الاثنين، 29 أغسطس، 2016

قصائد نثر صغيرة - شارل بودلير


نصوص من كتاب الشاعر الفرنسي شارل بودلير "كآبة باريس" المعروف أيضا ب"قصائد نثر صغيرة".


شارل بودلير


الغريب:



-منْ تُحبُّ أكثرَ، أيُّها الرَّجلُ الغامضُ، أخبرني؟ أبوكَ، أمُّكَ، أختُكَ أم أخوكَ؟
-ليسَ لي أبٌ ولا أمٌّ، لا أختٌ ولا أخ.
-أصْدقاؤُكَ؟
-أنتَ تستعملُ كلامًا ظلَّ معناه حتَّى الآنَ مجهولاً بالنِّسبةِ لي.
-وطنُك؟
-أنا أجهلُ تحتَ سماءِ أيِّ ضجرٍ يقع.
-الجمالُ؟
-كنتُ لأحبَّه بكلِّ سرورٍ، هذا الإلهُ الخالدُ.
-الذَّهب؟
-أكرهُهُ كما تكرهُ أنتَ الإلهَ.
-آهِ! ماذا تحبُّ إذن، أيُّها الغريبُ الرَّائعُ؟
-أحب السُّحبَ... تلكَ السُّحبَ الَّتي تَمضِي... هناكَ... هذه السُّحب الساحرة!




***


في السَّاعة الواحدة صباحًا:



أخيرًا! وحدي! لا شيءَ يكاُد يُسمعُ غير بعضِ العرباتِ المتأخِّرةِ والمتعبة. ساعاتٍ بعدُ، وسننالُ الصمتَ، إن لم تكن الرّاحةَ. أخيرًا سيتداعى استبدادُ الوجهِ البشريّ، ولنْ أعاني بعدُ سوى منْ نفسي.
أخيرًا! صار ممكنًا لي الاسترخاءُ في حمام من الظّلمات. بدايةً، دورتانِ في القفل. دورانُ القفل سيعزِّزُ وحدتي، ويقوي المتاريسَ الّتي تفصلني حاليًا عنِ العالَم.
حياةٌ كريهة! مدينةٌ كريهة! لنسترجِع ذكرياتِ هذا اليوم: رؤيةُ العديد من رجالات الأدبِ، بينهم شخصٌ سألني هلْ يمكنُ بلوغُ روسيا برًا (يظن بلا شكٍّ أن روسيا جزيرة)؛ شجارٌ كبيرٌ مع مديرِ إحدى المجلات، الَّذي كان يرد على كل اعتراضٍ مني قائلاً: "هنا حزبُ النّاسِ الشرفاء"، ملزمًا بذلك أن بقيَّة الجرائدِ يُحرِّرها الأنذال؛ إلقاءُ التَّحية على عشرين شخصًا، من بينهم خمسة عشر مجهولونَ تمامًا بالنسبة لي؛ مصافحةُ نفسِ العددِ من النَّاس، وهذا دونَ اقتناء قفازاتٍ احتياطًا. التَّوجه في أثناءِ انهمارِ المطرِ إلى عاهرةٍ كانتْ، بغَرضِ قتلِ الوقتِ، قد طلبتْ منِّي تصميمَ زيٍّ فينوسيّ لها. التَّملقُ إلى مديرِ مسرحٍ أخبرني وهوَ يهمُّ بطردي: "تحدَّث إلى السَّيد ز...؛ إنَّه الأكثرُ ثقلاً، الأكثرُ سذاجةً وشُهرةً منْ بينِ كلِّ كُتَّابي؛ معهُ بإمكانكَ بلوغُ شيءٍ ما؛ قابلهُ، ومن ثمَّة سنُقَرِّرُ."؛ التَّباهي بالعديدِ من الأعمالِ الفظيعةِ الَّتي لمْ أقم بها (لماذا؟)، ثمَّ، وبكلِّ جبنٍ، نُكران بعض الفظاعاتِ الأخرى الَّتي قُمتُ بها بسعادةٍ غامرةِ: جريمةُ التَّفاخر، وجريمةُ الاحترامِ الإنساني؛ امتناعي عن تقديمِ خدمةٍ سهلةٍ لصديقٍ، ثم تقديمُ تزكيةٍ مكتوبةٍ لشخصٍ غريبِ الأطوار. أوف، هل انتهى كلُّ شيء؟


مستاء من الجميعِ، وغير راضٍ عنْ نفسي. لَكَمْ أرغبُ بتخليصِ نفسي والتَّباهي قليلاً في سكونِ وعُزلةِ اللَّيل. أدعوك، يا أرواحَ أولَئك الَّذين أحْبَبتُهم، وأولئك الَّذينَ أطْربتُهم، أن تُقَوِّيني، وتَدْعَميني، وتُبعديني عن الكَذِب، وعنْ ضَبابيةِ العالمِ المُفسِدَة! وأنتَ، يا إلهي! ارحمني لعلِّي أَنْظُمُ بعضَ الأبياتِ الجميلةِ الَّتي تُثبتُ لي أنَّني لستُ آخر الرِّجَالِ، ولستُ أدنى أولئكَ الَّذين أكرههم!




