الثلاثاء، 4 أكتوبر، 2016

أوشو... عن كارل يونغ وعلم النّفس الغربيّ







أوشو... عن كارل يونغ وعلم النّفس الغربيّ






ثمة طريق وحيدة بلا استثناء، إنّها طريق التأمُّل— والّتي ظلَّ علم النّفس الغربيّ يتجنّبها. ظلَّ يتجنَّب ليحمي بنيته وأدبياته برمتهما. مؤسسوه ومحلّلوه النّفسيين الكبار، كلُّهم سيغرقون، سيُنسَون لو دخل التأمل المجال. لأنّ التأمُّل يستطيع مساعدتك لتكتشف شيئًا يتجاوز عقلك.
يوجد الإيجو بين العقل والجسد. إنّه كيان زائف. ليستِ الذّاتُ موجودةً بين العقل والجسد، إنّما وراء العقل. ولتبلغ الذَّاتَ عليك أن تتعلَّمَ طرائق إسكاتِ العقل، بحيث تختفي ثرثرته المستمرة. وذلك لأنَّ الذَّات الحقيقيّة صمتٌ مطلق.
ما لم يُدمِج علم النّفس الغربيّ التأمُّل، فسوف يظلُّ موثقًا إلى الأنا. لا يستطيع ترك الإيجو لأنّ دون إيجو لا يعود عندها ثمة مركز للإنسان. على الأقل ثمة شيء— قد يكون زائفًا— لكنّه شيءٌ نتمسَّك به... لكنّه يدمِّر حياة الإنسان كلِّها. يزيد من اندفاعه أكثر فأكثر، يجعله أسرع دون أن يعرف إلى أين هو ذاهب. ولماذا هو ذاهب، دون حتى أن يتقصى من يكون. 
لم يسأل علمُ النّفس الغربيّ سؤالًا أساسيًّا— مَنْ أنا؟— لأنّ هذا السؤال سيدمِّر الإيجو الزّائف. وأن تسأل ذلك السؤال يعني أن تدخل عالَمَ التأمُّل، والتأمُّل بإيجاز هو حالة من اللاعقل. ولقد خاض علم النّفس الغربيّ، وما يزال، آلامًا كبيرة لينكر أيّة حالةٍ كهذه من اللاعقل— إنّ العقل نهاية وجودك— موقف غير علميّ بالمرّة من دون استكشاف أو حتى الاطلاع على التّاريخ الطويل لمتصوِّفي الشّرق— ليس علم النّفس الغربيّ سوى علمٍ بعمر... قرن واحد. لقد وُلِدَ للتو.
يقارب عمر الصوفيّة الشرقيّة عشرة آلاف سنة. ليستْ قضيّة كلمة رجل واحد، أو بلد واحد؛ بل بلدان محتلفة وأعراق مختلفة وأزمنة مختلفة، ولم يكن بينها تبادل في الأفكار، وصلوا جميعًا إلى نفس الخلاصة. لا يمكنك أن تواصل تجاهل الأمر ببساطة. نصف البشريّة— وعلى الأرجح النّصف الأفضل؛ لأنّه تحضَّر قبل الغرب، تثقف قبل الغرب بزمن طويل، عاش كلَّ الأمجاد الّتي يعتقد الغرب أنّه يبلغها الآن... عند النظر إلى أدب تلك الشعوب ومخطوطاتها وموسيقاها وشعرها، سيكون عليك أن تفكِّر أنّ النّاس الّتي أبدعتْ مثل هذه المخطوطات، ومثل هذا الشعر العظيم، ومثل هذا الرسم العظيم، ومثل هذه الموسيقا العظيمة، لا يجب تجاهلها اعتباطًا. يجب الاستماع إليهم بحرص ويجب استكشاف كلِّ ما يقولونه دون أيِّ تحيُّز. إنّهم يقولون إنّ العقل ليس نهاية الإنسان؛ بل اللاعقل هو حقيقته الجوهريّة.
العقل ظاهرة متغيّرة، إنّه جريان متواصل— ونعلم ذلك! إنّه يتغيّر كلَّ لحظة. إن الأفكار في حالة ازدحام مستمرّة. لا تستطيع إبقاء فكرة واحدة في عقلك لأكثر من بضع لحظات. إنه جريان متواصل غير مستقر. ليس بوسعه تأسيس حقيقة الإنسان الجوهريّة. ثمة حاجة لشيء أكثر تماسكًا. وهو هناك، لقد تمّ اكتشافه. عاشه ناس. وبوسعك رؤية الفرق: ما يزال أعظم محلّل نفسيّ في الغرب عرضة لنفس ضروب الأمراض مثل أيِّ إنسان عادي، لنفس الجنون، لنفس الشيزوفرينيا. بخصوص خبرته، فهو متمرّسٌ جيّدًا بالفعل، لكن فيما يخص إنسانيته، هو عادي كأيِّ شحض آخر. ليس فيه تحوّل جذريّ.
اشتُهرَ الأطباء النفسيون بأنّهم يغتصبون مرضاهم— أنّى لهؤلاء النّاس إذن أن يقدموا المساعدة ؟ يصاب أطباء النّفس بالجنون ضعف ممارسي المهن الأخرى. وينتحرون بمقدار ضعفي من ينتحرون من ممارسي المهن الأخرى. ليسوا أناسًا مرحين، ليسوا هادئين وساكنين، لا تبدو عليهم سكينة الصوفيين، ولا سعادتهم ولا يقينهم ولا هيبتهم. كلُّ ما يحلُّ بهم من صنيع العقل.
يظْهر الصوفيّ أعلى مرتبةً من المحلّل النّفسي. في الواقع إنّ المحللين النّفسانيين يخافون مواجهة الصوفيين؛ لأنّ مَثَلَهم أمام الصوفيين كمثلِ الجمل قرب الجبل. لا تحبُّ الجمال الذهاب إلى الجبال؛ تحبُّ الصحراء. فهناك تكون هي الجبال.
كان كارل غوستاف يونغ في الهند. زار تاج محل، ذهب ليرى مجموعة معابد خاجوراهو، ذهب ليرى معابد كوناراك، لكنّه لم يذهب لرؤية رامانا مهارشي. وحيثما ذهب، قيل له مرارًا وتَكرارًا " أنت أحد أعظم المحلّلين النّفسييين في الغرب، عليك ألاّ تفوِّتَ فرصة لقاء صوفيّ مشرقيّ قد بلغ صفْوَه الكامل."
كان في الجنوب، على بعد ساعتين من بلوغ رامانا مهارشي لو أراد ذلك. لثلاثة أشهر كان في الهند، لكنّه تجنَّب الأمر. لا يمكن لهذا أن يكون محض صدفة. ولقد شعر هو نفسُه أنّه مدين بتفسير ما، وإلاّ سيبدو الأمر على أنّه تجنَّب. وبطبيعة الحال، لمّا كان مفكرًا عظيمًا ومحلِّلًا نفسيًّا كبيرًا- كان بوسعه إيجاد أيِّ عذرٍ وأيِّ تفسير، وقد وقع على تفسيرٍ يمكن اعتباره خطيرًا.
صدر تفسيره عندما عاد لزيورخ، صرّح بأنّه لم يذهب لرؤية رامانا مهارشي" لأنّ ثمة اختلاف بين طرائق الشّرق وطرائق الغرب، وأنّ الطريقة الشرقيّة خطيرة على الإنسان الغربيّ؛ إذ إنّه نشأ بطريقة مختلفة، تقاليده مختلفة وثقافته مختلفة ودينه مختلف وتطوره النّفسيّ كلّه مختلف. إن من الخطير أن نجلب لهذه النّفسيّة المختلفة أيّة طريقة من الشّرق؛ لأنّ تلك الطرائق طوَّرتْ لإنسان مختلف، لنفسيّة مختلفة- ولهذا لم أزره." لكن هذا كلّه هراء، فمن قال إنّ عليك اتباع رامانا مهارشي، من قال إنّه عليك استعمال تقنياته وطرائقه؟
كلُّ ما كان يصرُّ النّاس عليه هو أنّ عليك أن تراه على الأقل. مجرّد لقائه لم يكن ليدمِّرَ علم نفسِك الغربيّ. لو كان هذا العلم ضعيفًا وهشًا لدرجة أنّ لقاء رامانا مهارشي سيدمره، فهو لا يستحق عناء الإبقاء عليه — يجب أن يدمَّر، وكلّما كان ذلك أقرب كان أفضل. لم هدر الوقت على شيء بهذا الضّعف؟ رامانا مهارشي ليس خائفًا منك.
حين قيلَ لرامانا مهارشي إنّ كارل جوستاف يونغ هنا وإنّه قيل له باستمرار من قبل كلِّ عالِم نفسٍ يلتقيه في الهند" إنّ لقاء أيِّ بروفيسور تحليل نفسيّ في الهند عديم الجدوى؛ لأنّهم ببساطة يكررون ما تنتجه أنت في الغرب كالببغاوات. من الأحسن أن تذهب لترى شخصًا فريدًا ومختلفًا لتكون لديك نظرة مقارنة." حين سمع رامانا بهذا وأنّه قد يأتي إليه شعر بالغبطة. وقال: "مرحبًا به في أيِّ وقتٍ شاء القدوم، أنا متوفر"
وهذا الرجل أميّ. ترك منزله في عمر السّابعة عشر. ليس خبيرًا بأيِّ شيء. ليس عالِم منطق، ليس فيلسوفًا وليس خائفًا من أيٍّ من مؤسسي علم التحليل النّفسيّ. كان ليسعد برؤيته. لكنّ محلّل النّفس جبان.
بالنّسبة لي، ليستْ هذه مجرّد حادثة بين يونغ ورامانا؛ إنّها رمزيّة للغاية، وذاتُ مغزى. علم التحليل النّفسيّ الغربيّ خائفٌ لأنّه قائمٌ على رمال متحركة، لا أساسَ له. إذن لو سألتني، لا يمكن لي أن أقترح عليك تغييراتٍ صغيرةٍ هنا وهناك. ليس بوسعي أن أخبرك كيف تقدر على ترميمه تاركًا البنیان القديم سليمًا— مجرّد أن تطليه بلون جديد، وأن تعيد ترتيب الأثاث وما إلى ذلك. لا. أساساتُ البناء كلّه قائمةٌ على نحو خاطئ.
على علم النفس الغربيّ أن يترك الإيجو وأن يجد الذّاتَ الحقيقيّة وذلك غير ممكن من دون التأمُّل. لقد فعلها الشّرق لآلاف السنين. لذا ليس الأمر جديدًا، ليس شيئًا غير مُستكشَف، ليس أمرًا دونكيخيوتيًا. إنّه أمرٌ تقف القرون له دعامة. ولم يُجَنَّ أيِّ متأمُّل يومًا، لم ينتحر أيِّ متأمُّل يومًا، لم يغتَصِبْ أيِّ متأمِّلٍ يومًا. ليس الأمر مجرّد تجربة عمليّة، أو فهمًا فكريًا؛ إنّه تحوَّل جذريِّ للإنسان نفسِه.
يجب تذكير المحلل النفسي بإحدى مقولاتِ سقراط؛ على الطبيب أن يشفي نفسّه أولًا. المحلّل النّفسيّ مريض بدوره، مريضٌ تمامًا. لا يختلف عن الزّبون. جميعهم في قارب واحد. إنّه يرى نفس الكوابيس ويعاني من نفس التوتراتِ النّفسيّة و يشعر بنفس اللامعنى ويحاول مساعدة النّاس الّذين يحملون نفس الأمراض. أنّى له أن يكون مرجعًا. بأيِّ وجهٍ سيؤكد للمريض أنّ الأشياء قابلة للتغيير. ليستْ شخصيته مندمجة بكليتها في عمله. إنّها دراسته فحسب.
يشبه الموضوع رجلًا يدرس تاريخ الفنّ، فيصبح مؤرخًا عظيمًا لكلِّ الفنِّ الّذي أنتج في العالَم كلّه، لكنّه لا يستطيع رسم خط مستقيم بنفسِه. لأنّ لا ذلك ليس تاريخًا. لا مغزى من ذلك، فتخصّصه التّاريخ. هذه حال المحلّل النّفسيّ: يعرف كلَّ شيءٍ عن العقل، لكنّه لا يعرف كيف يغيّره، لا يستطيع تغيير عقله حتى؛ لأنّ في كلِّ تغيير عليك أن تكون منفصلًا عن الشيء الّذي ستغيره. وهو يعرِّف نفسَه بالعقل - فمَنْ سيغيّر مَنْ؟
يخلق التأمُّل الفجوة. يأخدك ما بعد وما وراء العقل، عندها يمكنك أن تتغيّر؛ لأنّ العقل يصبح موضوعًا لك. عندها لا تعود تعرِّف نفسَك بالعقل. عندها تستطيع إعادة ترتيبه أو تغييره بشكل كامل ولا يقدر العقل أن يؤثر عليك إطلاقًا. أنت قصي للغاية، متعالٍ للغاية بحيث لا يستطيع العقل الوصول إليك.
يمنحك تعذر وصول العقل إليك قوّة هائلة. تستطيع الوصول إلى العقل وتغيير أيَّ شيءٍ تريده ويصبح العقل عاجزًا لأول مرّة. تستطيع مساعدة مرضاك على أن يتأمَّلوا.
الآن يخبرون مرضاهم أن يمارسوا تمارين تحليل أحلامٍ عديمة الجدوى. يأتي المريض مرّتين أو ثلاثًا في الأسبوع لمدّة ساعة، متحدثًا عن جميع أحلامه. وبينما يتحدث عن أحلامه، جالسًا خلف الأريكة، أتعتقد أنّ المحلّل النّفسيّ يستمع إليه؟ هل هو قادر على الاستماع؟ يحتاج لذلك إلى عقل صامت، وهذا ما لا يملكه. لربما يحلم بدوره، جالسًا في الخلف.


