الأحد، 23 نوفمبر، 2014

مقتطفات من ألبير كاراكو




مقتطفات من ألبير كاراكو Albert Caraco: 



caraco
آلبير كاراكو







أُغلقَ العالمُ منْ جديد، عادَ كما كانَ قبلَ الاكتشافاتِ الكبرى، يميّزُ عامُ 1914 الانطلاقةَ الثانيةَ للعصورِ الوسطى و نعودُ إلى ما دعاهُ الغنوصيون بسجنِ الروحِ في العالمِ المنتهي الذي لنْ نخرجَ منه أبدًا.
من هذا التفاؤلِ الذي اكتسحَ عددا هائلاً من الأروبيين طوالَ أربعةِ قرون، دخلتِ النكبةُ التاريخ، فنتسائلُ فجأةً إلى أين نتّجه؟ و نتسائلُ أيضًا عنْ سببِ ما يحدثُ لنا. ثقةُ آبائنا في تقدمٍ إنسانيٍ بلا حدودٍ تمَّ اغتيالها: ندورُ في دائرةٍ و لا نستطيعُ حتى تصوّرَ ما صنعتهُ أيدينا.
هذا يعني أنّ أعمالنا قد تجاوزتنا، و أنَّ العالمَ الذي صنعهُ الإنسان، يتجاوزُ مرةً أخرى فهمه. مهما بنينا أكثرَ في ظلِّ الموت، يظلُّ الموتُ وريثًا لكلِّ منجزاتنا العظيمةِ و كلّما اقتربتْ ساعةُ الاحتضارِ نتجرّدُ أكثرَ منْ عاداتنا كما منْ ملابسنا، نحنُ نغادرُ عراة، لكي تتمَّ محاكمتنا، عراةً منِ الخارجِ و فارغينَ منَ الداخل، الهاويةُ أسفلنا و الفوضى أعلانا.



***



المدنُ التي نسكنها هي مدارسُ الموت، لأنّها غيرُ إنسانية. صارتْ كلُّ واحدةٍ منها مجمّعَ ضجيجٍ و نتانة، أصبحتْ كلٌّ منها فوضى مباني نحتشدُ فيها بالملايين، خاسرينَ بهذا مقوماتِ الحياة.
نجدُ أنفسنا تعساءَ بلا أملٍ داخلَ هذهِ المتاهةِ منَ العبثِ التي لا نخرجُ منها إلا أمواتًا، لأنَّ مصيرنا هو مضاعفةُ الهالكينَ مضاعفةً لا نهائيّة. في كلَّ مرّةٍ تتقدّمُ المدنُ الواحدة تلو الأخرى، تائقةً للاندماج، نحوَ فوضى مطلقة، منَ الضجيجِ و النتانة. في كلِّ مرةٍ ترتفع أثمانُ الأراضي، و في هذا التيهِ المعقّدِ الذي يبدّدُ الفضاءَ الحر، ترتفع عائداتُ الاستثمارِ يومًا بعدَ يوم. لأنّهُ منَ الأهميّةِ بمكانٍ للمالِ أنْ يشتغل، و للمدنِ التي نسكنها أنْ تتقدّم. و يبقى أيضًا مشروعًا لكلِّ جيلً أنْ يضاعفَ ارتفاعَ مبانيه، و أنْ يصلهُ الماءُ فيها مرّةً كلَّ يومين... البنّائونَ لا يسعَوْنَ إلا للتملصِ منْ قدرهم، و الرحيلَ للعيشِ في القرية.



