الخميس، 27 سبتمبر، 2012

عن الانتحار/آرثر شوبنهاور















عن الانتحار...آرتور شوبنهاور


بقدر ما أعرف، لا أحد سوى أنصار التوحيد وهذا يعني :-الأديان اليهودية-، ينظر إلى الانتحار على أنه جريمة. وهذا ما يثير أكبر الاندهاش، نظراً لأن لا العهد القديم ولا الجديد  يشتملان على أي تحريم أو استهجان له؛ لذلك فإن المعلمين المتدينين مجبرون على أن يضعوا اداناتهم بناءً على أُسس فلسفية من اختراعهم. الكتاب الرديئون للغاية من هذا الطراز يجاهدون لتعويض ضعف حججهم بإجماعات حازمة، والتي يُعَبِرونَ من خلالها عن اشمزازهم من التمرن على حجج جديدة. باختصار إنهم يواجهونه بطريقة خطابية. يقولون لنا إن الانتحار أعظم صور الجُبن، إن المجنون وحده  يذنب باقترافه، والبواخات الأخرى من نفس النمط هذا ،إذا لم يذكروا تلك الملاحظة الهرائية -إن الإنتحار مخالف للحس السليم-، حيث إنه من أشد الواضح أن كل شيء في العالم يهون ويصبح هامشياً، باستثناء حياة المره وشخصه.

الانتحار، وكما سبق أن ذكرت يعتبر جريمة ،وجريمة بإجماع الرعاع المنقادين بالتعصب الأعمى والمستشري في بريطانيا، كما أنه يتبع بمراسم دفن مُخزية ومصادرة جميع ممتلكات المرء، ولهذا السبب في حالة الإنتحار؛ فإن قرار هيئة المحلفين جاهز تقريباً بحكم بالجنون. والآن لندع ضمير القارئ يقرر إذا ما كان الانتحار فعلا إجراميا أم لا. فكر في الانطباع الذي سينشأ بداخلك عند سماعك لخبر أن شخصاً تعرفه قد ارتكب جرماً، لنقل، قتلا أو سرقة،  أو عملا وحشيا او نصبا،ثم قارنه بمشاعرك عند سماعك لخبر أن أحدهم أنهى حياته بمحض إرادته. بينما سينشأ في الحالة الأولى إحساس مفعم بالسخط والاستياء الشديد، وربما المجاهرة بمطالبتك بالعقاب أو الانتقام، في الحالة الثانية سيحركك الحزن والتعاطف،  وستتعارك مع مشاعرك للاعتراف بإعجابك بشجاعته بدلاً من الاستنكار الأخلاقي، والذي ستتبعه بفعل شرير. 
 من منا ليس لديه معارف،أصدقاء،علاقات، كم منهم غادر العالم بإرادته الحرة؟ وهل هؤلاء من سنخاف منهم كأنهم مجرمون؟ قطعاً لا ! أنا أميل إلى رأي يقول: إن رجال الدين يجب تحديهم لنعرف بأي حق يتوجب عليهم أن يصعدوا إلى منبر الوعظ، وإخراج أقلامهم ليوقعوا بالجريمة على فعل قام به العديد من الرجال الذين نحمل لهم العواطف ونكن لهم الاحترام، وليرفضوا إعطائهم دفناً مشرفا لأنهم هجروا سلتطهم الكونية. ليس لديهم حتى سلطة إنجيلية يتبجحون بها ويقدموها  كتبرير لإدانتهم للانتحار، ولا حتى أي حجج فلسفية مُفحمة. ينبغي أن يُفهم أننا راغبون في هذا الجدال الفلسفي،هو لن يكون مجرد كليشهات وسُباب. وإذا كان قانون الجنايات يحظر الانتحار، فهذا الحوار ليس متاحاً للكنسية، بالإضافة إلى أن المنع مجرد سخافة؛ بأية عقوبة سترهب شخصاً لا يهاب الموت نفسه؟ إذا كان القانون يعاقب على اقتراف الانتحار، فعقابه كالرغبة بمهارة تجعل من المحاولة فشلا ذريعا.