المصدرأوشو-تسجيلات- العهد الأخير، المجلّد الخامس.


ترجمة: Abderezak Belhachemi

الثلاثاء، 20 سبتمبر، 2016

أي مكان خارج العالم - شارل بودلير





من كتاب "كآبة باريس" المعروف أيضا ب "قصائد نثر صغيرة".








أيّ مكانٍ خارجَ العالم:

هذه الحياةُ هيَ مستشفى حيثُ تتملَّكُ كلُّ مريضٍ الرَّغبةُ في تغييرِ السرير. هذا يريدُ أن يعاني أمام المدفأةِ، وذاك يعتقدُ أنه سيُشفى إلى جانبِ النَّافذة.
يَبدو لي أنَّني سأكون دائمًا بحالٍ جيدة هناك حيثُ أنا غيرُ موجودٍ، وفكرةُ الانتقالِ هذه هي فكرةٌ أناقشها دون تَوقُّفٍ مع روحي.
"أخبريني يا روحي، أيتها الرُّوح الفقيرةُ البارِدة، ما رأيكُ إن سَكنا لشبونة؟ لا بدَّ أنَّ الجو ساخنٌ هناك، وستَبتهجين به كما حيوانٍ زاحف. هذه المدينةُ على حافة الماء؛ يقولون إنَّها مبنيةٌ من رخامٍ وأن سُكانها بهم من كرهِ النّبات ما يجعلهم يقتلعون كلَّ الأشجارِ. هذا مشهدٌ طبيعيّ كما يشتهي ذوقكِ، مشهدٌ من ضوءٍ ومعادنَ، وسوائلَ لتعكسهما."
روحي لا تَردُّ بشيء.
"بما أنَّكِ تحبّين السَّكينةَ إلى هذا الحدِّ، مع مشهدِ الحركةِ، أترغبين السَّكنِ بهولاندا، تلك الأرضُ المبهجةُ؟ فقد تستمتعين بتلك الأرضِ الَّتي دائمًا ما أعجبتكِ صورتُها في المتاحفِ. ما رأيك في روتردام، أنت الَّتي تحبِّين غاباتِ الصّواري والسُّفنَ الرّاسيةَ أسفلَ المنازل؟"
ظلَّتْ روحي صامتةً.
"قد تجعَلكِ باتافيا تبتسمين أكثرَ، وسنجدُ بها روحَ أوروبا ممتزجةً بالجمالِ الاستوائيِّ."
ولا كلمة، أتكون روحي ميتة؟
"هل بلغتِ إذن هذا الحدَّ من الخدرِ؛ حيثُ لا تنتشينَ سوى من آلامك؟ إذا كان الأمرُ هكذا، فلْنهربُ صوبَ تلك البلدانِ المشابهةِ للموت. سأتكلَّف بالأمرِ، أيَّتها الرّوح البائسة! سنحزم حقائبنا صَوبَ تورينيا، ولم لا نذهبُ أبعدَ، إلى أقصى البلطيق؛ أو أبعدَ من الحياةِ حتى، إن كانَ هذا ممكنًا؛ فلنستقرَّ في القطبِ. هناك لا تلامس الشَّمسُ الأرضَ إلا نادرًا. والتّعاقبُ القليلُ للضّوءِ والظّلمةِ يقتل التّنوع ويزيد الرَّتابةَ، هذا الجانبُ الآخرُ للعدم... هناك يمكننا أخذُ حماماتِ ظلامٍ طويلة، بينما يرسلُ لنا الفجْرُ، على سبيلِ التَّرفيهِ، أشعته الورديَّة الَّتي تشبهُ انعكاساتِ ألعابٍ ناريَّةٍ من الجحيمِ."
أخيرًا، انفجرتْ روحي وصَرختْ بي بحكمةٍ: "في أي مكانٍ! في أي مكانٍ! شريطةَ أن يكونَ خارجَ هذا العَالمِ."