***



" يموتُ كلٌ منا وحيدًا و كاملاً"، حقيقتانِ ترفضهما الأغلبية؛ لأنّ الأغلبيةَ تناُم كلَّ الوقتِ الذي تحياهُ وتخشى أنْ تستيقظَ لحظةَ الهلاك.
العزلةُ هي إحدى مدارسِ الموتِ التي لنْ يصلها العاميُّ أبدًا، الكمالُ لا يكونُ خارجها، بل هو أحدُ جوائزِ العزلة. و إذا كانَ لابدَّ منْ تقسيمِ البشر، فهم ينقسمونَ إلى ثلاتِ أنواع : المسرنمون (1)، وهم وحدة؛ و العقلاءُ و الحساسونَ وحدةٌ أخرى، إنهم أولئك الذين يعيشونَ حياتهم على جبهتين، و الذين -رغم علمهم بما ينقصهم- يبحثونَ عمَّا هو بعيدُ المنالِ و لنْ يجدوهُ أبدًا؛ ثم الروحانيون ثنائيو الولادة، الذين يتجهونَ نحوَ الموتِ بخطواتٍ متساوية، ليموتوا في نفسِ الوقتِ وحيدينَ و كاملين. لا يختارونَ الزمانَ ولا المكانَ و لا الطريقة، معلنينَ بذلك رفضهم للطوارئِ و الإحتمالات.
إن المسرنمين همُ الوثنيون، العاقلونَ و الحساسونَ هم المؤمنون؛ أما الروحانيون ثنائيو الولادة، فهم يعشقونَ ما لا يقدر على تخيّلهِ الأوائل، و ما لنْ يستطيعَ تصوّرهُ العاقلاء الحساسون، إنّهم بشرٌ كاملونَ و هكذا لن يذهبوا بحثًا عمَّا وجدوه، بل و لنْ يحبوه، لأنهُ يكمنُ بداخلهم.

(1) المسرنم هو من يسير أثناء نومه


***



نتّجهُ صوبَ الموتِ كسهم يتّجهُ إلى هدفٍ لا يضيّعهُ أبدًا، الموتُ هو يقيننا الوحيدُ و نعلمُ دائمًا بأنّنا سنموتُ مهما اختلفَ الزمانُ و المكان و الطريقة. لأنَّ الحياةَ الأبديةَ مرادفةٌ لللامعنى، الأبديةُ نقيضُ الحياة، الموتُ هو الطمأنينةُ المنشودة، الحياةُ و الموت ُمترابطان، و من يطلب شيئًا آخرُ لنْ ينالَ إلا السرابَ جزاءً.
نحنُ، منْ لا نشتري الكلمات، نوافقُ على أنْ نضمحلَّ و نؤكّدُ موافقتنا، لم نخترْ أنْ نولدَ و نتوقّعُ أن نكونَ سعداءَ بأنْ لا نحيا في أيِّ مكانٍ آخرَ في هذهِ الحياةِ التي فرضتْ علينا أكثرَ مما أعطتنا، حياةٌ مليئةٌ بالقلقٍ و الآلام، بأفراحٍٍ إمّا مريبةٍ أو سيئة.
إنسانٌ سعيد؟ ماذا عسى هذا أن يثبت؟ السعادةُ حالةٌ شاذةٌ و نحنُ لا ننظرُ إلا في مجملِ قوانينِ هذا النوع، هي التي نتأملُ و هي التي نُعمِّق . نحنُ نكرُه أيًا ممنْ يبحثونَ عنِ المعجزة، و لا نتوقُ إلى النعيم. بديهياتنا تكفينا وسطوعنا لا يخمدُ في أيِّ مكانٍ آخر.



***



حرٌ هو الإنسانُ وفي الوقتِ نفسهِ مقيّد، أكثرُ حريّةً مما يتصور، و أكثرُ تقييدًا مما يتخيّل. يفرضُ النظامُ أنْ لا تستيقظَ أبدًا جماعةُ الأمواتِ المكوّنةِ أساسًا منْ مسرنمين، لأنّهم يصيرونَ صعابَ المراسِ حينَ يستيقظون. ليس النظامُ صديقًا للإنسان، إذْ يكمنُ دورهُ في حكمه، و قلّما يهدفُ إلى جعله يلين، و نادرًا ما يهدف إلى جعله أكثرَ إنسانيةً.
يجعلُ اعتبارُ النظامِ معصومًا منِ الأخطاءِ الحربَ سبيلاً لتصحيحِ أخطاءه، و كلما ازدادت أخطاءُ النظامِ أكثرَ فاكثر، اتجهنا نحو الحرب أكثر. المستقبلُ و الحربُ يبدوان متلازمين. وهكذا فإنَّ اليقينَ الوحيدَ -الموت- هو في كلمةً واحدة، المعنى لكلِّ الأشياء، و الإنسان هو شيءٌ أمامَ الموت، و الشعوبُ أيضًا ستصير شيئًا مثلَ الإنسان، كانَ التاريخُ دائمًا شغفًا، و مجموع ضحاياه، أيْ العالم الذي نعيش به، هو الجحيمُ المحكومُ بالعدم، حيثُ يرفضُ الإنسان معرفةَ نفسهِ مفضلاً التضحيةَ بها على ذلك، التضحيةَ بنفسهِ كما تفعُل العديدُ منَ الأنواعِ الحيوانيّةِ الأخرى، يفضّلُ التضحيةَ بنفسهِ مثل سربِ جرادٍ أو جيشِ جرذان، متخيّلاً أنَّ الهلاكَ يرفعُ قدره، وراغبًا أنْ يهلك معهُ رغبةً هائلة ، دونَ وعي، عالمهُ الذي يعيشُ فيه.