 بالإضافة إلى ما تقدم، فإن القدماء كانوا بعيدين جداً عن إدراج الموضوع في سياق كهذا، يقول بليني: "ليست الحياة شيئاً مرغوبا به إلى الحد الذي  تكون فيه مطولة بأي ثمن. كائناً من كنت، فإنك ستموت بكل تأكيد، حتى لو كانت حياتك طافحة بالمقت والجريمة. سيد العلاجات بالنسبة لعقل مَهمُوم هو الشعور بأن من بين جميع النعم التي تغدقها الطبيعة على الإنسان، ليس هناك أعظم من موت مُلائم، وأحسن ما فيه أنه بإمكان أي واحد الانتفاع منه". وفي مكان أخر يعلن الكاتب نفسه:- "ليست كل الأمور ممكنة حتى مع الله نفسه، فهو لن يقدر على تحديد موعد موته إذا شاء أن يموت. ولحد الآن من بين جميع ماسي حياتنا الأرضية فالموت الاختياري هو أفضل هدية منحها للإنسان". لا بل في ماسيليا على جزيرة سيوس، كان الرجل الذي يقدم أسباباً مُقنعة للتخلي عن حياته،  يسلم شراب الشوكران من يد القاضي، وكان الأمر يتم في العلن. في الأزمان القديمة ، كم من الأبطال والرجال الحكماء ماتوا موتاً طوعياً. أرسطو، نعم أرسطو،أعلن أن الانتحار إهانة للدولة، وليس للشخص نفسه. و في شرح ستيبايوس للفلسفة المشائية هناك الملاحظة التالية:"على الرجل الصالح عليه أن يهجر الحياة عندما تتعاظم مصائبه، والرجل الفاسد حين تزدهر حياته_وبالمثل سيتزوج وينجب أولاداً ويشارك في شؤون الدولة، وعامة بحكم الممارسة  سيتمرن على الفضيلة ويستمر في العيش.وبعدها ,مرة أخرى، إذا احتاج أن تجبره الضرورة، فلسوف يغادر مكانه إلى ملاذه فيه القبر".و نجد الرواقين يُشيدون بالانتحار كما لو أنه عمل نبيل وبطولي ، كما تصوره آلاف المقاطع في أعمال سنيكا أكثر من أي وأحد أخر، حيث يعبر عن استحسانه الشديد الشديد له. وكما هو معروف جيدا، فإن الهندوس ينظرون إلى الانتحار كفعل ديني(1)، وبشكل خاص التضحية بالنفس لدى الأرامل. وكذلك أيضاً عندما يكون بإلقاء النفس تحت عربة الإله-الطاغوت-أو أن تأكلك التماسيح في نهر الغانج، أو الإغراق في الجرار المقدسة في المعابد..وهلم جرة. الشيء ذاته يظهر على المسرح-مرآة الحياة-. علي سبيل المثال في يوم اليتيم الصيني، -وهو ويوم ألعاب احتفال صينية -، كان ينتهي اليوم تقريباً بانتحار مُعظم نُبلاء الصين، وبدون أدنى تلميح أو انطباع في أي مكان أن الذي اقترفوه كان جريمة. في مسرحنا الأمر مُشابه إلى حد بعيد-بالميرا-علي سبيل المثال في محمد، أو مورتيمر في ماريا ستيورات، عطيل، الكونتيسة تيرزكي. هل مُناجاة هاملت تأملات مُجرم؟ إنه يعلن ببساطة أنه لو كان لدينا أية موثوقية بأننا سنباد بدون رجعة عن طريق الانتحار؛ فسيكون الموت هو المفضل بلا منازع لعالم بهذا البؤس. لكن هنا تكمن –الحَكة-!

ما عند رجال الأديان التوحيدية، وهذا يعني "الأديان اليهودية" من المواقف المُسبقة ضد الانتحار ، و هؤلاء الفلاسفة الذين يكيفون أنفسهم كملحقين بها، مغالطات هشة من السهل دحضها. ونظراً لضحد هيوم لأشد المتعصبين منهم في مقالته عن الانتحار(2)-مقال في الانتحار-، فإن الاستئناف لم يبدأ إلا عند موته، حيث إنه قمع على الفور نتيجة التعصب الأعمى المخزي، والطغيان الكنسي المشين الذي ساد في إنجلترا؛ولذلك بيع من مقالته بضع نسخ تحت غطاء السرية وبأسعار باهظة. تلك المقالة وغيرها لرجل عظيم جاءنا من بازل، ولنكن شاكرين لإعادة الطبع. إنها لوصمة عار كبيرة للأُمة الإنجليزية أن تلك المقالة الفلسفية البريئة، والصادرة عن واحد من ألمع الكتاب والمفكرين فيها،ذلك الذي واجه الحجج السائدة  ضد الانتحار بنور العقل البارد،  تكون مُجبراً على تهريبها و الهمس بشأنها في تلك البلد، كما لو أنها عمل مُبتذل، حتى وجدت أخيراً ملجأً لها في القارة. في الوقت نفسه فإنها تظهر مقدار الضمير لدى الكنيسة في هكذا مسائل.