ترجمة: Achraf Nihilista



الأحد، 7 أغسطس، 2016

التعاليم الرئيسة للغورو نِسَاْرْغَدَاتَا مَهَرَاْجْ - Nisargadatta Maharaj





التعاليم الرئيسة للغورو نِسَاْرْغَدَاتَا مَهَرَاْجْ - Nisargadatta Maharaj



"أنا مفتونٌ بالفلسفةِ الهِنديَّة، إذْ إنَّها تهدفُ بالأساسِ إلى تجاوزِ الأنا؛ وكلُّ ما أفعله وأفكِّرُ فيه يتمحورُ حول أنايَ وعذاباتِ الأنا." ــــ إميل سيوران







نسارغداتا مهراج







إنَّ فَهْمَ"الأنا"، حِسَّكَ "بالوجود" أو مجرَّد "الحضور" أمرٌ بالغُ الأهميّةِ؛ حيث تتوقفُ عليه نتيجةُ التّعاليمِ كلِّها.

ينبغي أن "توجدَ" أنتَ قبل أنْ يمكن لأيِّ شيءٍ آخرَ أنْ يوجد، حِسُّكَ "بالحضور" أو الشّعور "أنا" لازمٌ لأيٍ شيءٍ عليه أن يتبعه.

ألمْ يكنْ هذا الإحساس بالوجود، أو الشُّعور "أنا" أولَ واقعةٍ وحدثٍ قبلَ أن يمكن لأيٍّ مِنْ تجاربك الحياتية أن تقع؟


استعملْ ذِهنك، عُدْ بالزّمنِ وحاولِ استحضارَ أولَ لحظةٍ وقعتَ فيها على معرفة "أنّك موجود" أو"أنا". هذه "الأنا" الوليدة ليستِ لُغويّة أو لا-لفظيّة.


ما تزال هذه الأنا هناك معك، حاضرةً دومًا، متوفرةً دومًا، كانتْ ولمْ تزلِ الخاطرةَ الأولى، ارفضْ كلَّ الخواطرِالأخرى وعدْ إلى هناك وابقَ هناك.


رسِّخْ نفسكَ بحزمٍ في "الأنا" وارفضْ كلَّ ما لا يتطابقُ معها.

عندما ترحلُ "الأنا" فإنَّ كلَّ ما يبقى هو المطلق، لذا أعطِ كلَّ اهتمامكَ "للأنا".

وحدها "الأنا" أكيدةٌ، إنّها مجرَّدة، كلُّ المعرفةِ تتبعُ منها، إنّها الجَّذر، تمسَّكْ بها ودعْ كلَّ شيءٍ آخر.


إنَّ "الأنا" مجموعُ كلِّ ما تدركه، إنَها مرتبطةٌ بالزَّمن، "الأنا" نفسُها وهم، أنت لستَ "الأنا"، أنتَ سابقٌ عليها.


لقد ظهرَ الشُّعورُ "أنا" أو "الكينونة" نتيجةً لارتباطه بالجَّسد- العقل. في الواقع أنتَ لستَ أيًّا من منهما. أنت اللامولود.


تمسَّكْ فقط "بـالأنا" أو "الكينونة"؛ لأنّها ستقودكَ يومًا ما إلى اللاوجود أو اللاولادة.


الخلودُ هو الحرُّيَّةُ مِنَ الشُّعور "أنا"، لتنال الحريَّةَ ابقَ في الحسِّ "أنا".


"الأنا" هي بدايةُ ونهايةُ المعرفة، كنْ يقظًا "للأنا"، ما إنْ تعيها مرَّةً حتى تنفصلَ عنها.

علیك أن تتأملَ "الأنا"، بدونِ أنْ تتمسَّك بالجَّسد- العقل. "الأنا" هي الجهالة الأولى، ثابرْ عليها وسوف تتخطاها.


مرشدكَ وإلهكَ هما "الأنا"، بقدومها ظهرتِ الثُنائيِّةُ وكلُّ النَّشاطات، ابقَ في "الأنا"، أنتَ سابقٌ على وجودِ "الأنا".


ابقَ مركزًا على "الأنا" إلى أنْ يطويَها النِِّسيان. هناك تكمنُ الأبديَّةُ والمطلق، البَارابَراهْمَن.


"البارابراهمن" (المطلق) حالتُكَ الأبديَة، لا يمكنكَ تذكُّره لأنّكَ لم تنسه قطّ.


فقط تذكَّرِ المعرفةَ "أنا" ودعَكَ من سواها، ببقائك في "الأنا" ستدركُ أنّها غيرُ حقيقيَّة.
افهمْ أنَّ المعرفةَ "أنا" قد خطرتْ لك، وأنَ كلَّ شيءٍ تجلٍّ لها، بهذا الفهمِ ستدركُ أنّكَ لستَ "الأنا".


كمثلِ ثُقبٍ في ورقةٍ هو المطلق، داخلها لكنّه لا يستندُ إليها. في مركزِ الوعي تمامًا، لكنّه ما وراءَ الوعي.


الحالةُ المطلقةُ هي صمتٌ وسكونٌ تامَيْن، يختفي كلُّ مَنْ يذهبُ إلى هناك.


عندما يرحلُ مفهوم "الأنا"، لن تبقى هناك ذاكرةُ "كنتُ أنا"، أنّه كانتْ "لي" تلك التجارب، سوف تحذفُ الذَّاكرُُةُ نفسُها.

بدأَ الزَّمنُ مع مجيءِ المفهومِ الأوليِّ "أنا"، وسينتهي مع رحيله. أنتَ الّذي أنتَ لمطلق لستَ المفهوم الأوليِّ "أنا."

الظهورُ والاختفاءُ، الولادةُ والموتُ خصائصُ "للـأنا"، إنّها لا تخصكَ أنتَ المطلقَ.


