينتحر أيِّ متأمُّل يومًا، لم يغتَصِبْ أيِّ متأمِّلٍ يومًا. ليس الأمر مجرّد تجربة عمليّة، أو فهمًا فكريًا؛ إنّه تحوَّل جذريِّ للإنسان نفسِه.
يجب تذكير المحلل النفسي بإحدى مقولاتِ سقراط؛ على الطبيب أن يشفي نفسّه أولًا. المحلّل النّفسيّ مريض بدوره، مريضٌ تمامًا. لا يختلف عن الزّبون. جميعهم في قارب واحد. إنّه يرى نفس الكوابيس ويعاني من نفس التوتراتِ النّفسيّة و يشعر بنفس اللامعنى ويحاول مساعدة النّاس الّذين يحملون نفس الأمراض. أنّى له أن يكون مرجعًا. بأيِّ وجهٍ سيؤكد للمريض أنّ الأشياء قابلة للتغيير. ليستْ شخصيته مندمجة بكليتها في عمله. إنّها دراسته فحسب.
يشبه الموضوع رجلًا يدرس تاريخ الفنّ، فيصبح مؤرخًا عظيمًا لكلِّ الفنِّ الّذي أنتج في العالَم كلّه، لكنّه لا يستطيع رسم خط مستقيم بنفسِه. لأنّ لا ذلك ليس تاريخًا. لا مغزى من ذلك، فتخصّصه التّاريخ. هذه حال المحلّل النّفسيّ: يعرف كلَّ شيءٍ عن العقل، لكنّه لا يعرف كيف يغيّره، لا يستطيع تغيير عقله حتى؛ لأنّ في كلِّ تغيير عليك أن تكون منفصلًا عن الشيء الّذي ستغيره. وهو يعرِّف نفسَه بالعقل - فمَنْ سيغيّر مَنْ؟
يخلق التأمُّل الفجوة. يأخدك ما بعد وما وراء العقل، عندها يمكنك أن تتغيّر؛ لأنّ العقل يصبح موضوعًا لك. عندها لا تعود تعرِّف نفسَك بالعقل. عندها تستطيع إعادة ترتيبه أو تغييره بشكل كامل ولا يقدر العقل أن يؤثر عليك إطلاقًا. أنت قصي للغاية، متعالٍ للغاية بحيث لا يستطيع العقل الوصول إليك.
يمنحك تعذر وصول العقل إليك قوّة هائلة. تستطيع الوصول إلى العقل وتغيير أيَّ شيءٍ تريده ويصبح العقل عاجزًا لأول مرّة. تستطيع مساعدة مرضاك على أن يتأمَّلوا.
الآن يخبرون مرضاهم أن يمارسوا تمارين تحليل أحلامٍ عديمة الجدوى. يأتي المريض مرّتين أو ثلاثًا في الأسبوع لمدّة ساعة، متحدثًا عن جميع أحلامه. وبينما يتحدث عن أحلامه، جالسًا خلف الأريكة، أتعتقد أنّ المحلّل النّفسيّ يستمع إليه؟ هل هو قادر على الاستماع؟ يحتاج لذلك إلى عقل صامت، وهذا ما لا يملكه. لربما يحلم بدوره، جالسًا في الخلف.


المصدرأوشو-تسجيلات- العهد الأخير، المجلّد الخامس.


ترجمة: Abderezak Belhachemi

الثلاثاء، 20 سبتمبر 2016

أي مكان خارج العالم - شارل بودلير





من كتاب "كآبة باريس" المعروف أيضا ب "قصائد نثر صغيرة".








أيّ مكانٍ خارجَ العالم:

هذه الحياةُ هيَ مستشفى حيثُ تتملَّكُ كلُّ مريضٍ الرَّغبةُ في تغييرِ السرير. هذا يريدُ أن يعاني أمام المدفأةِ، وذاك يعتقدُ أنه سيُشفى إلى جانبِ النَّافذة.
يَبدو لي أنَّني سأكون دائمًا بحالٍ جيدة هناك حيثُ أنا غيرُ موجودٍ، وفكرةُ الانتقالِ هذه هي فكرةٌ أناقشها دون تَوقُّفٍ مع روحي.
"أخبريني يا روحي، أيتها الرُّوح الفقيرةُ البارِدة، ما رأيكُ إن سَكنا لشبونة؟ لا بدَّ أنَّ الجو ساخنٌ هناك، وستَبتهجين به كما حيوانٍ زاحف. هذه المدينةُ على حافة الماء؛ يقولون إنَّها مبنيةٌ من رخامٍ وأن سُكانها بهم من كرهِ النّبات ما يجعلهم يقتلعون كلَّ الأشجارِ. هذا مشهدٌ طبيعيّ كما يشتهي ذوقكِ، مشهدٌ من ضوءٍ ومعادنَ، وسوائلَ لتعكسهما."
روحي لا تَردُّ بشيء.
"بما أنَّكِ تحبّين السَّكينةَ إلى هذا الحدِّ، مع مشهدِ الحركةِ، أترغبين السَّكنِ بهولاندا، تلك الأرضُ المبهجةُ؟ فقد تستمتعين بتلك الأرضِ الَّتي دائمًا ما أعجبتكِ صورتُها في المتاحفِ. ما رأيك في روتردام، أنت الَّتي تحبِّين غاباتِ الصّواري والسُّفنَ الرّاسيةَ أسفلَ المنازل؟"
ظلَّتْ روحي صامتةً.
"قد تجعَلكِ باتافيا تبتسمين أكثرَ، وسنجدُ بها روحَ أوروبا ممتزجةً بالجمالِ الاستوائيِّ."
ولا كلمة، أتكون روحي ميتة؟
"هل بلغتِ إذن هذا الحدَّ من الخدرِ؛ حيثُ لا تنتشينَ سوى من آلامك؟ إذا كان الأمرُ هكذا، فلْنهربُ صوبَ تلك البلدانِ المشابهةِ للموت. سأتكلَّف بالأمرِ، أيَّتها الرّوح البائسة! سنحزم حقائبنا صَوبَ تورينيا، ولم لا نذهبُ أبعدَ، إلى أقصى البلطيق؛ أو أبعدَ من الحياةِ حتى، إن كانَ هذا ممكنًا؛ فلنستقرَّ في القطبِ. هناك لا تلامس الشَّمسُ الأرضَ إلا نادرًا. والتّعاقبُ القليلُ للضّوءِ والظّلمةِ يقتل التّنوع ويزيد الرَّتابةَ، هذا الجانبُ الآخرُ للعدم... هناك يمكننا أخذُ حماماتِ ظلامٍ طويلة، بينما يرسلُ لنا الفجْرُ، على سبيلِ التَّرفيهِ، أشعته الورديَّة الَّتي تشبهُ انعكاساتِ ألعابٍ ناريَّةٍ من الجحيمِ."
أخيرًا، انفجرتْ روحي وصَرختْ بي بحكمةٍ: "في أي مكانٍ! في أي مكانٍ! شريطةَ أن يكونَ خارجَ هذا العَالمِ."



ترجمة: Achraf Nihilista



الخميس، 15 سبتمبر 2016

رحلة إلى الجحيم - غوستاف فلوبير










رحلة إلى الجحيم:

كنتُ أعلى الأطلسِ الكبير، ومِنْ هناك كنتُ أتأملُ العالَم، بذهبه وطينه، بفضائله وغروره.
عندها ظهرَ لي الشّيطان، وقالَ:
"تعالَ معي، شاهدْ وأمعن النظر؛ وستتمكنُ منْ رؤيةِ مملكتي، عالمي أنا."
أخذني الشّيطان معه، وعرضَ لي العالَم.
وفي أثناءِ تحليقنا عبرَ الفضاء، وصلنا إلى أوروبا. وهناك، أراني علماءَ وأدباءَ ونساءً  ومتحذلقينَ ومتبجحين، ملوكًا وحكماء؛  كانَ هؤلاء أكثر الناسِ خَبَلاً.
شاهدتُ أخًا يقتلُ أخاه، أمًا تخونُ ابنتها، كتابًا يهينونَ الشّعبَ مستغلينَ حظوةَ قلمهم لديه، رهبانًا يخونونَ أتباعهم، متثاقفينَ يقتلونَ هِمَّةَ الشّباب، وحربًا تحصدُ أرواحَ النّاس.
وهنا، ثمة رجلٌ مخادعٌ يتقدمُ زاحفًا في الوحلِ باتجاه الكبار، ليعضَّ أكعابهم؛ ثمَّ يسقطون، وينتشي هو منْ سقوطِهم في الطّين.
وهنا، ملكٌ يجلسُ في سريرِ العُهرِ الذي يتوارثونه أبًا عنْ جَد، حيثُ يتعلمُ دروسًا في الزِّنا، ويتذوقُ ما جادتْ عليه به المومسُ المختارة، تلك التي تحكمُ فرنسا. والشّعبُ يهتفُ ويصفق؛ إذ إنّه كانَ معصوبَ العينين.
ورأيتُ عملاقين: الأولُ عجوز، ظهرهُ مُقوَّس، وجهه مجعدٌ وضعيفُ البنيّة. يتكئ على عصًى تسمى الحذلقة؛ والآخرُ كانَ شابًا، كفؤًا وقويًا وضخمَ البنية، دماغه شاعريّ ويداه منْ ذهب. يحملُ صولجانًا هائلاً، ورغمَ ذلك كلّه، أتلفتهُ عصى العجوز. هذا الصولجانُ كانَ يسمى العقل.
خاضا عراكًا شرسًا، وفي النهاية استسلمَ العجوز. سألته عنِ اسمه. فقال:
-الشموليّة.
-والآخر الذي انتصرَ عليك؟
-له اسمان.
-ما هما؟
-يسميه بعضهم حضارة، البعض الآخر حريّة.
بعدها أخذني الشّيطانُ إلى معبدٍ، ولكنّه معبدٌ يعمُّه الخراب.
النّاسُ في هذا المعبد يذيبونَ النعوشَ ليصنعوا منها قنابل، وتطايرَ ما كانَ عليها من أتربةٍ جراءَ ذلك؛ لأنَّ هذا القرن كانَ قرنَ الدَّم.
وبقي هذا الدَّمارُ كما هو. وهناك رجلٌ فقيرٌ يرتدي ملابسَ ممزَّقة، أبيضُ الشّعر، يحملُ الكثيرَ منَ الفقر، العارِ والذل، واحدٌ من أولئك الّذين تمتلئ جباههم بالتجاعيدِ منْ كثرةِ الهموم، تراكمُ في عشرينَ سنة آلامَ قرنٍ كامل، يجلسُ أسفلَ عمود.
كانَ يبدو مثلَ النملةِ أسفلَ الهرم.
شاهدَ النّاسَ طويلاً وهم ينظرونَ إليه في حسرةٍ وشفقة، بينما هو يلعنهم جميعًا؛ إذ إنَّ العجوز كانَ الحقيقة.
قلتُ للشّيطان:
-أرني مملكتك.
-هذه هي.
-كيفَ ذلك؟
 أجابني الشّيطانُ قائلاً:
-لأنَّ هذا العالَم هو الجحيم!