في عملي الرئيس(3) قمت بتوضيح أن الحجة الوحيدة القائمة مقابل الانتحار هي  ضمن معدل الوفيات. وهي كالاتي:-إن الإنتحار يُحبط بلوغ الهدف الأخلاقي الأعلى بحقيقة أنه، من أجل تحرر حقيقي من عالم التعاسة هذا؛ فإنه ببساطة يجب استبداله بواحد آخر بائن-ظاهر-. لكن من غلطة إلى جريمة فالأمربعيد كل البُعد، كما أنها لا تفرق عن جريمة، أن رجال الدين النصراني يتمنون لنا أن نُبجل الانتحار.
النواة الأعمق في المسيحية هي حقيقة المُعاناة (الصليب)، والتي هي حقيقة وموضوع الحياة. وبالتالي المسيحية تُدين الانتحار باعتباره احباطا لتلك الغاية، بينما يقال أن العالم القديم يقف عند مستوى أدنى من المشهد، راسخ في الاستحسان، لا وبل في -الشرف-. لكن إذا كان ذلك يشكل حجة وجيهة ضد الإنتحار، فهو يورط كل ادعاءات الزُهد، وهذا يعني أنه لا يصح إلا من الوقوف على نقطة أخلاقية أعلى بكثير مما تبناه الفلاسفة الأخلاقيون في أوروبا . إذا تخلينا عن نقطة الوقوف العالية جدا هذه، فلا تبق أي حجة يمكن الدفاع عنها في جانب الأخلاقية لادانة الانتحار. الطاقة والحماسة الخارقة للعادة لدى الأديان التوحيدية في مهاجمة الانتحار ليست مدعومة بأي مقاطع من الإنجيل ولا بأي من الاعتبارات ذات الوزن، بحيث يبدو كما لو أنه يجب أن يكون لديهم أسباب سِرية لمكابرتهم. ربما لا يكون هذا-إن التخلي الطوعي عن الحياة هو إطراء سيء للذي يقول: كل الأشياء جيدة جداً؟ إذا الأمر كذلك فهو يفترض أن يقدم نموذجا للتفاؤل الشديد لهذه الأديان، تشجب الانتحار لتتفادى أن تشجب به.

على العموم يمكن أن يكون الأمر كالتالي: حالما تصل أهوال الحياة إلى النقطة التي تتفوق بها على الخوف من الموت؛ يضع الإنسان حداً لحياته. لكن الخوف من الموت يوفر مقاومة هائلة، يجعلهم يقفون كغفير على البوابة المؤدية للخروج من هذا العالم. بالطبع ليس هنالك إنسان على قيد الحياة لم يتصور نهايته، وحتى وإذا كانت نهاية ذات طابع سلبي بحت، كتوقف مُفاجئ للوجود،  هناك شيء إيجابي في هذا وهو تحسس خراب الجسد، حيث الإنسان ينكمش عند تخيل ذلك؛ لأن جسده هو تجلي إرادة الحياة.