مِنَ اللاشيءِ انبثقتِ "الأنا" أو الكينونة، لا وجودَ للشَّخص، المعرفة "أنا"- و ليس الشَّخص- هي مَنْ عليها العودةُ إلى مصدرها.


بتأمُّلِ المعرفةِ "أنا"، فإنّها تستقرُّ في مصدرها تدريجيًا؛ وعندها تلوحُ أنتَ المطلق.


استمرَّ في تقصيكَ لتعرفَ "الأنا" بدون كلام، عليك أن تكونها وألاّ تحيدَ عنها ولو لحظة، وعندها سوف تتلاشى.

استقرَّ في المفهوم الأوليِّ "أنا" لكي تَفْتَكَ منه وتحررَّ من كلِّ المفاهيم. عبرَ فهمِ لا واقعيّة "الأنا" ستتحرَّرُّ منها بشكلٍ كامل.

حينَ تجلسُ بهدوءٍ وتتوحَّدَ مع "الأنا"، ستفقدُ كلَّ اهتمامٍ بالعالَم، وحينها ستذهبُ "الأنا" بدورها، تاركةً إيّاكَ في حالةِ المطلق.

حينَ تدعُ كلِّ شيءٍ وترسَخُ في الأنا، وبينما تمضي في هذا التّمرين، سوف تقودكَ العمليةُ إلى السُّموِ فوقَ "الأنا."


جوهرُ الوعي نفسِه هو الخاصيّةُ "أنا"، لا وجودَ لشخصيّةٍ أو شخصٍ هناك، استقرَّ هناك واسْمُ فوقَها.

ابقَ مركزًا على "الأنا" إلى أن تصبح شاهدًا عليها، عندها تَنتحى جانبًا؛ فلقد بلغتَ الأسمى.


عندما تبقى في "الأنا" ستكتشفُ أنَّ كلَّ ما عدا ذلك عديمُ الجدوى، ومِنْ ثَمَّ تصيرُ أنتَ البارابراهمن، المطلَق.


ذاك الّذي يبقى مواظبًا على المبدإِ الّذي يعرفُ به "الأنا"، يعرفُ كلَّ شيءٍ ولا يحتاجُ إلى شيء.

فقط اجلسْ واعرفْ أنَّكَ "الأنا" بدون كلمات، لا حاجةَ لفعلِ شيءٍ آخر. سوف تهتدي بعد فترةٍ وجيزةٍ إلى حالتكَ الطبيعيّةَ المطلقة.

عليكَ أنْ تدركَ أنََكَ لستَ الجَّسدَ أو خاطرةَ "أنا"، أنتَ –وأنتَ مطلق- لستَ أيّاً منهما ولستَ تحتاجهما.

المطلق أو البارابراهْمَنْ سابقٌ على "الأنا"، إنَّه الحالةُ اللامولودة؛ أنَّى له إذنْ أنْ يمتلكَ أو يحتاجَ خاطرةَ "أنا."

عليكَ أن تسمو فوق "الأنا" لتدخلَ حالةَ البَارابَراهْمَن الخاليةِ مِنَ المفاهيم، حيث لا تعود تعرف حتى أناك!

ذاكَ الّذي أدركَ خاطرةَ "أنا"، أيْ أنّه تجاوزها كذلك، بالنّسبة إليه ليس ثمة ولادةٌ أو موتٌ ولا عاقبةُ أفعال.


تحدثُ الشَّهادةُ في الحالةِ التي تسبقُ قولكَ كلمة "أنا"، هنا والآن، أنتَ المطلقُ والبارابراهمن، تشبَّثْ "بالأنا" بكلٍّ جوارحك، ابقَ ثابتًا فيها على الدوام ولسوف تتلاشى، ثمَّ تصبح ما أنتَ عليه.


أنتَ لستَ "الأنا" ولا نشاطاتِها، أنتَ- وأنتَ مطلق- لستَ أيَّا منهما، كنْ مكرسًا حقيقيًّا للحقيقةِ عبرَ ملازمةِ خاطرةِ "الأنا"، وبالتالي؛ السُّموُ فوقَ تجربةِ الموتِ لنيلِ الخلود.

ما الّذي يفهم الخاطرةَ "أنا" في داخلكَ بدونِ اسمٍ أوعنوانٍ أو كلمة؟ غُصْ في ذلك المركزِ الأوغلِ واشهَدْ على خاطرةِ "أنا."

اقبلِ الخاطرةَ "أنا" ذاتًا بشكلٍ تامٍ وباقتناعٍ كاملٍ. آمنْ بحزمٍ بالقولٍ المأثور: "أنا ذاك الّذي أعرفُ بهِ أنّني أنا."

تثبثْ بالخاطرةِ "أنا" وسوف يتجلى الإدراكُ أنّني "أنا" المطلق لستُ الخاصيّة "أنا."

دعكَ مِنْ كلِّ شيءٍ إلاّ البقاءُ في خاطرةِ "الأنا"، المُولومَايا، أو الوهم الأوليّ، وحینها ستحرركَ مِنْ قبضتها الخانقةِ وتَغْرُب.


خلال التأمُّلِ العميق، الموَّجهِ على الخاطرة "أنا" حصرًا، سيُكشفُ لكَ حدسيًّا كيف جاءت هذه "الأنا" إلى الوجود.

للتخلُّصِ من حسِّ الجَّسد- عقل، أو الهُويَّة، اسكنِ "الأنا" و تشرَّبها. لاحقًا ستتحدُ "الأنا" مع الحالةِ المطلقة.