ترجمة: Achraf Nihilista


الأحد، 11 سبتمبر 2016

لم تكن من هنا - إميل سيوران




نص من كتاب إميل سيوران "تمارين في الإعجاب".






لم تكن من هنا:

لم ألتقيها سوى مرتين. هذا قليل. ولكنَّ الاستثنائيَّ لا يقاسُ بمقاييسِ الزَّمن. كانتْ طلعتها الغائبة والمحيِّرة ما شدَّني إليها على الفور، همساتها (إذ لم تكن تتكلم، بل تهمس)، حركاتها المضطربة، نظرتها غير المتتبعة للأشخاص أو الأشياء، رونق طيفها الأخاذ. "من تكونين؟ ومن أي مكان جئت؟" كان هذا السؤال الذي نرغب طرحه عليها فور رؤيتها. لم تكن تستطيع الإجابة، إذ كانتْ شديدة التماهي مع سرها أو عاجزةً عن خيانته. لم يعرف أحدٌ كيف كانتْ تتنّفس، أو بأيِّ لعبة كانتْ تخضع لسلطان النَّفَس، أو ما كانتْ تبحث عنه بيننا. الأكيد أنها لم تكن من هنا، ومشاركتها لسقوطنا في الزَّمن كان أدبًا منها أو حبَّ استطلاع. وحدهم الملائكة أو المرضى العضولين بإمكانهم منحك شعورًا مماثلًا لذاك الّذي اختبرناه في حضورها. غواية، قلق خارق.
في نفس اللّحظة الّتي رأيتها فيها، وقعتُ في حب خجلها، حياء فريد، لا ينسى، يمنحها مظهرَ عذراءَ متعبةٍ من خدمة إله سريّ، أو متصوفةٍ دمرّها الحنين إلى النشوة أو الإفراط فيها، إلى الأبد أضاعتْ طريق العودة إلى عالَمنا.
مثقلةً بالهبات، ممتلئةً بالنِّسبة إلى العالَم، كانتْ تبدو مع ذلك محرومةً من كلِّ شيء، حدَّ العَوَز، منذورة للهمس عن فاقتها بشكل لا يكاد يلحظ. ثمَّ ما الّذي يمكنها امتلاكه والحديث عنه، لمّا كان الصَّمت يستحوذُ على روحها، والحيرة عالمها؟ أولم تبعث فينا ذكرى مخلوقاتِ ضوء القمر الّتي تحدث عنها روزانوف؟ كلّما فكرنا فيها، نأينا عن النظر إليها حسب تفضيلاتِ وأحكام الزّمن. لعنة من نوع غير معاصر تلك الّتي كانتْ تحيق بها. ولحسن الحظ، حتى سحرها كان يبدو قديما. كان ينبغي أن تولد بعيدا، في زمن آخر، وسط أراضي هاوروث، في الضبابيّة والأسى، إلى جانب الأخوات برونتي.

ذاك الذي يجيد قراءة الوجوه بإمكانه أن يقرأ بسهولة أنها ليست محكومة للديمومة، وأنها معفاة من كابوسِ السنوات. وحتى إن كانت تبدو ممتلئة بالحياة، إلاّ أنّها لم تكن متواطئةً معها، إذ لم يكن بإمكاننا رؤيتها من دون التفكير في أنّنا قد لا نراها بعد ذلك أبدا. كان الوداع محدِّد طبيعتها، بهاء قدرها، علامة مرورها على الأرض؛ وأيضا كانتْ تحمله هالة من حولها، ليس لأنها كانت تحب التميّز، بل لتحالفها مع شيء خفي.




ترجمة: Achraf Nihilista