مهما يكن الصراع مع الغفير كأنه قاعدة عامة، فإنها ليست صعبة عندما ينظر لها من مسافة بعيدة، وذلك في الأساس عاقبة العداء بين عِلل الجسم وعلل العقل. إذا كنا في ألم جسدي كبير ، أو دام الألم فترة طويلة؛ نغدو غير مبالين بالمتاعب الأُخرى،، جميعنا نفكر بالتحسن فحسب. وبالطريقة ذاتها المُعاناة العقلية الكبيرة تجعل منا غير مدركين للألم الجسدي-مزدرين له، كلا، إذا كان سيتفوق على الآخر فهو يشتت أفكارنا،إذ نرحب به كمعطل للمُعاناة العقلية. هذا هو الشعور الذي يجعل الانتحار سهلابالنسبة للألم الجسدي الذي يُرافق ويبقى، فإنه يفقد العينين أي ألق ودلالة  للشخص الذي غُذب بشكل مُفرط عقلياً،  وهذا دليل مُعتبر في حالات هؤلاء الذين اقتيدوا للانتحار بواسطة حالات مرضية بحتة والإفراط في النكتة السوداء. ليس هناك حاجة لتبذل معهم جهداً مميزاً  ليتجاوزا مشاعرهم، ولا أن يطلب منهم أن يسيروا بإنتظام ليصعدوا درجة، حيث بمجرد أن يتركهم الممرض أو الحارس بضعة دقائق مع أنفسهم؛ فإنهم بسرعة يرسلون حياتهم إلى نهاياتها.

عندما يحدث ونحلم حلماً مروعاً وشنيعاً و نصل إلى لحظة الرعب الأعظم ؛ إنها توقظنا، وبهذه الطريقة تطرد كل الأشكال الشنيعة التي ولدناها في الليل. الحياة حُلم : وعندما تُجبرنا لحظة الرعب الأعظم على هدمه، يحدث الامر ذاته.

يمكن للانتحار أيضاً أن يُعتبرتجربة—سؤالاً يضعه الإنسان في وجه الطبيعة، محاولاً أن يجبرها على الإجابة. السؤال هو هذا : ما التغير الذي سيجلبه الموت على وجود الإنسان وعلى تأمله في طبيعة الأشياء؟. إنها تجربة طائشة نقوم بها،  تنطوي على تدمير الوعي الذاتي الذي يضع سؤالاً وينتظر الجواب.





1-يذكر أن كهنة طبقة البراهمة الهندوس كانوا يسمحون للبراهمني بالانتحار، لكن بشرط أن ينتحر بوعي كامل، ليكون شاهدا على خروج الروح من الجسد.


2-المقصود مقالة ديفيد هيوم،-مقال في الانتحار وخلود الروح-1799م-.

3-العالم إرادة وتمثلا.


ترجمة/شيفا

السبت، 22 سبتمبر، 2012

الله مات؛ إذن الزن هو الحقيقة الوحيدة التي لا تزال حية/ أوشو












هل الزِن-ZEN هو الوجه الأخر للعدمية..؟؟!




من أحاديث المعلم أوشو حول الزن.






الله مات؛ إذن الزن هو الحقيقة الوحيدة التي لا تزال حية.


تسلّمُ كلّ الأديان بأنّ الله خلق العالَم ومعه الجنس البشريّ. لكن إن كنتَ مخلوقاً بواسطة أحدهم فأنتَ مجرّد دمية، لا تملك روحك حتى. وإن كنتَ خَلْقَ أحدهم فبإمكانه إلغاؤك في أيّة لحظة. ولا هو سألك أتريد أن تخلق، ولا هو سيسألك –أتريد أن تُلغى؟
الله أكبر دكتاتور. إذا تقبلت حكاية أنه خلق العالم وكذلك البشر، إن كان الله حقيقةً؛ فالإنسان إذن عبد ودمية. كل الأمور بيده حتى حياتك الخاصة وعندها لا يوجد مجال لأي استنارة. عندها ليس هناك مجال ليوجد أي غوتاما بوذا؛ لأنه لا توجد أي حرية على الإطلاق. يسحب الله الخيوط بيده فترقص، يسحب الخيوط مرة أخرى فتبكي، يسحب الخيوط فتبدأ بالقتل، الانتحار، الحرب. أنت مجرد عروسة، وهو محرك العرائس.
عندها لا يوجد مجال للفضيلة والخطيئة، لامجال للآثمين والقديسين. لاشيء جيد ولاشيء سيء؛ لانك مجرد دمية. الدمية لا يمكن أن تكون مسؤولة عن أفعالها، المسؤولية تنسب إلى شخص لديه حرية الفعل. إما أن يوجد الله أو الحرية؛ الاثنان لا يمكنهما أن يوجدا سوية. هذا هو المضمون الرئيس في عبارة فريدرتش نيتشه:"الله مات؛ إذن الإنسان حُر".

