الجمعة، 2 أكتوبر 2015

كيف أنقذ سيوران حياتي؟





كيف أنقذ سيوران حياتي؟ - رولان جاكار:


  • متشائمًا منذ طفولته، سرعان ما أُعجِب الكاتب رولان جاكار بسوداوية إميل سيوران، هذا المفكر الذي سمح له أن يكون أكثر سلاسة في عدميته. شهادة.


رولان جاكار
فريدغارد توما برفقة إميل سيوران


لم يكن الطفل الذي كنته يفهم كيف استطاع والداه إلقاءه في هذا الجحيم الذي هو العالَم. كنتُ أعاتبهم بشّكل لا واع. حتى في أوقات السلم والازدهار. ولكن في عام 1941... كان المراهق الذي كنته قد قرأ بوذا وشاركه تشاؤمه، ولم يكن يعرف أنّه سيقابل في وقتٍ لاحق تمثلاً جديدًا للبوذا: بوذا من الكاربات، ولم يتوقع أن هذا العدميّ الماكر سيصبح صديقه.
قبل أن أذهب لزيارته في منزله في 26 شارع الأوديون، كنتُ قد قرأت له كثيرًا وملأتُ جدران شقتي الصغيرة بشذراته اليائسة. كنتُ أحسب يأسه لاذعًا، وقد كان كذلك. جمع بين مثاليّة الأسلوب والسوداويّة التامة. لم تكنِ القضية أن تكون يائسًا، بل كيف تكون كذلك بأناقة، ألّا تقلّل من أهميّة التناقضات الداخليّة وأن تؤثِثَ بالفكاهة عنف الكلمة. لم يكنِ الشّكل الأدبيّ الذي كان يفضله، أيْ الشذرة، يسمح بأيّة هفوة، حتى أولئك الذين أبغضوه اعترفوا له بجدارته: نجاحه في تحويل الرومانيّ المشاغب والشاعريّ الذي كانه قبل وصوله إلى فرنسا، إلى حكيم يقبل شامفور، باسكال، أو لاروشفوكو أن يضموه لناديهم.
 كانتِ امرأة، سيسي، زوجة فرانسوا جوزيف إمبراطور النمسا وهنجاريا، وفيلسوف شاب انتحر بعمر الثالثة والعشرين: أوتو فايننغر، هما ما خلق صلة بيننا منذ البداية.  نقلتْ ليّ أمي، ابنة مدينة فيينا، شغفها بسيسي. ودفعتني عوائق الحياة الجامعيّة لتوطئة كتاب "جنس وشخصيّة" لأوتو فايننغر، أكبر مُؤلَّفٍ معادٍ للنساء والساميّة كُتبَ على الإطلاق. اكتشف فرويد العبقريّة لدى أوتو، واعتبره هيتلر اليهوديّ الوحيد الذي يستحق الحياة؛ إما سيوران فأعجب بانتحاره المبكر في معقل بيتهوفن – وبكلّ الانتحاراتِ التي تسبّب بها بمجرّد نشره لكتابه. لطالما فضل سيوران بوابًا مشنوقًا على شاعرٍ على قيد الحياة. كان يجذبه سحر الحالاتِ القصوى، وقد وجده عند فايننغر، الذي نال إعجاب 
فيتجنشتاين والإمبراطورة سيسي.

ما كان يجمع سيوران وسيسي هو هوسهما بالانتحار ورغبتهما بهجر العالَم. وفي ذلك الهجر لاقتْ سيسي حتفها؛ إذ طعنها الأناركيّ الإيطاليّ لويجي لوتشيني على رصيف مونت بلان في جنيف، والذي  كان قد أخطأ هدفه. كانت هذه النهاية العبثيّة والمُربكة تجذب سيوران الذي اعتبرها أكبر خدمة قُدِّمَتْ لسيسي.