ترجمة: Achraf Nihilista



الخميس، 15 سبتمبر، 2016

رحلة إلى الجحيم - غوستاف فلوبير










رحلة إلى الجحيم:

كنتُ أعلى الأطلسِ الكبير، ومِنْ هناك كنتُ أتأملُ العالَم، بذهبه وطينه، بفضائله وغروره.
عندها ظهرَ لي الشّيطان، وقالَ:
"تعالَ معي، شاهدْ وأمعن النظر؛ وستتمكنُ منْ رؤيةِ مملكتي، عالمي أنا."
أخذني الشّيطان معه، وعرضَ لي العالَم.
وفي أثناءِ تحليقنا عبرَ الفضاء، وصلنا إلى أوروبا. وهناك، أراني علماءَ وأدباءَ ونساءً  ومتحذلقينَ ومتبجحين، ملوكًا وحكماء؛  كانَ هؤلاء أكثر الناسِ خَبَلاً.
شاهدتُ أخًا يقتلُ أخاه، أمًا تخونُ ابنتها، كتابًا يهينونَ الشّعبَ مستغلينَ حظوةَ قلمهم لديه، رهبانًا يخونونَ أتباعهم، متثاقفينَ يقتلونَ هِمَّةَ الشّباب، وحربًا تحصدُ أرواحَ النّاس.
وهنا، ثمة رجلٌ مخادعٌ يتقدمُ زاحفًا في الوحلِ باتجاه الكبار، ليعضَّ أكعابهم؛ ثمَّ يسقطون، وينتشي هو منْ سقوطِهم في الطّين.
وهنا، ملكٌ يجلسُ في سريرِ العُهرِ الذي يتوارثونه أبًا عنْ جَد، حيثُ يتعلمُ دروسًا في الزِّنا، ويتذوقُ ما جادتْ عليه به المومسُ المختارة، تلك التي تحكمُ فرنسا. والشّعبُ يهتفُ ويصفق؛ إذ إنّه كانَ معصوبَ العينين.
ورأيتُ عملاقين: الأولُ عجوز، ظهرهُ مُقوَّس، وجهه مجعدٌ وضعيفُ البنيّة. يتكئ على عصًى تسمى الحذلقة؛ والآخرُ كانَ شابًا، كفؤًا وقويًا وضخمَ البنية، دماغه شاعريّ ويداه منْ ذهب. يحملُ صولجانًا هائلاً، ورغمَ ذلك كلّه، أتلفتهُ عصى العجوز. هذا الصولجانُ كانَ يسمى العقل.
خاضا عراكًا شرسًا، وفي النهاية استسلمَ العجوز. سألته عنِ اسمه. فقال:
-الشموليّة.
-والآخر الذي انتصرَ عليك؟
-له اسمان.
-ما هما؟
-يسميه بعضهم حضارة، البعض الآخر حريّة.
بعدها أخذني الشّيطانُ إلى معبدٍ، ولكنّه معبدٌ يعمُّه الخراب.
النّاسُ في هذا المعبد يذيبونَ النعوشَ ليصنعوا منها قنابل، وتطايرَ ما كانَ عليها من أتربةٍ جراءَ ذلك؛ لأنَّ هذا القرن كانَ قرنَ الدَّم.
وبقي هذا الدَّمارُ كما هو. وهناك رجلٌ فقيرٌ يرتدي ملابسَ ممزَّقة، أبيضُ الشّعر، يحملُ الكثيرَ منَ الفقر، العارِ والذل، واحدٌ من أولئك الّذين تمتلئ جباههم بالتجاعيدِ منْ كثرةِ الهموم، تراكمُ في عشرينَ سنة آلامَ قرنٍ كامل، يجلسُ أسفلَ عمود.
كانَ يبدو مثلَ النملةِ أسفلَ الهرم.
شاهدَ النّاسَ طويلاً وهم ينظرونَ إليه في حسرةٍ وشفقة، بينما هو يلعنهم جميعًا؛ إذ إنَّ العجوز كانَ الحقيقة.
قلتُ للشّيطان:
-أرني مملكتك.
-هذه هي.
-كيفَ ذلك؟
 أجابني الشّيطانُ قائلاً:
-لأنَّ هذا العالَم هو الجحيم!


ترجمة: Achraf Nihilista


الأحد، 11 سبتمبر، 2016

لم تكن من هنا - إميل سيوران




نص من كتاب إميل سيوران "تمارين في الإعجاب".






لم تكن من هنا:

لم ألتقيها سوى مرتين. هذا قليل. ولكنَّ الاستثنائيَّ لا يقاسُ بمقاييسِ الزَّمن. كانتْ طلعتها الغائبة والمحيِّرة ما شدَّني إليها على الفور، همساتها (إذ لم تكن تتكلم، بل تهمس)، حركاتها المضطربة، نظرتها غير المتتبعة للأشخاص أو الأشياء، رونق طيفها الأخاذ. "من تكونين؟ ومن أي مكان جئت؟" كان هذا السؤال الذي نرغب طرحه عليها فور رؤيتها. لم تكن تستطيع الإجابة، إذ كانتْ شديدة التماهي مع سرها أو عاجزةً عن خيانته. لم يعرف أحدٌ كيف كانتْ تتنّفس، أو بأيِّ لعبة كانتْ تخضع لسلطان النَّفَس، أو ما كانتْ تبحث عنه بيننا. الأكيد أنها لم تكن من هنا، ومشاركتها لسقوطنا في الزَّمن كان أدبًا منها أو حبَّ استطلاع. وحدهم الملائكة أو المرضى العضولين بإمكانهم منحك شعورًا مماثلًا لذاك الّذي اختبرناه في حضورها. غواية، قلق خارق.
في نفس اللّحظة الّتي رأيتها فيها، وقعتُ في حب خجلها، حياء فريد، لا ينسى، يمنحها مظهرَ عذراءَ متعبةٍ من خدمة إله سريّ، أو متصوفةٍ دمرّها الحنين إلى النشوة أو الإفراط فيها، إلى الأبد أضاعتْ طريق العودة إلى عالَمنا.
مثقلةً بالهبات، ممتلئةً بالنِّسبة إلى العالَم، كانتْ تبدو مع ذلك محرومةً من كلِّ شيء، حدَّ العَوَز، منذورة للهمس عن فاقتها بشكل لا يكاد يلحظ. ثمَّ ما الّذي يمكنها امتلاكه والحديث عنه، لمّا كان الصَّمت يستحوذُ على روحها، والحيرة عالمها؟ أولم تبعث فينا ذكرى مخلوقاتِ ضوء القمر الّتي تحدث عنها روزانوف؟ كلّما فكرنا فيها، نأينا عن النظر إليها حسب تفضيلاتِ وأحكام الزّمن. لعنة من نوع غير معاصر تلك الّتي كانتْ تحيق بها. ولحسن الحظ، حتى سحرها كان يبدو قديما. كان ينبغي أن تولد بعيدا، في زمن آخر، وسط أراضي هاوروث، في الضبابيّة والأسى، إلى جانب الأخوات برونتي.

ذاك الذي يجيد قراءة الوجوه بإمكانه أن يقرأ بسهولة أنها ليست محكومة للديمومة، وأنها معفاة من كابوسِ السنوات. وحتى إن كانت تبدو ممتلئة بالحياة، إلاّ أنّها لم تكن متواطئةً معها، إذ لم يكن بإمكاننا رؤيتها من دون التفكير في أنّنا قد لا نراها بعد ذلك أبدا. كان الوداع محدِّد طبيعتها، بهاء قدرها، علامة مرورها على الأرض؛ وأيضا كانتْ تحمله هالة من حولها، ليس لأنها كانت تحب التميّز، بل لتحالفها مع شيء خفي.