ليس هناك من ثيولوجي ، ليس هنالك أحد من مؤسسي الأديان فكر بالتالي: إذا قبلت الله على أنه خالق؛ فإنك تدمر بالكامل منزلة وسمو الوعي، الحرية، الحب. أنت تسلب المسؤولية من الإنسان، أنت تضيع الحرية. تقزم الوجود إلى مجرد نزوة ترافق غريب اسمه الله.
لكن عبارة نيتشه محصورة بوجه واحد من العملة.هو مُحق تماماً، لكن فيما يتعلق بوجه 
 واحد من العملة. لقد صاغ عبارة مُعتبرة وذات مغزى، لكنه نسى أمراً واحداً، والذي كان لابد من أن ينساه؛ لأن عبارته مبنية على العقلانية،المنطق، والفكر. ليست مؤسسة على التأمل.
الإنسان حُر، لكن حر لأجل ماذا؟ إذا لم يكن هناك إله والإنسان حُر، فهذا سيعني ببساطة أن الإنسان الآن يستطيع أن يقوم بأي شيء، طيب أو شرير، لا أحد هناك ليحكم عليه، لا أحد ليغفر له. هذه الحرية تعني ببساطة- الإباحية-. هنا يأتي الجانب الأخر، أنت تحذف الإله وتترك الإنسان فارغاً تماماً. وبالطبع أنت تؤكد على حريته،لكن لأي غرض؟ كيف سيستخدم حريته بشكل خلاق-بمسؤولية-؟ كيف ستتجنب الانحطاط بحريته إلى مجرد إباحية؟
فريدرتيش نيتشه لم يكن يعرف عن أي تأمل- هذا هو الجانب الأخر للعملة. الإنسان حُر ،لكن حريته تكون بهجة ونعمة؛ فقط إذا رسخ نفسه بالتأمل. لتلغِ الله –وهذا صحيح تماماً-،-لقد كان الخطر الأكبر المحدق بالحرية الإنسانية-،ولكن اعطِ الإنسانية في الوقت نفسه معنى وإعتباراً، شيئاً بديعا، انفتاحا وبصيصا من النور للوجود الأبدي.الزن هو الوجه الآخر للعملة.


ليس في الزن أي إله، وهنا يكمن جماله. لديه علم هائل لتحويل وعيك، ليجلب مقداراً كبيراً من الوعي الى داخلك، بحيث لا يمكنك أرتكاب أي شر، ليس بتكليف من الخارج، إنما من صميم كيانك. حالما تعرف مركز وجودك،عندما تعرف أنك والكون واحد، وأن الكون لم يخلق أبداً-أنه هناك دائماً و أبداً، وأنك ستكون دائماً وأبداً، من الأبدية إلى الأبدية-حالما تدرك وجودك النوراني -، -الغوتاما بوذا الخفي لديك-؛ من المستحيل أن تقوم بشيء خاطئ. من المستحيل أن تقترف الشر، مستحيل أن ترتكب أية خطيئة.
 غدا فريدرتيش نيتشه في أيامه الأخيرة مجنونا تقريباً. أودع المشفى ،تحفظ عليه في مأوى المجانين. عملاق كهذا، ما الذي جرى له؟ لقد استخلص أن "الله مات"، لكنها خلاصة سلبية. لقد أصبح نظيفاً، لكن حريته كانت بلاجدوى. لم يكن فيها أي بهجة؛ لأنها كانت تحرر من الله فقط، لكن لأجل ماذا؟ الحرية لها جانبان،-من-و-لأجل-، الجانب الآخر كان مفقودا.هذا ما قاده إلى الجنون.
الفراغ دائما يدفع الناس إلى الجنون. أنت تحتاج إلى موطئ قدم، تحتاج الى بعض التمركز، تحتاج إلى شيء من الصلة مع الوجود. مات الله فانتهت كل صلة لك بالوجود. مات الله، فتركت وحيداً دون أي جذور. الشجرة لا تستطيع العيش دون جدوز، وكذلك أنت.
لم يكن الإله وجودياً -وجودا حقا-، لكنه كان خلاصة جيدة أستخدمت لملئ داوخل الناس، وكانت كذبة أيضا . لكن حتى كذبة تردد لآلاف السنين تصبح شبيهة بالحقيقة.  كان الله خلاصة عظيمة للناس في خوفهم،في جزعهم، في إداركهم لكبرهم وموتهم. وأبعد من ذلك-في الظلمة المجهولة-.  كان الله خلاصة هائلة ،وكان أيضاً كذبة. الأكاذيب يمكن أن تقدم لك العزاء، وعليك أن تتقبلها.  في الواقع الأكاذيب أكثر حلاوة من الحقيقة.