الإمبراطورة سيسي


نعم، مثّلَتْ سيسي لسيوران التجسيد الحيّ للميلانخوليا. لقد كانتْ تُعّرِّفُ الميلانخوليا تعريفًا جميلاً بالمناسبة: "الميلانخوليا هي حملُ راية سؤال "ما الجدوى؟". إنّها  الشّعور بانتصار المحتوم كلحن دون توقف، كنغمة أساسية للحياة". كان حين يشعر باقتراب الاكتئاب، يخلد للنوم على إيقاعات الفادو. نصحني بأن أفعل ذلك أيضًا، بينما كان يكفيني فرانسواز هاردي. 
نحن مخطئون، رغم كلّ ما سبق، إن تخيلنا سيوران حزينًا أو ساخطًا. حتى في نهاية حياته، حين كان يتظاهر بأنّه لا يزال حيًّا -بتعبير سيوران نفسه-، كان مستعدًا للضحك على كلّ شيءٍ، أو تقريبًا كلّ شيء. أتذكر بهذا الخصوص أنّه أظهر مزاجًا سيئًا مرّتين فقط. المرّة الأولى كانتْ حين عرَّفتُهُ على فيلسوف كانتْ زوجته الشابة حبلى؛ إذ كان يرى أن امتناع المرأة عن الإجهاض دليل على انعدام الإحساس لديها. المرّة الثانية  كانتْ حين طلب منه صديق جامعيّ أن يوقع له إهداءً على كتبه؛ إذ رفض قائلاً إنّ هذه كلّها -في إشارة لكتبه- ليستْ سوى تُرَّاهات. لقد رفض تمامًا أن يُؤخذ على محمَل الجدّ.
 كانتِ العشاءات التي ينظمها بشكل دوري في منزله باذخة، ولكنّه كان يرفض الأكل. نظامه الغذائيّ كان صارمًا: خضار مطهوة على البخار وفواكه مطبوخة بالسُّكَّر. ولكنّه كان يستمتع برؤية أصدقائه يعجبون بأطباقه. فرانسوا بوت، غابرييل ماتزنيف، ليندا لي وديما إيدي هم ضيوفه المفضلون. شكّلنا حول من سميناه "أستاذنا الرائع من دييب" حرسًا مقربًا. لماذا من دييب؟ لأنّه كان يحب قضاء العطلة في كوخه هناك. وعلى الرغم من الطوابق السِتْ التي كان عليه أن يصعدها عدّة مرّات في اليوم ليصل شقته الصغيرة في شارع الأوديون، لم نكن نخشى عليه من شيء. فبالرغم من قامته القصيرة، كانتْ حيويّته استثنائيّة. وكنا غالبًا ما نتركه حوالي الساعة الثانية، أكثر تعبًا ممّا كان هو عليه.
كان يبدي اهتمامًا شديدًا لأصدقائه، وكان حاضرًا دائمًا ليحضر لهم الدواء والفواكه عند أقلّ ألم. على أيّة حال، ما كان يزعجه هو قضائي أنا وماتزنيف أيامًا كاملة في مسبح ديليني تحت شمس حارقة حيث كنا نتواجه في تنس الطاولة. بينما هو كان يفضل الجولاتِ الليليّة حول حديقة اللكسمبورغ. اعترافات، ثرثرة باريسيّة، تقويض مفكرين معاصرين، كل هذا يتم بفكاهية وحس دعابة لم أخبر لهما مثيلاّ إلّا عند ندرة من الكتاب والفنانين، باستثناء رولان توبور وكيلمون روسي، وهما كاتبان كان يحبهما سيوران أيضًا، كما كان يتمرّن على الفن الأصيل من فيينا "لبرودلن"، أيْ أنّه يلعب دور الأبله بذكاء.
دفعه ذوقه الميال للقيامة لامتداح هتلر في شبابه. قبل وفاته بقليل، قام طلبة جامعيون بنشر نصوص تفوح بقوميّة مقيتة أخفاها بحرص شديد. كنتُ متفاجئًا ومحبطًا منها في آن. إذن حتى هو خضع للجنون الذي اجتاح أوروبا في الثلاثينيات. حضرتُ جنازته على مضض تقريبًا، الرسمياتُ التي تتوالى، الصلواتُ الأرثودوكسيّة، غثاثة التكريمات، هذا كلّه أشعرني بالدوار. أين ذهب سيوران الذي عرفته؟ لقد تطلب مني الأمر عدّة سنواتٍ لأجده من جديد. ساعدتني امرأة على ذلك، اسمها فريدغارد توما وكانتْ على علاقة به. وهكذا إذن، حتى سيوران كانتْ له حياتان. كم هذا مريح! ألفتُ كتابًا عما أدين له به، سميّته "سيوران والرفقة" عام 2005. ووضعتُ عنوانًا لهذا البورتريه "كيف أنقذ سيوران حياتي؟" وهو عنوان يشدك مع أنّه تافه. وهكذا، سيوران لم ينقذ حياتي. حيث إنّه لو كان فعلها لاعتبرها فَعلة مشينة. وأنا أيضًا كنتُ لأعتبرها كذلك. ساعدني سيوران على أن أكون أكثر سلاسة في عدميّتي وأكثر حقيقيّة في علاقتي بالآخر. ذلك يستحق أن أكتب له هذا التكريم. أليس كذلك؟




ترجمة: Achraf Nihilista



_____________________________________________________

هوامش المترجم:
  1. الكاربات - Carpates: سلسلة جبلية تتواجد بها مدينة سيبيو حيث وُلد و ترعرع إميل سيوران.
  2. شامفور - Nicolas chamfort: كاتب فرنسيّ منتحِر، عاش في القرن الثامن عشر.
  3. باسكال - Blaise Pascal: فيلسوف ورياضيّ و فيزيائيّ فرنسيّ، كان سيوران من أشد المعجبين بكتاباته.
  4. لاروشفوكو - François de La Rochefoucauld: مفكر وكاتب فرنسيّ اشتهر بكتابه Maximes، يكتب بنفس أسلوب سيوران، أيْ الشذرة.
  5. سيسي - Elisabeth en Bavière: إمبراطورة النمسا وهنغاريا، معروفة باسم Sissi.
  6. أوتو فايننغر - Otto Weininger: كاتب نمسويّ انتحر في سنّ الـ 23.
  7. دييب - Dieppe: من المناطق المفضلة لسيوران في فرنسا.
  8. للتعرف على باقي الأعلام المرجو الضغط على أسمائهم: فيتجنشتاين - فرانسوا بوت - غابرييل ماتزنيف - ليندا لي.