ترجمة: Achraf Nihilista



الخميس، 8 سبتمبر، 2016

كلُّه نكتة كونيّة جلسة مع الحقيقة (ساتسانغ) لروبرت آدمز









كلُّه نكتة كونيّة
جلسة مع الحقيقة (ساتسانغ) لروبرت آدمز





روبرت آدمز



مقدمة
"إنَّ الفردَ واعٍ ولا يمكنُ له أنْ يكونَ منْ دونِ وعي. الذَاتُ المطلقةُ وعيٌ خالص؛ إلاّ أنَّ الإنسانَ يعرِّفُ نفسَه بالجسد، رغمَ أنَّ الجسدَ غيرُ واعٍ. لا يقول الجسدُ غيرُ الواعي "أنا الجسد." ثمةَ شيءٌ آخرُ يقولُ ذلك، وهو ما لا تقوله الذَّاتُ المطلقةُ أيضًا. مَنِ الّذي يقولُ ذلك إذن؟ إنَّها "أنا" زائفةٌ تبزغُ بينَ الوعيِ الخالصِ والجَّسدِ اللاواعي، والّتي تتخيَّلُ نفسَها مربوطةً بالجسد. تقصَّ هذا وسوف تنقشعُ كسراب. ذلك السّرابُ هو الأنا أو الفرديَّة. الحالةُ الظاهرةُ حاليًا محضُ وهم. ببساطة، يجبُ أنْ يكونَ هدفُنا حذفَ هذا الوهم."
هكذا يتكلمُ رامانا مهارشي، أحدُ أعظمِ المعاصرينَ الَّذينَ يمثلونَ حكمةَ أو تقليدَ جِنَانِيْ. يواصلُ روبرتْ هذا التّقليدَ شارحًا أنَّ العالَمَ يبزغُ مع خاطرةِ أنا، أو الذَّات الفرديَّة. عندما ننامُ نكونَ الوعيَ المطلقَ نفسَه. لكنَّنا لا نتذكرُ هذهِ الحالةَ السَّامِيَّةَ في أثناءِ حالةِ الصحو؛ ففي حالةِ الصحوِ تتقلَّدُ الأنا الزِّمَامَ وتتعرَّفُ بالجسدِ المسمى بفريد أو سام أو إد؛ وتسقطُ عالمًا مِنَ الظّواهرِ ومنَ الخداعِ ومنَ التطوُّرِ ومنَ الحياةِ الموت. لكنَّ حالةَ الصحوِ مثلُ حالةِ الحُلم، عبارةٌ عنْ تمظهرٍ داخلَ الوعيِ المطلقِ الّذي هو حالتُكَ الأصليَّة. يقول روبرت انسَ العالَمَ واعرِفْ ما الّذي يجري قبلَ الولادةِ و أثناءِ المَوت.
لكن منْ سيستمعُ إلى الرَّجلِ المجنون الّذي يقولُ إنَّكَ غيرُ موجود؟ وحدَهم أولئك الَّذين تخلَوا عنْ حُلمِهم الفاني وتاقوا إلى الرَّاحةِ في المطلق.
تراوحَتْ جلسةُ روبرت الرُّوحيَّة (الساتسانغ) بين الجِديَّة التَّامةِ والمُزاحِ التَّام. إلاّ أنَّ الفَهَمَ الشَّامِلَ نفسَهُ كانَ حاضرًا دومًا، أحيانًا مخبأً في المزحة، وأحيانًا مخبأً في الجِديَّة. قال: "مَنْ كانَ ليحضر لو أنّي تحدثتُ بالحقيقةِ الأسمى وحدها؟" ومع ذلك، فإنَّ الحقيقةَ الأسمى بزغتْ بلا شكٍّ خلالَ هذا الساتسانغ. استندْ إلى نفسك. اسكنْ نفسكَ وسيُكشف كلُّ شيءٍ. أنْ تحاولَ فَهَمَ الذَّاتِ المطلقةِ عبرَ الفكرِ أمرٌ مستحيلٌ؛ لأنَّ العقلَ مجرَّدُ انعكاسٍ واهنٍ للذاتِ المطلقة. لنْ يكشفَ التَّخمينُ الذَّاتَ المطلقةَ بلْ سيزِيدُها غموضًا. توجدُ الذَّاتُ المطلقةُ في السُّكونِ التَّامِ الّذي يصعبُ إيجادُه؛ لهذا حضورُ مُعلِّمٍ مقيمٍ في الذَّاتِ بشكلٍ دائمٍ أمرٌ في غايةِ الأهميَّة. إنَّ الصَّمتَ بدايةُ ونهايةُ البحثِ الحقيقيِّ وهو نفسُه الاستنارةُ والنيرفانا.
-- إد ميوزيكا