يذكر أن غوتاما بوذا قد قال:" الحقيقة مُرة في البداية ،حلوة في النهاية. الأكاذيب حلوة في البداية، مُرة في النهاية". عندما تُفضح الكذبة؛ عندها تجيء المرارة الهائلة، مرارة أنك خدعت من قبل أهلك جميعا ، من قبل جميع مُعلميك،من كل قساوستك،  من جميع من سميتهم قادة. كان يتم خداعك بشكل مستمر.هذه الخيبة تخلق حالة مستفحلة من الارتياب لدى الجميع. "لا أحد يستحق الثقة"...تخلق هوَّة كبيرة. لذا نيتشه لم يكن مجنوناً في فترته الأخيرة، إنما كانت الخلاصة المحتومة لنهجه. الفكر لا يستطيع إلا أن يكون سلبيا، يمكنه أن يجادل،أن ينقد، أن يسخر ويلذع. لكن لا يمكنه أن يعطي أي امتلاء. من نقطة استشراف غير سلبية، يمكنك أن تنال أي امتلاء تريده. إذن أزاح نيتشه ربه، وتاه في خلاصته. صار حراً ليجن فقط.
لم يكن فريدرتيش نيتشه الوحيد؛ لذا لا يمكن أن يقال أنها مصادفة. العديد من عمالقة الفكر وجدوا أنفسهم في مصحات للمجانين أو اقترفوا الانتحار؛ لأنه لا يمكن لاحد أن يحيا في ظلمة سلبية، يحتاج المرء إلى النور والإيجابية ، إلى تجربة موثوقة للحقيقة . نيتشه حجب النور وخلق فراغاً لنفسه وللذين اتبعوه. إذا كنت تشعر أنك في هوّة عميقة ،بخواء، ظلمة تامة ولا معنى؛ فذلك بسبب فريدرتيش نيتشه ، فلسفته نمت عميقاً في الغرب كله: نيتشه هو مؤسس هذا النهج السلبي في الحياة.

سورين كيركغارد ، جان بول سارتر، مارسيل، مارتن هايدغر، - جميعهم جهابذة الفكر في النصف الأول التالي لقرنه -كانوا يتحدثون عن اللامعنى،التفاهة،المعاناة، القلق،الجزع،الخوف،الاختناق.  وهذه الفلسفة عرفت بالغرب باسم -الوجودية-.لكنها ليست كذلك إنها ببساطة لا-وجودية. إنها تدمر أي شيء يواسيك.
أنا أتفق مع هذا الهدم لأن ما كان يواسي الإنسان مُجرد أكاذيب. الله،الجنة،النار،وكل الحكايات التي اُخترعت لتواسي الإنسان. من الجيد أنهم يهدمون ، لكنهم تركوا الإنسان في خواء كلي. من ذلك الخواء ولدت الوجودية؛ لهذا محور حديثها يدور حول اللامعنى. "ليس للحياة أي معنى". تتحدث عن اللاروعة، "أنت مجرد صدفة، سواء أكنت هنا أم لا؛ الوجود لا يهتم على الإطلاق". وهؤلاء الأشخاص يسمون فلسفتهم بالوجودية. يجدر بهم أن يسموها بــ "الصدفية" . أنت لا حاجة لك، أنت مجرد مصادفة ..على الهامش، ظهرت بطريقة ملعونة ما... الله كان يجعل منك عروسة، وهؤلاء الفلاسفة منذ نيتشه إلى جان-بول سارتر يجعلون منك مصادفة.!.