عندما تحيطُ بالخاطرةِ "أنا" وتفهمُها، ابقَ هناك في خلوةٍ ولا تسرحْ هنا أو هناك. ما إنْ تثبتَ في "الأنا" حتى تكتشفَ أنَها ليستِ الحالةَ الأبديَّة، لكنّك "أنت" أبديٌّ وأزليّ.


التعليمُ بسيطٌ، عندما تبزغُ "الأنا"، يظهرُ كلَّ شيءٍ، عندما تأفلُ يختفي كلُّ شيءٍ. مِنْ مطلقك، والّذي هو بدونِ هيئةٍ أو شكلٍ، أتتْ هذه الخاطرةُ "أنا"، والّتي هي أيضًا بدون هيئةٍ أو شكلٍ.


لقد طرأتْ هذه الخاطرة، "أنا"، بعفويةٍ على حالتكَ المطلقة؛ وبالتالي فهي وهم. الشُّعور "أنا" نفسُه وهم؛ وبالتالي فأنَّ كلَّ ما يُری من خلالِ هذا الوهم لا يمكن أن يكون حقيقيًّا.


حينَ تتأملُ الخاطرةَ "أنا"، الّتي هي بداية المعرفة، كيف يمكن أن يكون هناك أيّةُ أسئلة؟ ليستْ هُويَّةَ أنا الجَّسد ما يجبُ أن يكون موضوعَ تأملك إنَها الخاطرة "أنا" هي التي تتأمَّلُ نفسَها.

كلُّ ما عليكَ فعله هو أن تعرِّف نفسك بالخاطرةِ المُقيمةِ "أنا." هذا كلُّ شيءٍ. اجلسْ للتأمُّل معرفًا نفسكَ "بالأنا"، أقمْ مع "الأنا" وحدها- لا مع مجرَّد كلمة "أنا."

انسَ كلَّ شيءٍ حيالَ قواعدِ الانضباطِ الجسديِّ في هذا الارتباط وكنْ مع الخاطرة "أنا" فحسب. عندما تثبتُ في "الأنا" ليس ثمة أفكارٌ أو كلمات.


إنَّها "الأنا" الّتي تتقصى حول "الأنا"، وعند إدراكها لبطلانها تختفي وتتَّحدُ بالأبديَّة.

برفقةِ الخاطرةِ "أنا" يظهرُ الفضاءُ والعالَم. عندما ترحلُ الخاطرةُ "أنا" سينقضي العالَم.

علَّمني الغورو ما "أنا"، وعكفتُ عليه. حالتي الأصليَّة هي أنْ أكون في تلك الحالةِ حيث لا "أنا".

تشبَّثْ "بالأنا" وستتبدَّدُ كلُّ العقبات، سوف تغدو ما وراءَ مملكةِ الجَّسد-عقل.

يمكن "للـأنا" في هيئةِ الجَّسدِ أن تبلغَ الحالةَ الأسمى فقط لو فهمتها وتقبلتها وأقمتَ فيها، حينها تفلتُ منَ الولادةِ والموت.


لا يمكن لهُويَّةِ الجَّسد أن تبلغَ هذه المعرفة، على المعرفة "أنا" أن تبلغَ هذه المعرفة؛ حين تقيمُ المعرفةُ في المعرفة يحدث السُّمو فوق المعرفة.

"للأنا" نفوذٌ عظيم، ما مِنْ تمظهرٍ إلاّ هو منبثق عنها. عندما تسكنُ "الأنا" بوصفها قدركَ ستدركُ أنَّ قدركَ ليس الموتُ بل اختفاءُ "الأنا".

اذهبْ إلى حالةِ "الأنا"، ابقَ هناك، اندمجْ واذهبْ إلى الماوراء. لو مكثتَ في "الأنا" ولذتَ بها بحزمٍ، لخسرتِ كلُّ الأشياءِ الخارجيِّةِ استحواذها عليك.

أنتَ الحقيقة ماوراء "الأنا"، أنتَ البارابراهمن. تأمل هذا وتذكره. ستتركَ هذه الفكرة أيضًا في النِّهاية. افهمِ "الأنا"، اسْمُ فوقها وأدركِ المطلق.

دَعْكَ مِنْ كلِّ الأسئلةِ إلاّ واحدًا: مَنْ أنا؟ 

حينَ أنظرُ داخليْ وأرى أنَّني لا شيء؛ فهذه هي الحكمة. حينَ أنظرُ خارجي وأرى أنّني كلُّ شيءٍ؛ هذا هو الحُبّ. وبينهما تتقلَّبُ حياتي.



ترجمة وإعداد: Abderezak Belhachemi



الجمعة، 5 أغسطس، 2016

ما التشاؤم؟ الفلسفة الكامنة في صميم مسلسل True Detective





ما التشاؤم؟ الفلسفة الكامنة في صميم مسلسل True Detective


بقلم بروفيسور ديفيد كارترايت- David Cartwright







أحدُ أوائلِ اللقاءاتِ الحميمةِ التي تجمعنا بشخصيةِ راستن كولRustin Cohle ‘التي يؤديها ماثيو ماكونهي Matthe McConaughey  هو في حوارٍ له مع شريكه الجديدِ مارتن هارت Martin Hart - حولَ معتقداته الوجوديّة. حينَ يلحُ بسؤاله عنِ التزامه بالمسيحيّة، ينفي ’رَسْت‘ أيَّ صلةٍ بها ( تتجاوز غرضه بالتأمل)، ويؤكدُ أنّه " ما يعرَفُ فلسفيًا ”بالمتشائم“. منَ المفهومِ أنَّ كثيرًا منَ النَّاس، بما فيهم مارتن نفسُه، وجدوا أنفسهم مدفوعينَ ليسألوا عندَ سماعهم هذا المصطلحَ أولَّ مرَّةٍ: 'ما معنى هذا؟' جاءَ الجوابُ تهربيًّا في البداية: ” هذا يعني أنّني لستُ رجلَ حفلات “ ولكنْ بعدَ قليلٍ منَ الضَّغطِ الصَّامتِ منْ مارتن، يبوحُ رَسْت برؤيته للعالَم:




" أعتقدُ بأنَّ الوعيَ الإنسانيَّ زلَّةٌ مأساويّةٌ في تطوُّرِ النَّوعِ البشريّ، لقد تجاوزَ وعينا بالنَّفسِ الحدَّ اللازِم. أوجدتِ الطبيعةُ جانبًا منها غريبًا عليها، نحنُ كائناتٌ لا ينبغي أنْ توجدَ وفقًا للقانونِ الطبيعيّ. نحنُ أشياءُ تكدَحُ مدفوعةً بوهمِ امتلاكِ ذات، بَرْمَجَتْنَا مشاعرنا وخبراتنا الحسيَّةُ بتأكيدٍ تامٍ على أنَّ لكلِّ منا أهميته، بينما في الحقيقةِ لا أهميَّةَ لأحد. أعتقدُ أنَّ رفضَ برمجتنا هو أنبلُ ما يمكنُ لجنسنا فعله: أنْ نكفَّ عنِ التّناسُل ونمضيَ يدًا بيدٍ صوبَ الانقراض. صوبَ ظُلمةٍ أخيرة، أخوةً وأخوات، منسحبينَ مِنْ صفقةٍ فاشلة" راستن كول، الحلقة الأولى: الظلامُ الطويل المشرق.




على الرغمِ منَ حقيقةِ أنَّ النُّسخةَ المتلفزةَ لا تكشِفُ صراحةً عنْ مصدرِ هذه الأفكار، إلاّ أنّه منَ المُشَوقِ معرفةُ أنَّه في سيناريو أسبق، يشيرُ رَستْ بالفعلِ إلى الفيلسوفِ الألمانيّ آرثر شوبنهاور باعتباره واحدًا منْ بينِ المفكرينَ الذين يُفترضُ أنّه كانَ قد قرأ أعمالهم. وبالتالي، على ما يبدو أنَّ لمعجبي True Detective في شخص آرثر شوبنهاور، مدخلٌ بديلٌ ما لعقلِ راستن؛ وبالتالي معتقداته وحياته. لكنْ مَنْ كانَ آرثر شوبنهاور وبمَ كانَ يعتقد؟ وإلى أيِّ مدًى يمكنُ أنْ تساعدَ آراؤه في فهمٍ أفضلَ لرؤيةِ المحقِقِ راستن كول العدميّةِ للحياة؟


غالبًا ما أُشيرَ إلى الفيلسوفِ الألمانيّ آرثر شوبنهاور(1788-1860) على أنّه المتشائمُ الأعظمُ في التراثِ الفلسفيّ الغربيّ. على أيّةِ حال، ممّا يثيرُ الفضولَ أنّه لم يُشِرْ قَطُ إلى فلسفته على أنّها متشائمةٌ في أيِّ عملٍ أعدَّهُ للنَّشر. في الواقع، استخدمَ مفهومي ”التفاؤل“ و”التشاؤم“ لتصنيفِ الأديان، التي فَضَّلَ منْ بينها البوذيّةَ والهندوسيّةَ اللّتين صنَّفهما على أنّهما ديانتان ”متشائمتان“. ولكنْ إذا كانَ المتشائمُ شخصًا يؤكدُ على :


(1) أنّ الوجودَ غلطَة
(2) وأنّ ليسَ ثمة معنًى أوغايةً للوجودِ الإنسانيّ
(3) وأنَّ أفضلَ شيءٍ لبني الإنسانِ هو ألاّ يوجدوا
(4) وأنَّ الأفضلَ التالي هو تحقيقُ حالةِ كينونةٍ يستحيلُ فيها العالَمُ عدمًا
(5) وأنَّ الحياةَ قائمةٌ على المعاناةِ والمعاناةُ شرّ
(6) وأنَّ هذا العالَمَ هو أسوأُ العوالِمِ المُمكنة
فلا أحدَ إذنْ أحقُ باللّقبِ منْ شوبنهاور.


كوَّنَ شوبنهاور رؤيته المظلمةَ والفاتِنةَ للعالَمِ في كتابه الرئيس العالَم إرادةً وتمثلاً، الّذي ظهرَ للمرَّةِ الأولى في ديسمبر 1818( أُضيفَ للطَبعةِ الثانية عامَ 1844 مجلَّدٌ آخر منَ المقالات؛ الطَبعة الثالثة نشرَتْ عامَ 1859). في عمله هذا، قالَ شوبنهاور الإلحاديُّ المنزعِ بأنَّ كلَّ ما في العالَمِ هو تعبيرٌ عنِ العبثِ واللاغائيّةِ والسَّعيِ النَّهِمِ للوجودِ الّذي أطلق عليه اسمَ ”الإرادة“ أو ”إرادةُ الحياة“. وهذا يعني أنَّ كلَّ ما في الطبيعةِ يصارِعُ لكيْ يوجد؛ وضعٌ قائمٌ منَ العلاقاتِ يجعلُ منَ النِّزاعِ والصراعِ مستمريْن وحتمييْن. ولكنْ ليسَ الصراعُ هو ما يجعلُ العالَمَ مشكلاً لشبنهاور؛ عالَمٌ منَ القوى الفيزيائيّةِ المتصارعةِ هو ببساطةٍ عالَمُ الكونِ والفساد. يغدو الوجودُ مشكلاً مع ظهورِ الحياةِ الحيوانيِّةِ، ظهورِ كائناتٍ واعيةٍ تصيرُ مدركةً لرغبتها المُحْبَطَة، كائناتٍ تعاني الضَّجرَ والألمَ والكربَ والموت.