روبرتْ:
لا توجدُ غايةٌ مؤكدةٌ لكونكَ حيًّا. فكّرْ مليًّا. لا توجدُ غايةٌ مميَّزةٌ أو حقيقيَّةٌ لكونكَ حيَّا. لماذا أنتَ هنا على أيّة حال؟
ما الّذي فعله الإنسانُ على هذهِ الأرض؟ ما الّذي حقَّقه الجنسُ البشريُّ حتى بقديسيه وحكمائه؟ جاءتْ حضاراتٌ ورحلت، وأينَ نحنُ الآن؟ نعتقدُ أنَّنا مهمون. مَنْ نعتقدُ أنفسنا؟ نولَّدُ، نختبرُ أشياءَ عديدةً، نعملُ، نجني الكثيرَ منَ المالِ ربما، ثمَّ نشيخُ ونموت. إذنْ ما الغايةُ الحقيقيَّةُ مِنْ هذا كلِّه؟ ليس ثمة غاية.
نحنُ لا شيء. ليس لديكَ أيُّ سببٍ لتكونَ موجودًا. في الواقع، أنتَ غيرُ موجودٍ. (يضحك الحضور) لم توجدْ حقًا قطَ. كلُّهُ نكتةٌ كونيَّة. ما مِنْ عِلَّةٍ وراءَ أنْ تكونَ حيًّا وتكونَ هنا. قد يبدو الأمرُ إهانةً- إنَّه كذلك! (المزيد من الضّحك) لكنَّها الحقيقةُ والحقيقةُ مؤلمة.
قَدْ تظنُّ أنَّكَ مهم، أنَّك جئتَ إلى الأرضِ لتحقِّقَ غاياتٍ عظيمةً، أو لتستنير. هذا غيرُ صحيح. الاستنارةُ حاضرةٌ هنا سلفًا ولا تحتاجُك. أنتَ غيرُ مرغوبٍ فيه مِنْ قِبَلِ أيِّ شيءٍ أو أيِّ أحدٍ. (يضحك الحضور) أنتَ فشلٌ ذريع. (ضحك عالٍ)
في الحقيقةِ لا يوجدُ -أنت-. يجعلكَ وهمُ وجودكَ تعتقدُ أنَّكَ مهم، أنَّكَ أحدٌ ما. لهذا نتحدث كثيرًا عن كونكَ لا أحد؛ ليس ثمة أحد. ومع هذا، لا يهمُ كم مرَّةً أقولُ هذا؛ فأنتَ تظهرُ على أنَّك حقيقيّ، تظهرُ على أنَّكَ أحدٌ ما. تظهرُ على أنَّكَ تذهبُ إلى العمل. تظهرُ على أنَّك تأكلُ وتنام، وتومن بأنَّ هذا الوهمَ سوف يستمرّ. لكنْ كما تعلم، قريبًا سوف تكونُ ستةَ أقدامٍ تحتَ الأرض.
إذنْ ما جدواك؟ لهذا مِنَ المهمِ أنْ تستيقظ. ومع ذلكَ لستَ نائمًا أبدًا! مَنْ يستيقظُ إذنْ؟ ولهذا لا شيءَ مهم. لكنَّكَ تعتقدُ أنَّ بعضَ الأشياءِ مهمةٌ، وما دمتَ تعتقدُ أنَّها مهمةٌ، فأنَّكَ تمنحُها القوَّة، مُدَعِمًا بذلكَ قوَّةَ الحياةِ في الأشياء؛ ممّا يجعلكَ تشعرُ أكثرَ فأكثر بأنَّك- كما يقالُ- حيًّا-.
بدايةُ الحكمةِ هي فهمُ أنَّه لا توجدُ حكمة. لا يوجدُ أحدٌ لتكونَ له الحكمة. كلَّما حاولتَ تحليلَ الأشياء، وكلَّما استعملتَ دماغكَ أكثرَ لتتحركَ وتنتجَ في هذا المستوى مِنَ الوجود، زادَ تورطكَ بالمايا والخواءِ والوهمِ والجَهدِ المحكومِ بالإخفاق. كلُّ أحلامكَ وتطلعاتكَ تؤولُ للاشيء. ليس ثمة شيءٌ عليكَ أنْ تصبحَهُ أو تكونَه.
فكِّرْ بكلِّ النَّاسِ الَّذين يبحثونَ عنِ التحرُّر، عنِ الاستنارة. مَنْ يريدُ أنْ يتحرَّر؟ الأنا. لا يوجدُ أنا (يضحك الجمهور) لا يوجدُ أحدٌ ليتحرَّر. ومع ذلك تستمرُّ بالإيمانِ بأنَّكَ موجود.
تذكَّرْ، أبدًا لا تضعْ حليبَ الأسدِ في وعاءٍ مِنَ الطّين. (صمت طويل...) إذنْ لمَ أنتَ هنا؟ تريدُ تعاليمَ. تريدُ درسًا. تريد مانترا. أنتَ تبحثُ عَنْ مخرج. كلُّ هذا البحث والالتماس يدعُكَ في الخلف. لا يمكنه ملؤك. لا يفعلُ لكَ شيئًا. الاستيقاظُ نكتة. التحرَّرُ نكتة. جلوسي هنا وتحدثي إليكَ نكتة. لا يوجدُ شيءٌ لإيجاده، لا شيءَ لتحقيقِه، لاشيءَ لتصبحه. أنتَ متشبِّثٌ بعقلكَ ومعتقداتهِ الزَّائفة.
باستمرارٍ يحاكمُ ما يسمَّى العقلَ الأشياءَ ليحكُمَ عليها بأنّها جيدةٌ أو سيِّئة، صحيحةٌ أو خاطئة، وتتفاعلُ أنتَ معَ الأحكامٍ خالقًا المزيدَ مِنَ المشاكل؛ مُكَبِلًا نفسكَ بالوهمِ بشكلٍ أكثرَ إحكامًا.
ألنْ يكونَ جميلًا لو استيقظتَ ذاتَ صباحٍ واكتشفتَ أنَّكَ غير موجودٍ، أنَّكَ لم توجدْ قطّ وأنَّ أحدًا غير موجود؟ ليس ثمة وجودٌ البتَّة. أيُّ دورٍ سيكوُن لكَ عندها؟ ما دمتَ تعتقدُ بأنّكَ موجود، فإنَّكَ ستدافعُ عنْ نفسِك. ستكافحُ منْ أجلِ البقاء. ستسعى خلفَ الحكمة. هذا كلُّه مضحكٌ بالنَّسبة لي.
حتى عندما أقولُ لك أن تستيقظ، لا يوجدُ أحدٌ ليستيقظ حقًا. إنَّ أحدًا لم ينمْ أحدٌ على الإطلاق. مَنْ ينام؟ قد تقول، "الجسد ينام"، أو "العقل ينام"، لكن لا يوجدُ جسد، وُلا يوجد عقل. لم يوجدا قطّ. كلُّ التعاليمِ التي مررتَ بها كانتْ مضيعةً للوقت: بذلُ الجهودِ وجوبُ العالَمِ كلِّه بحثًا عن معلمين، قراءةُ المخطوطاتِ-لأيَّةِ غاية؟ لماذا تظنُ أنَّكَ تحتاجُ هذه الأشياء؟
كلُّ ما تحتاجُ فعله هو فهمُ عمّا أتحدث. تفكَّرْ فيما أقولُ ثمَّ انسه. لا تتمسَّكْ بالأفكارٍ أو الكلماتِ أو التعاليم. (يصفر عصفور باستمرار في الخلفيّة) سببُ تصفيرِ العصفورِ على نحوٍ جميلٍ هو عدمُ درايته بأنَّه عصفور. ليس لديه أيَّةُ فكرةٍ عمّا يكون. نحنُ نعطيه اسمًا، "عصفورًا". إنّنا نطلقُ أسماءً على كلِّ شيءٍ. هذه الأشياءُ موجودةٌ فحسب. هي ليستْ هنا، هي ليستْ هناك. هي ليستْ جيِّدة، هي ليستْ سيِّئة. الأمرُ نفسُه ينطبقُ عليك. أنتَ لستَ هذا أو ذاك، أنتَ موجودٌ فحسب. لا يوجدُ شيءٌ عليكَ فعله على الإطلاق.
فكِّرْ بكلِّ السَّنواتِ التي قضيتها في الدراسة. إلى أينَ ستقودُ كلُّها؟ قد تكونُ غیریًا وتومنُ بأنَّكَ تفعلُ الخيرَ في العالَمِ ومن أجلِ مستقبله، لكنْ ليس للعالَمٍ مستقبل. لم يكن له قطّ؛ و لن يكون له أبدًا. لقد جاءتْ آلافُ الحضاراتِ ورحلتْ، حتى تلك الّتي تفوَّقتْ إلى حدٍ ما، وأينَ نحنُ الآن؟ لقد رحلتْ كلّها. ما أقوله هو إنَّكَ لا تستطيعُ فعلَ الخيرِ لأيِّ شخص. كل شيء هو صوابٌ على ما هو. لا شيءَ في العالَمِ يحتاج إلى إصلاح. تظهرُ فكرةُ الإصلاحِ في عقلك، وتحاولُ وتحاول بلا طائل.
عليك أن تَعْرِفَ نفسَكَ كلاشيء، لا كشيء. تذكر دومًا أنَّ ليسَ ثمة شيءٌ عليكَ فعله على الإطلاق. هكذا تصبحُ سعيدًا، هانئًا. عندما يكونُ العقلُ خاليًا، تتعاظمُ السَّعادة.
استيقظْ منْ هذا الحُلمِ الفاني. مَنْ عليه أنْ يستيقظ؟ سَلْ نفسَك. لا أحد، لا شيءَ ليستيقظ. هل ترونَ لماذا لا يوجدُ شيءٍ ليقالَ حقًا؟ يمكننا أنْ نلعبَ جميعَ أنواع الألعابِ من التسابيحِ المختلفةِ وتقنياتِ التانترا- إلامَ سينتهي هذا؟ اعرِفْ فقط أنَّكَ لا أحد؛ لا يوجدُ شيءٌ لفعله على الإطلاق؛ لا أحدَ موجود. هذا يحرِّركَ مِنْ كلِّ شيءٍ. إنّه يحرِّركَ منْ كلِّ المسؤولياتِ تجاه نفسك وتجاه العالَم.
لنْ تستحيلَ إلى نبتةٍ لو كنتَ تستمعُ إليَّ بشكلٍ صحيح. ستفعلُ كلَّ ما تفعله الآنَ لكنَّكَ ستكونُ سعيدًا أكثرَ ممّا كنتَ في حياتكَ على الإطلاق؛ لأنَّكَ ستدركُ أنّه لا يهم. ستفهمُ أنّ لا أحدَ يفعل أيِّ شيءٍ حقًا. سيتابعُ أغلبكم أعمالَهم المعتادةَ إذا أرادوا. سيبدو أنَّكَ تعيشُ وجودًا إنسانيًا، لكنْ لنْ يظلَّ أحدٌ حقًا ليقومَ بأيِّ شيء. لقدْ رحلَ الفاعلُ. ليس ثمة فاعل. لقد تمَّ محوُّ الفاعلِ تمامًا.
ما يزالُ بعضكم يعتقدُ أنَّه لو أصبحَ هكذا فإنّه سيغدو ساخرًا للغاية وشرسًا، أنَّك لنْ تبالي أو تكونَ محبًّا ولطيفًا، لكنَّ هذا غيرُ صحيحٍ. على العكس تمامًا، عندما تتخلى عنْ كلِّ شيءٍ، عندما تتخلى عنْ كلِّ أفكاركَ المُسبقة، دوغمائيتك، عندما تنسى كلَّ طقوسكَ وكلَّ الأشياءِ التي كنتَ تفعلها طوالَ حياتك؛ عندها يبدأُ ما نسمِّيه "الحبَّ" بالعملِ منْ خلالكَ. ما نسمِّيه حنوًا يعملُ منْ خلالك. معايشةُ اللطافة، السَّلام- ستأخذُ هذه الخِصال مكانها تلقائيًا؛ لأنك فقدتَ كلَّ المخاوف. عندما تفقدُ كلَّ خوفٍ منَ الوجود، سيتولى الحبُّ القيادَ تلقائيًا.
ما دمتَ تخافُ الوجود وتعتقدُ أنَّ هناكَ خطبًا في مكانٍ ما، يخلُّقُ العقلُ كافةَ أشكال الصور، وسيتحتمُ عليكَ التقدمُ للدفاعِ عنْ نفسِك.
حان وقتُ اللّعب، أبهروا الغورو. (يشير إلى فقرة سؤال وجواب الّتي تلي حديث روبرت)
سؤال: لقد قلتَ إنّنا نخلِّقُ الحُلمَ في كلتا حالتي النَّومِ والصحو. في الأربع والعشرين ساعةً الأخيرة بدأتُ أعيشُ ذلك، لا معرفةً فكريّةً فحسب، بل رؤيةُ أنَّ كلَّ شخصٍ في حياتي هو أنا حقًا. هذا محرِّرٌ تمامًا. شكرًا.
جواب: على الرَّحبِ والسَّعة، هذا ليس إبهارًا. فلننتقلْ إلى القضيَّةِ التّالية.
سؤال: كيفَ تشيرُ إلى اختفاءِ الكونٍ كلِّه بينما ينامُ المرء، ألا تعني بالنِّسبةِ له أو لها فقط؟ يمكنُ لشخصٍ آخرَ أنْ يدخلَ ويراكَ نائمًا، ربما قِط. نفسُ الكونِ الّذي شَهِدَهُ الشَّخصُ النائمُ أو خلقه، هل منْ تعليق؟
جواب: كيفَ تعلمُ أنَّ هذا يحدثُ عندما تكونُ نائمًا؟ عندما تكونُ نائمًا لا تعي أيَّ شيءٍ. تقولُ إنَّه قد يدخلُ قِطٌ أو شخصٌ آخر ويراكَ وأنتَ نائم، إنَّ الحياةَ تستمرُّ بينما تنام. لكنَّكَ لا تعلمُ هذا. قد يقولُ لكَ البعضُ إنّهم قدموا بينما كنتَ نائمًا، لكنَّ الشَّخصَ الظاهرَ يقولُ لكّ ذلك عندما تكونُ في وعي اليقظة، والّذي هو نفسُه عالَمٌ منَ الأحلام. هل تدعُ الأشخاصَ النائمين يخبرونك ما الذي يجري حقًا في عالَمِ يقظتك؟
مَنْ هناك ليقولَ لكَ ما الّذي يجري عندما تكونُ نائمًا؟ عندما تكونُ في حالةِ النَّوم العميقِ فأنتَ ميِّت. لا يوجدُ كون. أنتَ خارجه تمامًا. القِطُ الّذي يدخلُ أو الشَّخصُ الّذي يدخل ليسا موجودين بالنِّسبة لك. أنت غائبٌ عنْ هذا العالَمِ عندما تكونُ نائمًا. هكذا يظهرُ الموت. عندما تقرِّرُ مغادرةَ جسدك، لا ينفكُّ النَّاسُ عنِ القيام بأعمالهم، لكن لا علاقَة لهذا بكَ إطلاقًا.
كلُّ ما تراه هو حُلمك. خلال النَّومِ العميقِ أنتَ وراءَ الأحلامِ ولا شيءَ يحدثُ لك. خلالَ الأحلامِ تخلقُ عوالمَ جديدةً تحوي كافة أشكالِ البشرِ والحالات. عندما تستيقظُ في هذا العالَم، يظهرُ لكَ حقيقيًّا. عندما تعاودُ النَّوم، لا تحلمُ بهذا العالَمِ ولا تكونُ مستيقظًا فيه. يختفيان كلاهما. ليسا موجودين ولم يوجدا قطّ. .
الفرقُ بينَ الحكيمِ والشَّخصِ العاديِّ هو أنّه لا يوجدُ حلمٌ يجري في كِلا العالمين بالنِّسبة للحكيم. ليس ثمة عالَمُ أحلام؛ ليس ثمة عالَمٌ يقظة، والّذي هو أيضًا عالَمُ أحلام. يرى الحكيمٌ هذا بوضوحٍ- يوجدُ المطلقُ فحسب ولا شيءَ آخر. تمرُّ بهذه التجربةِ كلَّ ليلةٍ عندما تدخلُ النَّومَ العميق؛ لكنّكَ لا تكون واعيًا النَّوم العميق. الحكيمُ مستيقظٌ في حالةِ النَّومِ العميق، الحالةُ الرّابعة. حالتا الحلمِ واليقظةِ ليستا حقيقيتين كلتيهما. خلالَ الَّنومِ العميقِ أنتَ في الحالةِ الرّابعة، الوعيُ الأوليّ، لكنَّك لا تعيه. الحكيمُ واعٍ بتلك الحالةِ دومًا مهما بدا أنَّ حالةً تتظغى عليها. ولهذا يقالُ إنَّ الجِناني ينامُ الحُلمَ المُعاش.
- ملاحظة المحرّر هذه إجابة رامانا مهارشي عن سؤالٍ مشابه- : 