ترجمة و إعداد : Achraf Nihilista

الاثنين، 3 نوفمبر، 2014

بخصوص ترجمة كتاب مساوئ أن يكون المرء قد ولد/ De l'inconvénient d'être né




مساوئ أن يكون المرء قد ولد:


 / مساوئ أن يكون المرء قد ولدDe l'inconvénient d'être né

كتابٌ شارفتْ ترجمته على الانتهاء وسيكون متاحًا للقراءة كاملا قريبا جدا.














في كتابه هذا: مساوئ أن يكون المرء قد ولد، يؤكد سيوران على أن الولادة هي الهزيمة الأكبر للإنسان، وأن كل مساعيه للتألق وتحصيل المعرفة هي محاولات لترقيع لتلك الهزيمة التي لا تُرقع، عدا عن تأكيده أن ذلك الإنسان القديم البليد والنذل الأبله لا يزال يقيم بقوة داخل الإنسان الحديث.وبم أن المصير المؤكد الذي جلبته الولادة هو الموت والاختفاء؛ فإنه يدعو الإنسانية إلى تشييد معابد للموت كما شيدت معابدا  للحياة والآلهة و جعل المقابر وجهتها الروحية. يدعونا سيوران إلى الإقرار بالهزيمة الشخصية وبفشل المغامرة الإنسانية ككل،إذ قد نجد في ذلك الإقرار بعض السكينة في عالم لا خلاص فيه. يكاد "نبي الأرق ورسول العدم" يدعونا بعد تعريضه بكل الآباء والمنجبين وبكل أفكار الخلاص والهوس الجنسي إلى"إخصاء الإنسانية". إلى أين نحن ذاهبون؟ أنتم لا تعدون اتجاه الموت إنكم تفرون من فاجعة الولادة..وإننا نخطئ حين نظن أنه لا نفع يرجى من الموت ونرتد بذلك إلى هاوية الولادة الأشد سحقًا وغورًا : هكذا يجيبنا سيوران بعد تنقيبه في لا وعيه ولا وعينا. بل إن الانحطاط البشري يقاس عنده بمقدار اختفاء الشعوب و القبائل التي تقيم الحداد والمأتم عند الولادة.  لا يخفي سيوران إعجابه بالعقائد الغنوصية والمانوية والبوغولومية..إلخ  كل تلك العقائد "بعيدة النظر" التي تجرم الولادة وتضع هذا العالم تحت سلطة الشيطان.. لم ينس بوذا بالطبع، لكن حسه الساخر أو إحساسه الخارق بالخيبة كما يسميه جعلا من محاولة اتباع خطاه أو خطى أي حكيم آخر غير ممكنة بل حتى هزلية. مهما يكن مقدار السوداوية الظاهر في هذا الكتاب؛ فإن القارئ بعد إنهائه يشعر بصفاء روحي وشيء من الإشراق. هذا الكتاب هو مجموع تجارب وجودية ميتافيزقية شكوكية صوفية دينية هرطوقية حادة فكاهية و سوداوية. نهاية لا بد من الإشارة إلى أن سيوران ذكر في إحدى مقابلاته أنه إذا كان عليه أن يتمسك بشيء كتبه فهو سيتمسك بالصفحات السبع الأخيرة من السقوط من الزمن وكتاب مساؤئ أن يكون المرء قد ولد، سيتمسك بكل كلمة فيه.  




شذرات من الكتاب



الثالثةُ بعدَ منتصفِ الليل. أرصدُ عبورَ هذهِ الثانية، ثمَّ التي بعدها، ثمَّ التي تليها: أُعِدُ ميزانيةً لكلِّ دقيقة. ولمَ كلُّ هذا؟ لأنني ولدت. الطعنُ في معنى الولادةِ مصدرهُ أرقٌ منْ نوعٍ خاص.