"يغدو الوجودُ مشكلاً مع ظهورِ الحياةِ الحيوانيِّةِ، ظهورِ كائناتٍ تصيرُ مدركةً لرغبتها المُحْبَطَة، كائناتٍ تعاني الضَّجرَ والألمَ والكربَ والموت."


قالَ شوبنهاور بأنَّ أسوأ مصيرٍ على الأطلاقِ هو أنْ تكونَ إنسانًا. جميعُ الحيواناتِ تعاني وتشعرُ بالألم، لكنَّ أهمَّ ما يميِّزُ الإنسانَ عنْ بقيةِ الحيواناتِ هو قدرته على التَّفكيرِ المَفهوميّ، الّذي عرَّفهُ بأنّه مَلَكَةُ ”العقل“. اعتبرَ امتلاكَ العقلِ خيرًا ذا حديّن؛ إذْ يخوِلُ العقلُ الإنسانَ تحقيقَ كلِّ شيءٍ يميِّزُ الحياةَ الإنسانيّةَ عنْ أيِّ شكلٍ آخرَ منَ الحياةِ الحيوانيّة، ولكنّه أيضًا يجعله معرضًا لضروبٍ أخرى منَ المعاناةِ في حينِ أنَ الحيواناتِ معفاةٌ منها. رغمَ أنَّ العقلَ يخولُ الإنسانَ تحصيلَ المعرفة، فهو يقودُ أيضًا إلى الشَّكِّ والخطإِ والحيرة. عبرَ تَعْليِّمِ المفاهيمِ بالكلمات، حَصَّلَ الإنسانُ اللغةَ وبالتالي القدرةَ على التواصلِ بطرائقَ أكثرَ تعقيدًا وكفاءةً منَ الحيواناتِ الأخرى. زعمَ شوبنهاور أنَّ مادةَ هذا التواصلِ غالبًا ما تضلِّلُ أكثرَ مما تنوِّر. اعتقدَ أيضًا أنَّ العقلَ يخولُ الإنسانَ الهروبَ منَ الحدودِ الضَّيقةِ للحاضرِ المباشرِ الّذي لا تتجاوزه الحيواناتُ الأخرى. ولكنَّ القدرةَ على التَّفَكُّرِ في الماضي وتوقعِ المستقبلِ تجعلُ الإنسانَ عُرضةً لضروبٍ أخرى منَ المعاناة. يمكنُ للماضي أنْ يسكنَ الإنسانَ وأنْ يجعله يختبِرُ مشاعرَ النَّدمِ والأسف، ويمكنُ للإنسانِ معاناةُ الخوفِ والقلقِ منَ المستقبل. بشكلٍ أكثرَ عمقًا، يعي الإنسانُ أنَّ موته ينتظره في المستقبل. يخولُ العقلُ الإنسانَ أيضًا الإعدادَ والتخطيطَ للأحداثِ المستقبليّةِ، ويتيحُ له بالتالي خياراتٍ أكثرَ ممّا هو متاحٌ للحيواناتِ الأخرى، الّتي اعتقدَ بأنّها مدفوعةٌ بمعطياتِ الحاضرِ المباشر. قالَ بأنَّ حريّةَ الاختيارِ هذه ظاهريّةٌ فقط؛ لأنَّ السُّلوكَ الإنسانيَّ الموجه بالفكرِ المجرَّدِ خاضعٌ للعلةِ والضرورةِ على حدِّ السَّواء.




"القدرةُ على التَّفَكُّرِ في الماضي وتوقعِ المستقبلِ تجعلُ الإنسانَ عُرضةً لضروبٍ أخرى منَ المعاناة. يمكنُ للماضي أنْ يسكنَ الإنسانَ وأنْ يجعله يختبِرُ مشاعرَ النَّدمِ والأسف."