"النَّوم والحُلمُ واليقظةُ هي مجرَّدُ ظواهرَ تتبدَّى على الذَّاتِ المطلقة، والّتي هي مستقرةٌ كوعيٍ مجرَّد. تُؤخذُ حالةُ اليقظةِ على أنّها مليئةٌ بأشياءَ جميلةٍ ومثيرةٍ، ويجعلُ غيابُ تلك الأشياء المرءَ يعتقدُ أنَّ النَّومَ خاوٍ. ما تعتبره عالمًا مليئًا بأشياءَ مثيرةٍ هو الخاوي وحالةُ الجهلِ بالنِّسبة للجِناني. إنَّ الحكيمَ هو ذاك المستيقظُ كليًّا بينما الآخرون محكومونَ بالظلمةِ وحدها.ثمة استمراريةُ وجودٍ في كلِّ منَ الحالاتِ الثلاث، لكنْ ليس بالنِّسبة للفردِ والأشياء. ذلك الّذي يستمرُّ ثابت؛ أما ذلك الّذي المتقطع عابر. ولهذا فإنَّ حالةَ الوجودِ دائمة، بينما الجسدُ والعالَمُ ليسا كذلك."
سؤال: هلاّ تحدثتَ عنْ أهميَّة المعلِّمِ لإدراكِ الذَّات، وكيفَ تعملُ العلاقةُ بين المعلِّم والتلميذ؟
جواب: في الحقيقةِ المعلِّمُ هو نفسُك. لقد خلقتَ معلِّمًا ليوقظك. ما كان المعلُّمُ ليكون هنا لو لم تكن تحلمُ بالمعلِّم. لقد خلقتَ معلِّمًا في عقلك ليوقظك وترى أنّهَ ليس ثمة معلَّم، لا عالَم، لا إله- لا شيء. لقد فعلتَ ذلك كلّه بنفسِك.
تهانينا!
إنَّ هذا حُلمك. أمامكَ معلِّم، شارحًا لكَ كلَّ هذه الأشياءِ، قائلاً لك إنَّ عليك أنْ تستيقظَ إنْ عاجلًا أم آجلًا. لو ذهبتَ أبعد، سترى، أنّك في الحقيقةِ مستيقظٌ فعلًا، وعندها سيختفي الباقي.
بينما يحدثُ هذا ثمة علاقةٌ بين المعلِّمِ والتلميذ. أنتَ تلعبُ لعبةَ خلقتها بنفسِك. تخلُقُ معلِّمَا ليوقظك؛ لكنّك مستيقظٌ أصلاً ولا تدركُ ذلك. يعطيك المعلِّمُ تعاليمَ، يعطيكَ بركة، ويدعكَ تفهمَ أنَّكَ مستيقظٌ أصلًا وفي سلام. بالمقابل تعتني بالمعلُم. إنّها لعبةٌ تبادليَّة. إنَّها لعبتك، إنَّه حُلمك. لذا استيقظِ الآنَ وكنْ حرًّا.



ترجمة: Abderezak Belhachemi






الجمعة، 2 سبتمبر، 2016

قصائد نثر صغيرة (2) - شارل بودلير



"بودلير هو الرائي الأول، ملك الشعراء... إله حقيقي." -آرثر رامبو





بورتريهات لعشيقات:


في مخدعٍ للرِّجالِ، أيْ في قاعةِ تدخينٍ ملحقةٍ بمنزلٍ أنيقٍ مشبوه، ثمَّةَ أربعةُ رجالٍ يدخِّنون ويشربون. لمْ يكونوا شبَّانًا أو شيوخًا على وجهِ التَّحديدِ، لا جميلين ولا قبيحين؛ ولكن سواءٌ كانوا شبَّانًا أو شيوخًا، كانتْ لهم هذهِ الميزةُ غيرُ الغريبةِ على متمرِّسينَ في اللَّهو؛ هذا الشَّيء غير المحدَّدِ الذي لا أعرفه، هذا الحزنُ الباردُ والمتهكِّمُ الذي يقولُ بوضوحٍ: "لقد كانت حياتنا شديدةَ الحيويَّةِ، ونبحثُ عمَّا يمكنُ أن نمنحه من جديدٍ الحبَّ والتَّقدير."
طرحَ أحدُهم الثَّرثرةَ حولَ موضوعِ النِّساءِ. كان الحديثُ ليكون فلسفيًا أكثرَ دون ذكرِ هذا الموضوع من الأساس؛ ولكن ثمَّةَ رجالُ فكرٍ لا يحتقرون المواضيعَ التَّافهة بعدَ أن يشربوا. وهكذا يُسْتَمعُ لمن يتحدَّثُ منهم كما يُسْتَمَعُ لموسيقى راقصة.
قالَ هذا: "كلُّ الرِّجالِ كانوا بعمرِ الملائكةِ: إنَّه العمرُ الذي نُقَبِّل فيهِ -دون قرفٍ- جذوعَ السنديان، لنقصٍ في الجميلاتِ. إنَّها الدَّرجةُ الأولى للحبِّ. في الدَّرجةِ الثَّانيةِ نشرعُ في الاختيارِ. ما إن يتَمَكَّن المرءُ من التَّداولِ حولَ خيارٍ ما حتَّى يشرعَ في الانحدارِ. حينئذٍ يبحثُ عنِ الجمالِ. وبالنِّسبةِ لي، أيُّها السَّادة، فإنَّ لي مجدَ أنَّني بلغتُ، منذُ مدَّةٍ طويلةٍ، مرحلةً مُتقدِّمَةً من الدَّرَجةِ الثالثة، حيثُ الجمالُ نَفسُه لا يكفيني إنْ لمْ يَكُن مُحسَّنًا بالعطرِ والحلي... إلخ. حتَّى إنني أعتَرِفُ أنني أسعى إلى درجةٍ رابعةٍ، كمنْ يسعى نحوَ سعادةٍ مجهولةٍ. هذه الدَّرجةُ ينبغي أن تكونَ موسومةً بسَكينةٍ مطلقةٍ. ولكنْ، خلالَ حياتي كلِّها باستثناءِ عمرِ الملائكة، كنتُ أكثرَ الرِّجال حَساسيَّةً للحماقةِ المُزعِجةِ والتَّفاهةِ البغيضةِ للنِّساء. أكثرُ ما أحبُّ في الحيواناتِ براءتها. لَكُمْ أنْ تَتَخيَّلوا إذنْ كمْ عانَيْتُ منْ عشيقتي الأخيرةِ.
كانتْ الابنةَ اللَّقيطةَ لأميرٍ. وكانتْ جميلةً، لا أحتاجُ ذِكرَ هذَا -وإلاَّ لماذا كنتُ لأتَّخِذَها عشيقةً؟ - ولكنَّها قدْ أفسدَتْ ميزتها العَظيمةَ هذهِ بطُموحٍ غيرِ لائقٍ ومُشوَّهٍ. لقد كانت امرأةً تَتوقُ لتكونَ دائمًا الرَّجلَ. "أنتَ لستَ رجلاً، كانت تقولُ، آهٍ! لوْ كنتُ رَجلاً! فيما يَتَعَلَّقُ بنا على الأقلِّ، أنا الرَّجُل!" كانتْ هذهِ جُملها الَّتي لا تطاقُ والَّتي تُكرِّرُها بفَمِها ذاكَ الذي تَمنَّيْتُ لَوْ لمْ يَكُنْ يَنطِقُ سوى بالأغاني. وإذا ما حدثَ وأبْديتُ إعجابي بكتابٍ أو قصيدةٍ أو أوبيرا، كانتْ تقولُ: "هلْ تعتقدُ هذَا عملاً قويًّا؟ هلْ تعرفُ شيئًا عنِ القُوَّة؟" ثمَّ تَشْرَعُ في عَرْضِ حُجَجِها.
ذاتَ يومٍ جميلٍ بدأتْ بالتَّحَوُّل؛ منذُ ذَلكَ اليومِ صرتُ أجِدُ قناعًا منْ زجاجٍ بينَ فمي وفمها؛ ومعَ ذلكَ فقدْ كانتْ بالغةَ الحِشمةِ. فإذا ما حدثَ ودفعتُها بفعلِ حبٍّ زائدٍ قليلاً، كانتْ تتشنَّجُ كما امرأةٍ حسّاسة تتعرضُ للاغتصابِ..."
-"كيفَ انتهى ذَلكَ"، قالَ أحدُ الثَّلاثةِ، "لمْ أعهدكَ صبورًا هكذا."
-يضعُ الله الدَّواءَ في الدَّاءِ. فقدْ وجدتُ ذاتَ يومٍ هذه المنيرفا التَّواقةِ للقُوَّةِ المثاليَّةِ وحيدةً مع خادمي في وَضعيَّةٍ أجبرتني على الانسحابِ خِلْسَةً حتَّى لا أجْعلَهُما يحمرَّانِ خجلاً مِنْ فعلهما. وفي المساءِ طردتُهُما معًا، ودَفعْتُ لهما متأخَّراتِ راتِبَيْهِما.
-"أمَّا أنا، اسْتَأْنفَ المُقاطِعُ، فلا أُعاتِبُ إلاَّ نَفْسي. إذْ جاءتِ السَّعادةُ لِتَسكنَ إليَّ فَلمْ أَعْرِفْها. لقدْ أَهداني القدرُ مُؤَّخرًا لَذَّة امرأةٍ هي الأكثرُ دَماثةً، الأكثرُ خضوعًا والأكثرُ وفاءً بينَ كلِّ المخلوقاتِ؛ دائمةُ الاستعدادِ! لا تأخُذُها نوبةُ حماسٍّ! ردُّها كانَ دائِمًا: "أريدهُ لأنَّك تجدُه رائعًا." وإذا ضربتَ هذا الحائطَ أو هذه الكنبة بالعصا، فسَتنالُ مِنْهُما تأوُّهاتٍ أكثرَ ممَّا نالَ منْ صدرِ عشيقتي زَخمُ حبِّي العنيف لها. بعدَ سنةٍ من الحياةِ المشتركةِ، اعترفتْ لي بأنَّها لمْ تبلغِ اللَّذةَ يومًا. شعرتُ بالقرفِ من هذهِ المَعركةِ غيرِ المتكافِئةِ. ثُمَّ تَزوَّجَت هذه الفتاةُ الفريدة. وبعدَ فترةٍ انتابتني رغبةٌ في أنْ أراها. وقالتْ لي وهي تريني ستَّةَ أطفالٍ جميلين: "الزَّوجةُ مازالت عذراءَ تمامًا، كمَا كانتْ عشيقتُك." لم يَتغيَّر طبعُها في شيءٍ. وأحيانًا أشْعُرُ بالنَّدمِ عليْها: كانَ ينبغي أنْ أتَزوَّجَها."
ضحكَ الآخرونَ، وقالَ ثالثٌ بدوره:
"أيُّها السَّادةُ، لقدْ عرفتُ متعًا ربما قدْ أهملتموها. أريدُ أنْ أتحدَّثَ عمَّا هو فكاهيٌ في الحبِّ، وبالضَّبطِ عن فكاهةٍ لا تلغي الحبَّ. لقدْ أُعجبتُ بعشيقتي الأخيرةِ كما لا أعْتقدُ أحَدَكُم قد أحبَّ او كَرِهَ عشيقَتَهُ. وقدْ أُعجبَ بها الجميعُ مثلي. فكُنَّا إذَا دَخلْنا مطعمًا، لا يَستَغرِقُ الأمرُ بِضْعَ دقائقَ قَبْلَ أن ينسى كلُّ الوافِدينَ أكلَهم ليتأمَّلوها. كانَ نُدُلُ المطعمِ وسيِّدَةُ الحسابِ يستَشعرون بدَورِهِم هذا الذُّهولَ المُعدي، حتَّى أنهم ينسون واجباتِهم. باختصارٍ، لقدْ عِشْتُ لبعضِ الوقتِ وجهًا لوجهٍ مع ظاهرةٍ حيَّة. كانتْ تَأْكلُ، تمضغُ، تَجرشُ، تَفْتَرِسُ وتَبْتَلِعُ بطريقةٍ هي الأكثرُ خِفَّةً ولامبالاةً في العالمِ. لَقَدْ أبْقتني في حالةِ نشوةٍ مدَّةً طويلةً. كانَتْ لَها طريقةٌ رقيقةٌ، حالمةٌ، إنجليزية وخيَاليَّةٌ في قولِ: "أنَا جائعة". كانتْ تُكرِّرُ هذا ليلَ نهارَ مظهرةً أسنانًا هيَ الأجملُ في العالمِ. بإمكانها أنْ تُلينك وتُفرِحَكَ في آنٍ. -كانَ بإمكاني أنْ أصيرَ ثَرِيًّا منْ عرضِها في المعارِض على أنها وَحشٌ أكولٌ. لطالمَا أَطْعَمْتُها جيِّدًا، ومعَ ذلكَ تَرَكَتْني." -"إلى مُوَرِّد أغذيةٍ، بلا شكّ؟"-
-"شيءٌ من هذا القَبيلِ، لقدْ تَركتني منْ أجلِ مُوظَّفٍ يُشرفُ على أَطْعِمةِ الجَيْشِ، كانَ بفعلِ شيءٍ يَعرِفُهُ هُوَ، يَمْنَحُ طعامُ العديدِ من الجُندِ لهذهِ الطِّفلةِ المِسكينَةِ. هذا ما أَعتقِدُهُ على الأقلّ."
-"أمّا أنا، قالَ الرّابعُ، فقدْ عانَيْتُ من عذاباتٍ شنيعةٍ هي على نقيضِ ما نُعاتبُ عَليْهِ عمومًا الأنانيةَ النِّسائية. وأراكُمْ مُخطئين، وأَنْتم الأكثَرُ حظًّا بين الكائنات، بالشَّكوى منْ نقائصِ عشيقاتِكُم."
قيلَ هذا بنبرةٍ غاية في الجدِّيةِ من رجلٍ لهُ طلعةٌ رقيقةٌ وواثقة، ومظهرُ راهبٍ. عَيْناهُ تلمعانِ برماديٍّ فاتحٍ حزينٍ، وتقولانِ: "أريدُ!" أو "يَنبغي!" أو "لا أغْفِرُ أبدًا!".
"عصبيًا كما عرفتُكَ يا غ...، أو جبَانَيْنِ وخَفيفِيْنِ كما أنتُما يا ك... وج...، لوْ أنَّكُم صاحبتُم امرأةً من معارفي لَلُذْتُم بالفرارِ، أو كُنتمْ لتموتوا. أمَّا أنا فقدْ عِشتُ كما تَرَوْن. تَصوَّروا شخصًا يعجزُ عنْ ارتكابِ خطأ في الإحساسِ أو الحسابِ. تَخيَّلوا صفاءَ طَبعِ كئيبِ. إخلاصًا لا تمثيلَ فيهِ ولا ادعاءَ. رِقَّةً لا تعكِسُ ضُعفًا. طاقةً دونَ عُنفٍ. قصَّةُ حبِّي تُشبهُ سفرًا لا ينتهي على مساحةٍ نقيَّةً وملساءَ مثلَ المرآةِ، رتيبةً حدَّ الدُّوار، وتعكسُ كلَّ مشاعري وأفعالي بالدِّقةِ السَّاخرةِ لوعيي الخاصّ. بِحيثُ لمْ يكن ممكنًا أنْ أسمحَ لنفسي بشعورٍ أو فعلٍ غير معقولٍ دونَ أنْ أَتَمَثَّلَ في الحينِ العِتابَ الصَّامتَ لطَيْفِي اللَّصِيقِ. بَدا الحبُّ لي مثلَ الوِصايةِ. كمْ منَ الحماقاتِ مَنَعَتْ عليَّ فِعْلَهَا! وَكمْ دينًا سدَّدْتُه رُغمَ أَنفي! لقدْ مَنَعَتْ عَليَّ كلّ المزايا الَّتي كانَ يمكنني نَيْلها من طَيْشي. كانتْ تَشْطُب كلّ تقلُّباتي بقواعدَ باردةٍ يُمْنَعُ انتهاكها. ولِيكتملَ الرُّعب، لمْ تكنْ تطلبُ عرفانًا بعدَ مرورِ خطرٍ. كَم مرّةً منعتُ نفسي منَ القَفْز عليها وخَنقها، صارخًا بِها: "كوني ناقصةً أيَّتها البَائسةُ! حتَّى أُحِبَّك دونَ قلقٍ أو غضبٍ." لقدْ أعْجِبتُ بها لسنواتٍ طويلةٍ بَينما القَلْبُ يفيضُ كراهيَّة. وفي النِّهاية، ليسَ أنَا مَنْ ماتَ."
-"آهْ! نطقَ الآخرون، لقد ماتتْ إذن؟"
-"نعمْ! لمْ يَكنْ مُمكنًا الاستِمْرارُ هكذَا وقدْ غدَا الحبُّ بالنِّسبةِ لي كابوسًا مرهقًا. الانْتصارُ أو الموتُ، كمُا تَقولُ السِّياسَة، كانَ هذا البديلَ الّذي فرضهُ عليَّ القدرُ! ذاتَ مساءٍ، في غابةٍ على شاطئِ بُحَيْرة... بَعدَ جولةٍ كئِيبةٍ كانتْ عيناها خلالَها تَعْكسان هدوءَ السَّماءِ، وحَيثُ كانَ قَلبي أنا مُكدَّرا مثلَ الجَحيمِ..."
-مَاذَا؟
-كيفَ؟
-ماذا تُريدُ أنْ تقولَ؟
-كانَ أمرًا لا مفرَّ منهُ. إحساسي بالعدالَة قَويٌّ، أَقْوى منْ أن أَضربَ أَو أظلمَ أَو أَطْردَ خادمًا لمْ يَقتَرِفْ سوءًا. ولكنْ وَجَبَتْ عليَّ موافقةُ هذا الإحساسِ معَ الرُّعبِ الّذي بثَّه داخلي هذا الكائنُ؛ كانَ ينْبغي التَّخلصُ منه دونَ أنْ أقلِّلَ منْ احتِرامهِ. ماذا تريدونَ أنْ أفعلَ بها، لمَّا كانتْ مثاليةً؟
نَظَرَ إليه الرِّفاقُ الثَّلاثَةُ نظرةً مُبهمةً وبليدةً نوعًا ما. كَما لوْ أنَّهم يمتَنِعونَ عنِ الفَهمِ وكما لوْ أنَّهم يعترفونَ ضمنيًّا أنَّهم لا يشعرونَ بأنَّهُم قادرونَ على ارْتِكابِ عملٍ بهذا العُنفِ، حتَّى إنْ كانَ مُبَرَّرًا بما يَكفي.