***


نحنُ لا نعدو باتجاهِ الموت، نحنُ نهربُ منْ فاجعةِ الولادة، إننا مجموعةُ هاربينَ متعاركينَ نحاولُ نسيانَ تلكَ المأساة. ليسَ الخوفُ منَ الموتِ سوى إسقاطٍ لخوفٍ يعودُ للحظتنا الأولى على المستقبل.
يرعبنا –بالتأكيد- التفكيرُ في الولادةِ ككارثة إذ لقنونا أن الولادةَ أمرٌ جيد، و أنَ الأسوأَ موجودٌ في نهايةِ مسارنا و ليسَ في بدايته. السوءُ في الحقيقة موجودُ خلفنا لا أمامنا. هذا ما فاتَ المسيح و ما أدركه بوذا : "لو لم توجدْ هذِه الثلات، أيها المريدون، ما كان للعظيمِ أن يظهرَ في العالم. " و قبلَ الشيخوخةِ و الوفاة، كاَن يَعُدُ الولادةَ مصدرًا لكلِّ العللِ و الكوارث.

***

لا أغفرُ لنفسي أنني ولدت. كما لو أنني بانسلالي إلى هذا العالمِ قد انتهكتُ سرًا، حنثتُ عهدًا مقدسًا، ارتكبتُ خطأً لا حدودَ لفداحته. ومع ذلك في مِزاجٍ أقل حدة، تبدو لي الولادةُ فاجعةً كنتُ سأكونً تعيسًا بعدمِ معرفتها.


***


أنْ لا تولد، مجردُ التفكيرِ في ذلك- يالهُ منْ سعادة، يا لهُ منْ حرية، يا لها منْ مساحة!


***


"على قيدِ الحياة" فجاةً أجدُني مصدومًا بغرابةِ تعبيرٍ كهذا، كما لو أنهُ لا ينطبقُ على أحد.


***

أيامٌ يسودها العقم. بدَل أنْ أبتهجَ بها، أنْ أعلنَ الانتصار، أنْ أحوِلَ جفافي إلى عيد، أنْ أراها شاهدًا على نضجي، أتركُ غيظي وسوء مزاجي يجتاحانني، يا لعنادِ الإنسانِِ القديم المقيمِ داخلنا، الوغدِ المضطرب، العاجز عن إزالةِ نفسه.


***


لقد أفرطتُ في استخدامِ كلمة" اشمئزاز". لكن من سواها تسعفني في الإشارةِ إلى حالةٍ لا ينفكُ فيها الإعياءُ عنْ إزاحةِ الغيظ، والغيظُ عنْ إزاحة الإعياء؟


***



أستمعُ إلى ريبورتاج حالةِ الطقس، تعتريني رغبةٌ في الترنمِ مع الكلمات" أمطارٌ متناثرة". ما يثبتُ قطعًا أنَّ الشِعرَ في دواخلنا وليسَ في التعبير، كأنَ "متناثرة" صفةٌ قادرةٌ احداثِ ذبذباتٍ خاصة.  

***


"لا يستطيعُ المرءُ أنْ يعيشَ بلا دوافع"، لم تتبقَ لديَّ أيّةُ دوافع، ولا زلتُ أعيشُ مع ذلك.

***

 ليسَ الموتُ حدثًا دونَ جدوى تمامًا. بفضلِه قد يكونُ بوسعنا استعادةُ الفضاءِ السابقِ للولادة، فضائنا الوحيد...

***

في بحثهِ عنِ " الانبعاثِ الروحي"، يسافرُ غوغول إلى الناصرة ويكتشفُ أنهُ سئمٌ كما كانَ في " سكة الحديد الروسية" –هذا ما يحدثُ لنا جميعًا حينَ نبحثُ خارجَ أنفسنا عمّا هو موجودٌ في الداخلِ فقط.

***

الموتُ هديةُ السماءِ لأولئكَ الذينَ سيمتلكونَ موهبةَ وذوقَ الإخفاق- جائزةُ كلِّ اللذينَ لم يفعلوا شيئًا، والذين لم يرغبوا في فعلِ شيء... إنهُ يشرعهم، إنهُ أسلوبهم في الظفر. وفي المقابل، للآخرين، لأولئكَ الذين كدحوا في سبيلِ النجاح، والذين حققوه: يا لهُ منْ جحود، يا له منْ صفعةٍ.





ترجمة : Shiva Okleh و Achraf Nihilista

الأربعاء، 29 أكتوبر، 2014

التفكير ضد الذات - نص من كتاب سيوران "غواية الوجود".