بجانبِ دافعي الاستمرارِ والسَّعادةِ الشَّخصيّة، صَنَّفَ شوبنهاورالحبَّ الجنسيَّ على أنّه أقوى وأنشط دافعٍ في الإنسان. إنّه يعدُ بالمتعة، ولكنّه يجلبُ اليأسَ بالنِّهاية. قالَ إنَّ إشباعَ دافعِ الجنسِ هو تقريبًا هدفُ جميعِ جهودِ الإنسان، وإنّه يستحوذُ على نصفِ طاقاتِ فكره. يربِكُ الجنسُ حتى أعظمَ العقول، ويتعارضُ مع أهمِّ الأعمالِ الإنسانيّة، يعوقُ نشاطاتِ السياسيينَ ويتطفَلُ على أبحاثِ العلماء. مدفوعينَ بقوَّةِ الحبِّ الجنسيّ؛ يتورطُ النَّاسُ في شجاراتٍ مع أصدقائهم وعائلاتهم، كاسرينَ بذلك روابطَ أثمنِ وأقوى العلاقات. يمكنُ للحبِّ الجنسيّ أنْ يؤديَ لسقوطِ المستقيمِ والنَّبيل، ويمكنه أنْ يجعلَ أولئك الذين كانوا مخلصينَ وصادقينَ ذاتَ مرَّةٍ خونة. سيضحي النّاسُ بكلِّ شيءٍ ليشبعوا إلحاحاتهم الجنسيّة، بالثروةِ والصحةِ والمركَزِ الاجتماعي، وأحيانًا حتى بحياتهم. إذ إنَّ الجنسَ هو الوسيلةُ التي تؤكِدُ الإرادةُ بها ذاتَها باستمرار. لهذا السَّببِ اعتبرَ أنَّ العُشَّاقَ همُ الخونةُ الَّذينَ يؤبدونَ شقاءَ الحياة؛ لأنّهم ينسِلونَ أفرادًا جددًا ليرموا في هذا العالَمِ حيثُ المعاناةُ واليأسُ والموت. بهذه الرؤيةِ لنشاطِ الإنسانِ الجنسيّ، يَسْهُلُ علينا معرفةُ لماذا زعمَ شوبنهاور أنَّ التبتُّلَ الطوعيَّ هو أولُ خطوةٍ باتجاهِ الزُّهدِ ورفضِ الإرادة؛ ممّا يعني الخلاصَ منَ العالَم.




"يربِكُ الجنسُ حتى أعظمَ العقول، ويتعارضُ مع أهمِّ الأعمالِ الإنسانيّة، يعوقُ نشاطاتِ السياسيينَ ويتطفَلُ على أبحاثِ العُلماء. مدفوعينَ بقوَّةِ الحبِّ الجنسيّ؛ يتورَّطُ النّاسُ في شجاراتٍ مع أصدقائهم وعائلاتهم، كاسرينَ بذلكَ روابطَ أثمنِ العلاقات. يمكنُ للحبِّ الجنسيّ أنْ يؤديَ لسقوطِ المستقيمِ والنَّبيل، ويمكنه أنْ يجعلَ أولئك الّذين كانوا مخلصينَ وصادقينَ ذاتَ مرَّةٍ خونة. سيضحي النّاسُ بكلِّ شيءٍ ليشبعوا إلحاحاتهم الجنسيّة، بالثروةِ والصحةِ والمركَزِ الاجتماعي، وأحيانًا حتى بحياتهم"




كثيرًا ما استخدمَ شوبنهاور مصطلحي ”زهد“ و ”رفض الإرادة“ كمتردافين. ولكنّه لاحظَ أيضًا استراتيجياتِ خلاصٍ أخرى، مثلَ الصوفيّة، باعتبارها تعبِّرُ أيضًا عنْ رفضِ الإرادة؛ إلاّ أنَّ ذلك لم يثنهِ عنِ التركيزِ على ضروبِ الزُهدِ التي أظهرها القديسونَ والأرواحُ العظيمةُ ضمنَ المسيحيّة والهندوسيّة والبوذيّة. يسعى الزَّاهدُ لوأدِ الإرادةِ طوعًا برفضِ الأشياءِ المُحببةِ في الحياة، بطلبِ الأشياءِ الشَّاقة والإذلالِ المستمرِ للإرادةِ بالتقشف ومجاهدةِ النَّفس. وبناءً على ذلك، زعمَ بأنَّ الزاهدينَ يأكلون القليلَ ويهملونَ صحتهم، يتخلونَ عنْ ممتلكاتهم في سبيلِ تخفيفِ معاناةِ الآخرين، يتقبلونَ كلَّ الأذى الذي ينالهم منهم، ويَقبلونَ معاناتهم ويمارسونَ تعففهم. كانَ أعنفُ شكلٍ منْ أشكالِ الزُّهدِ هو الانتحارُ الطوعيُّ بتجويعِ النّفس، الّذي قالَ بأنّه الشَّكلُ الوحيدُ منَ الانتحارِ المُحصَّنِ ضدَّ النقدِ الأخلاقيّ. خَتمَ شوبنهاور المجلَّدَ الأولَ منَ العالَمِ إرادةً وتمثلاً بشرحِ منظورِ الزَّاهد المنسحِب، ”المنتصرِ“ على العالَم: " ... بالنِّسبةِ لأؤلئك الذين انهزمتْ فيهمُ الإرادةُ وأعدَمَتْ نفسَها، يغدو كلَّ ما في عالمنا الحقيقيّ للغاية بما فيه منْ مجراتٍ وشموشٍ لا شيئًا."


افْتُتِنَ الفيلسوفُ الألمانيّ فريدريك نيتشه (1844-1900)، إذا لم نقلِ انسحرَ، بفلسفةِ شوبنهاور باكرًا في مسيرته الفلسفيّة. فحينَ قرأ شوبنهاور لأولِ مرَّةٍ عامَ 1865، كانَ متحمسًا لهذه الفلسفةِ حدَّ أنّه شعرَ أنَّ شوبنهاور لم يكتبْ إلاّ منْ أجله. أُعجِبَ ”بـإلحادِ شوبنهاور الصادِق“؛ بموقفه البطوليِّ ضدَّ عصره، المتمثلِ بالتزامه قولَ الحقيقةِ بغضِ النَّظرِ عمّا أرادَ النّاس سماعه؛ وتناوله موضوعَ المعاناةَ بجديَّة؛ وتسليطه الضوءَ على مشكلِ المعاناةِ ومعنى الوجود. على الرغمِ منْ أنَّ عناصرَ منْ فلسفةِ شوبنهاور ظلَّتْ قابلةً للتطبيقِ طيلةَ مسيرةِ نيتشه الفلسفيّة، إلاّ أنَّ فلسفةَ شوبنهاور خيبتْ ظنه في النهايةِ ولقبَّ نفسَه ”بنقيضِ شوبنهاور“. بدأ هذا الموقفُ المعارِضُ لشوبنهاور يظهرُ على نحوٍ متزايدٍ أكثرَ فأكثرَ في مؤلفاتِ نيتشه، مثل: إنسان مفرط في إنسانيته (1878-80) والفجر (1881) والعلم المرِح (1882، 1887) وما وراء الخير والشر (1886) وفي جينالوجيا الأخلاق (1887) وأفول الأصنام (1888) وهو ذا الإنسان (1888) وعدوّ المسيح (1888).