بَعدَ ذلكَ أُحضرَتْ لَهُم قنِّيناتٌ جَديدةٌ ليَقتلوا الوَقْتَ الَّذي يُخفي حياةً قاسيةً، ويُعَجِّلُوا الحَياةَ الَّتي تَنْسابُ ببطءٍ شديدٍ.



ترجمة: Achraf Nihilista


الاثنين، 29 أغسطس، 2016

قصائد نثر صغيرة - شارل بودلير


نصوص من كتاب الشاعر الفرنسي شارل بودلير "كآبة باريس" المعروف أيضا ب"قصائد نثر صغيرة".


شارل بودلير


الغريب:



-منْ تُحبُّ أكثرَ، أيُّها الرَّجلُ الغامضُ، أخبرني؟ أبوكَ، أمُّكَ، أختُكَ أم أخوكَ؟
-ليسَ لي أبٌ ولا أمٌّ، لا أختٌ ولا أخ.
-أصْدقاؤُكَ؟
-أنتَ تستعملُ كلامًا ظلَّ معناه حتَّى الآنَ مجهولاً بالنِّسبةِ لي.
-وطنُك؟
-أنا أجهلُ تحتَ سماءِ أيِّ ضجرٍ يقع.
-الجمالُ؟
-كنتُ لأحبَّه بكلِّ سرورٍ، هذا الإلهُ الخالدُ.
-الذَّهب؟
-أكرهُهُ كما تكرهُ أنتَ الإلهَ.
-آهِ! ماذا تحبُّ إذن، أيُّها الغريبُ الرَّائعُ؟
-أحب السُّحبَ... تلكَ السُّحبَ الَّتي تَمضِي... هناكَ... هذه السُّحب الساحرة!




***


في السَّاعة الواحدة صباحًا:



أخيرًا! وحدي! لا شيءَ يكاُد يُسمعُ غير بعضِ العرباتِ المتأخِّرةِ والمتعبة. ساعاتٍ بعدُ، وسننالُ الصمتَ، إن لم تكن الرّاحةَ. أخيرًا سيتداعى استبدادُ الوجهِ البشريّ، ولنْ أعاني بعدُ سوى منْ نفسي.
أخيرًا! صار ممكنًا لي الاسترخاءُ في حمام من الظّلمات. بدايةً، دورتانِ في القفل. دورانُ القفل سيعزِّزُ وحدتي، ويقوي المتاريسَ الّتي تفصلني حاليًا عنِ العالَم.
حياةٌ كريهة! مدينةٌ كريهة! لنسترجِع ذكرياتِ هذا اليوم: رؤيةُ العديد من رجالات الأدبِ، بينهم شخصٌ سألني هلْ يمكنُ بلوغُ روسيا برًا (يظن بلا شكٍّ أن روسيا جزيرة)؛ شجارٌ كبيرٌ مع مديرِ إحدى المجلات، الَّذي كان يرد على كل اعتراضٍ مني قائلاً: "هنا حزبُ النّاسِ الشرفاء"، ملزمًا بذلك أن بقيَّة الجرائدِ يُحرِّرها الأنذال؛ إلقاءُ التَّحية على عشرين شخصًا، من بينهم خمسة عشر مجهولونَ تمامًا بالنسبة لي؛ مصافحةُ نفسِ العددِ من النَّاس، وهذا دونَ اقتناء قفازاتٍ احتياطًا. التَّوجه في أثناءِ انهمارِ المطرِ إلى عاهرةٍ كانتْ، بغَرضِ قتلِ الوقتِ، قد طلبتْ منِّي تصميمَ زيٍّ فينوسيّ لها. التَّملقُ إلى مديرِ مسرحٍ أخبرني وهوَ يهمُّ بطردي: "تحدَّث إلى السَّيد ز...؛ إنَّه الأكثرُ ثقلاً، الأكثرُ سذاجةً وشُهرةً منْ بينِ كلِّ كُتَّابي؛ معهُ بإمكانكَ بلوغُ شيءٍ ما؛ قابلهُ، ومن ثمَّة سنُقَرِّرُ."؛ التَّباهي بالعديدِ من الأعمالِ الفظيعةِ الَّتي لمْ أقم بها (لماذا؟)، ثمَّ، وبكلِّ جبنٍ، نُكران بعض الفظاعاتِ الأخرى الَّتي قُمتُ بها بسعادةٍ غامرةِ: جريمةُ التَّفاخر، وجريمةُ الاحترامِ الإنساني؛ امتناعي عن تقديمِ خدمةٍ سهلةٍ لصديقٍ، ثم تقديمُ تزكيةٍ مكتوبةٍ لشخصٍ غريبِ الأطوار. أوف، هل انتهى كلُّ شيء؟


مستاء من الجميعِ، وغير راضٍ عنْ نفسي. لَكَمْ أرغبُ بتخليصِ نفسي والتَّباهي قليلاً في سكونِ وعُزلةِ اللَّيل. أدعوك، يا أرواحَ أولَئك الَّذين أحْبَبتُهم، وأولئك الَّذينَ أطْربتُهم، أن تُقَوِّيني، وتَدْعَميني، وتُبعديني عن الكَذِب، وعنْ ضَبابيةِ العالمِ المُفسِدَة! وأنتَ، يا إلهي! ارحمني لعلِّي أَنْظُمُ بعضَ الأبياتِ الجميلةِ الَّتي تُثبتُ لي أنَّني لستُ آخر الرِّجَالِ، ولستُ أدنى أولئكَ الَّذين أكرههم!




ترجمة: Achraf Nihilista