التفكير ضد الذات - نص من كتاب سيوران "غواية الوجود" :










نحنُ مدينونَ بجُلِ اكتشافاتنا إلى قسوتنا و تفاقمِ اختلالِ توازننا. حتى الله، بكامل فتنته، لا نتصوره إلا في الحدودِ البعيدةِ للغضبِ الذي ينتابنا، في النقطةِ نفسها حيثُ تتصادمُ نوبةُ غضبنا بغضبه. يحيرهُ هذا اللقاء أكثرَ مما يحيرنا.
مصابًا باللعنةِ المصاحبةِ للأفعال، لا يتجاوزُ الطاغيةُ نفسهُ إلا للعودةِ إليها ساخطًا، معتديًا، متبوعًا بأعمالهِ التي تأتي لمعاقبتهِ على القيام بها. لا يوجدُ عملٌ لا يطغى على صاحبه: تزيحُ القصيدةُ الشاعر، كذا تفعلُ النظريةُ بالفيلسوف، و يفعلُ الحدثُ برجلِ الأعمال. يدَّمَرُ أيُّ شخصٍ ذاتيًا بمجردِ استجابتهِ لنداءِ موهبتهِ تاركًا بذلك أثرًا في التاريخ؛ و ينجو فقط من يضحي بكلِّ مواهبهِ و قدراته، متخلصًا من ميزتهِ كإنسان، لكي يتمكنَ من التجولِ في الكينونة. إذا كنتُ أتوقُ لمستقبلٍ واعدٍ ميتافيزيقيًا، يجبُ عليَّ أن أتخلصَ من هويتي بأيِّ ثمن: أيُّ شيءٍ يتبقى مهما كان صغيرا، عليَّ التخلصُ منه. و لو أنني على العكسِ من ذلك كنتُ أرغبُ في دور تاريخي، كانت مهمتي ستكون هي تعزيزُ مميزاتي، لا بل و إظهارها لأتألقَ معها. نموتُ دائمًا بالدورِ الذي نختاره: أن تختارَ اسمًا يعني أن تختارَ نمطًا محددًا لانهيارك.

وفيًا لمظهره، لا شيءَ يحبطُ الطاغية، يعيدُ المحاولةَ و يستميتُ بها، إذ لا يمكنهُ حرمانُ نفسهِ مِنَ المعاناة. هل يطمحُ لفقدانِ الآخرين؟ إنهُ المسارُ الذي يتخذهُ ليعززَ فقدانهُ لنفسه. خلفَ وثوقيتهِ و تبجحهِ يستترُ مولعٌ بالخيبات. هكذا نجدُ من بينِ الطواغيتِ أناسًا هم أعداءٌ لأنفسهم. كلُّنا طواغيت و مسعورون، لم يبقَ لنا ملجأٌ سوى في أسرارِ التفككِ بعد أن أضعنا مفاتيحَ التصوف.

بدلَ أن نجعلَ الزمنَ يطحننا ببطء، اعتقدنا إنهُ منَ الأفضلِ أن نطعمهُ بأن نضيفَ للحظاتهِ لحظاتنا. هذا الزمنُ الحديث المطعمِ بالقديم، هذا الزمنُ المتحققُ سيُظهِرُ مع الوقتِ خبثه : سيصيرُ تاريخًا، وحشًا روضناهُ نحنُ ضدنا، قدرٌ لا مفرَ منه، يضطرنا اللجوءَ إلى صيغٍ السلبية، إلى وصفاتِ الحكمة.
نجربُ علاجاتٍ للاجدوى؛ نتفكر بالآباءِ الطاويين، بعقيدتهم في الهجر، بسيادةِ الغيابِ لديهم؛ نتتبعُ على خطاهم مسيرةَ الوعي حينَ يتوقفُ عن أن يكونَ على وفاقٍ مع العالمِ و حينَ يتجسدُ في الأشياء، كالماء، أشياءُ لها مكانةٌ لدى الطاويين. سنحاولُ الوصولَ لهذهِ المرحلة، و لن نتمكنَ منها أبدًا. إنهم يصادرونَ فضولنا و تعطشنا للألم؛ ما  يفرقهم عن الصوفيةِ و بالضبطِ عن أولئكَ الذينَ مِنَ العصورِ الوسطى، أنهم يملكونَ جرأةَ تحديثنا عن فضائلِ كيس الشعر، جلد القنفذ، الأرق، الجوع و الأنين.