في الواقع، استخدمَ نيتشه مصطلحَ عدوِّ المسيح حتى في معارضةِ شوبنهاور، الّذي قالَ إنَّ أيّةَ رؤيةٍ تُنكرُ المغزى الأخلاقيَّ للعالَمِ هي تلك التي شخصَّها الديِّنُ ”بعدوِّ المسيح“. لقد فضحَ تشاؤمُ شوبنهاور شرِّ العالَمِ لأنّه تجسيدٌ للإرادة. بينما أنكرَ نيتشه أنْ يكونَ للعالَمِ أيَّ مغزًى أخلاقيٍّ منْ أيِّ نوع؛ إنّه ليسَ خيرًا ولا شرًّا. بالنِّسبةِ لِنيتشه، فإنَّ الكيفيةَ التي بنى بها شوبنهاور رؤيته للعالَم تُصوره هو أكثرَ ممّا تُصورُ العالَم. في الواقع، بقدرِ ما أعلى شوبنهاور منْ قَدْرِ الزُّهدِ ورفضِ الإرادة، وجدَ نيتشه أنَّ تشاؤمَ شوبنهاور ونفوره منَ العالَم ضربٌ منَ العدميَّة. والّذي كان فوق ذلك كلّه، قهرًا للنّفس. إرادةُ العدمِ ( رفضُ الإرادة) تظلُّ إرادةً أيضًا. لذا قالَ إنَّ شوبنهاور يفضِّلُ إرادةَ العدمِ على ألاّ يريدَ على الإطلاق. هذا حررَّ الإرادةَ بالطبع. قالَ نيتشه بأنَّ هذه الاستراتيجيةَ كشفتْ أيضًا عنْ أنَّ ”تشاؤمَ شوبنهاور الرومانسيّ“ كانَ شكلاً ملتويًا منَ التفاؤل، والّذي كان يعبرُعنِ القرفِ والتعبِ منَ الحياة. لقد أسقطَ شوبنهاور كلَّ اضطراباته الداخليّةِ على العالَمِ ليتسنى له أنْ يرفضه؛ منْ أجلِ أنْ ينعمَ بالسَّكينةِ والسَّلامِ والهدوء.




"بالنسبةِ لِنيتشه، فإنَّ الكيفيةَ التي كوّنَ بها شوبنهاور رؤيته للعالَم تُصوره هو أكثرَ ممّا تُصورُ العالَم. في الواقع، بقدرِ ما أعلى شوبنهاور منْ قدرِ الزُّهدِ ورفضِ الإرادة، وجدَ نيتشه أنَّ تشاؤم شوبنهاور ونفوره منَ العالَم ضربٌ منَ العدميّة. الذي كان فوق ذلك كلّه، قهرًا للنّفس. إرادةُ العدمِ ( رفضُ الإرادة) تظلُّ إرادةً أيضًا. لذا قالَ إنَّ شوبنهاور يفضِّلُ إرادةَ العدمِ على ألاّ يريدَ على الإطلاق. هذا حررَّ الإرادةَ بالطبع. قالَ نيتشه بأنَّ هذه الاستراتيجيةَ كشفتْ أيضًا عنْ أنَّ ”تشاؤمَ شوبنهاور الرومانسيّ“ كانَ شكلاً ملتويًا منَ التفاؤل، والّذي كان يعبرُ عنِ القرفِ والتعبِ منَ الحياة. لقد أسقطَ شوبنهاور كلَّ اضطراباته الداخليِّةِ على العالَمِ ليتسنى له أنْ يرفضه؛ منْ أجلِ أنْ ينعمَ بالسَّكينةِ والسَّلامِ والهدوء"


زعمَ نيتشه بأنّه قد عانى مِنْ مرضِ شوبنهاور ”التشاؤم الرومانسيّ“ وتجاوزه عبرَ توجيه إرادته لطريقِ الصحةِ نحوَ فلسفةٍ للحياةِ، قويَّةٍ كفايةً لمعانقةِ الحياة، على الرغمِ منْ حقيقيةِ أنَّ الحياةَ قائمةٌ على المعاناة. إذنْ يزعمُ نيتشه في معارضته لشوبنهاور أنَّ فلسفته هي تشاؤمُ القوَّة، رؤيةٌ للعالَمِ تقولُ نعم للحياةِ بوعيٍ تامٍ لما في الوجودِ منْ فظاعةٍ وجدل، تقولها بوعيٍ تامٍ بجميعِ ضروبِ البؤسِ والشرِّ والبشاعةِ والعبث. هكذا وضعَ نيتشه رؤيته ”الديونيسوسيّة“، بأنْ قالَ نعم في وجه ”لا“ شوبنهاور.




ترجمة: Shiva Okleh