هناك حاجة كبيرة في أعماق الإنسان لأن يرتبط بالوجود،يحتاج إلى جذور تربطه بالوجود. لأنه فقط عندما يتجذر في الوجود سيزهر ويصير بوذا، سيتفتح بملاين الأزهار ، ستكون حياته أكثر من مجرد -لا معنى-. عندها ستتدفق حياته بالمعنى ، الأهمية،النعمة؛ ستكون حياته ببساطة-احتفالاً-.
لكن هناك خلاصات من أسموهم بالوجوديين ،حيث إن لا ضرورة لوجودك، وحياتك بلا قيمة، بلا روعة، - الوجود لا يحتاجك على الإطلاق-!.
لذا أنا أريد أن أتمم عمل نيتشه، إنه ليس بالكامل . أنه سيقود البشرية جمعاء إلى الجنون—ليس فريدريش نيتشه وحده فقط، إنما البشرية جمعاء. بدون الله أنت حر بكل تأكيد ، لكن لأجل ماذا؟ لقد تركت خالي الوفاض ، وقد كنت خالي اليدين من قبل أيضاً؛لأن الأيدي التي بدت ملأى ، كانت مملوءة بالأكاذيب. الآن أنت واع تماما بأن الأيدي خالية، وبأنه لا مكان للذهاب إليه.
سمعتُ عن مُلحد شهير جداً. لقد مات ، وجلبت زوجته أفضل ملابسه وأفضل أحذيته قبل أن يوضع في التابوت، أفضل ربطة عنق وأغلاهن. أرادت أن تعطيه تحية لائقة، وداعاً جيداً. لقد ألبسوه  كما لم يسبق له أن لبس في حياته كلها. وبعدها جاء الأصدقاء،وجاء الجيران. قالت امراة : "واو!.. إنه مُهندم ولامكان يذهب إليه، لقد كان مُلحدا؛ لذا لم يؤمن بالله ولم يؤمن  بالجنة..لم يكن يؤمن بالجحيم- لا مكان يذهب إليه ،وهو أنيق مُهندم!
لكن هذه الحالة هي الإرث الذي ستتركه أي فلسفة سلبية، ..مُهندم..جاهز للذهاب،لكن لامكان..! هذه الحالة تخلق الخَبل.!.
لم تكن مصادفة أن فريدرتيش نيتشه انتهى مجنوناً؛ كان ذلك نتاج فلسفته السلبية، من هنا أنا أذكرهذا التسلسل..-الله مات؛ إذن الزن هو الحقيقة الوحيدة التي لا تزال حية-.
أنا أتفق مع نيتشه تماماً،- بقدر ما هو الله مهموم-، لكني أريد أن أُتمم عبارته، الأمر الذي لم يقدر أن يفعله؛ لأنه لم يكن كائناً واعيا، لم يكن وجودا مستنيراً.

لم يكن عند غوتاما بوذا أي إله، ولا مهافيرا كان لديه إله، لكنهم لم يجنوا أبداً. كل مُعلمي الزن وحكماء التاوالعظماء-لاو تزو، تشوانغ تزي، ليي تزو،- لا أحد منهم جُن، وليس عندهم أي إله. ليس عندهم أية جنة أو نار. ما هوالفرق؟ لماذا لم يصب بوذا بالجنون؟
وليس غوتاما بوذا فقط ، في خمسة وعشرين بلدا مختلفة ، الآلاف من أتباعه أستناروا ، ولم يتحدثوا حتى عن الإله.  لم يقولوا حتى إنه لا إله؛ لأنه لا مغزى من هذا الكلام. هم ليسوا مُلحدين ، وأنا لست مُلحداً ولا مؤمناً. ببساطة الله غير موجود ؛ لذا لا مجال هناك للإيمان أو الإلحاد. لكني لست مجنوناً، وأنتم شهودي. وهذا لا يخلق أي خواء بداخلي، بل على العكس من ذلك، حين لم يكن أي إله، حصلت منزلتي كفرد حُر -حر ليكون بوذا-. هذا هوالهدف المطلق للحرية. إما أن تكون حريتك تفتحا عميقا للوعي، تقودك  إلى تجربة الحرية،  إلى الأبدية، تقتادك إلى الجذور، إلى الكون والوجود؛ أو أنك ستجن، وتكون حياتك بلا معنى، بلا أية روعة.

مهما يكن ما تفعله، لايهم. الوجود وفقاً لمن يسمون –بالوجوديين-، والذين يتبعون فريدرتيش نيتشه -المؤسس- ، يكون الوجود غبيا غباءً مُطلقاً. لقد أزاحوا الله جانباً، لذا اعتقدوا –وفقاً للمنطق- أنه يبدو واضحاً جداً-إذا لم يكن هنالك إله؛الوجود يصبح ميتاً هو أيضاً-.
 ..
 حديث صديقنا أوشو يطول، لكننا نتوقف هنا.


ترجمة/شيفا