"الحياةُ الكثيفةُ هيَ ضدَ الطاو" هكذا يعلمُ لاو تسي، أكثرُ الرجالِ طبيعية. لكن فيروس المسيحية متفشٍ فينا : بتكرارِ تعذيبِ أنفسنا فقط يمكنُ أن نعي ذاتنا. هل يهوي الدينُ في مستنقع؟ نحنُ نحتفظ ُمنهُ بإسرافاته، كما نحتفظُ بما يبقى بعدَ النقع، و نحتفظُ بصراخِ الخلايا، رغبتنا في المعاناة تعادلُ رغبةَ الزهورِ في التألق وقتَ إزهارها. إذا لم يكفِ الكنيسةَ احتكارها للجحيم، فسرعانَ ما ستجدنا ننفكُ من سلسلةِ الصراخِ حيثُ تثبتنا، من عبادةِ القسوة، مِنَ الفرحة المهتزةِ و التعاسةِ المُبهِجة.
الروح، كما الجسد تمامًا، تدفعُ ثمنَ الحياةِ الكثيفة. أسيادُ فنِّ التفكيِر ضدَ الذات، نيتشه، بودلير و دوستويفسكي، علمونا أن نراهنَ على عذاباتنا، أن نوسعَ دائرةَ آلامنا، أن ننالَ بعضَ الوجودِ عبرَ انقسامٍ داخليّ في كينونتنا، و ما يشكلُ في أعينِ ذلكَ العجوز الصيني  علامةَ انحطاط، تمرينَ نقص، يشكلُ لنا نحنُ الطريقةََ الوحيدةَ لامتلاكِ ذاتنا، لإمكانيةِ التواصلِ معها.
 "فليستقر حبُّ الإنسانِ على لا شيء، و سيصيُر بمنأى عن أيِّ خطر." - تشوانغ تسو. حكمةٌ عميقةٌ دونَ أيِّ فعالية. كيفَ يمكنُ الوصولُ لأوجِ اللامبالاة، متى تصيرُ حتى لا اكتراثيتنا توترًا، عراكًا و عدوانًا؟ لا يوجدُ حكيمٌ واحدٌ بين سلفنا، إنهم فقط مجموعةُ جوعى، ضعيفي الإرادة و حمقى يجبُ علينا مضاعفةُ خيباتهم و انهزاماتهم.
حسبَ هؤلاءِ الصينيين، الروحُ المنفكةُ وحدها يمكنُ أن تصلَ جوهرَ الطاو؛ و لن ينالَ مريدُ الطاويةِ إلا النتائج : النزولُ للأعماقِ يتطلبُ الصمت، توقفَ كلِّ تحركاتنا و تقريبًا كلِّ مميزاتنا. و لكن أليسَ واضحًا أن توقنا للمطلق يترجمُ في شكلِ تحركاتٍ و معارك، حتى إن كيركيغارد كان يسمى "فارس العقيدة"، و إن باسكال ليس شيئًا آخرَ غيرَ كونهِ كاتب؟ نهاجمُ و نناقش، هذا يجعلنا لا نعرفُ إلا نتائجَ الطاو. إفلاسُ التصوف، النمطُ الأوروبي للطاوية، يعرفنا كثيرًا بحدودنا و آفاقنا.
تعلمُ السلبية - لا أرى شكلاً أكثرَ من هذا معاداةً لعاداتنا. (الحقبةُ الحديثةُ انطلقتْ بشخصينِ هستيريين : لوثر و الدون كيشوت.) إذا كنا ننتجُ الزمن، فذلك خوفًا من هيمنةِ الجوهرِ و الخضوعِ الروحي الذي يفرضه. الطاوية كما تبدو لي هي أولُ و آخرُ كلمةٍ في الحكمة : أنا أقاومها مع ذلك، حواسي ترفضها، كما ترفضُ الخضوعَ لأيِّ شيءٍ كان، طالما كانَ بضغطٍ من وراثتنا للتمرد. آلامنا؟ مصدرها سنينٌ من مراقبةِ الزمن، من تأليهِ القادم. سنتجاوزها بمرجعنا إلى الصين أم إلى الهند؟

توجدُ أشكالُ حكمةٍ و انعتاقٍ لا يمكننا فهمُ عمقها، و لا تحويلها إلى عاداتٍ يومية، و لا حتى حصرها في نظرية. الانعتاق، إذا كنا نطمحُ إليه فعلاً، عليه أن ينطلقَ منا: لا يجبُ البحثُ عنهُ خارجَ أنفسنا، لا في نظامٍ متكاملٍ و لا في عقائدَ شرقية. و مع ذلك فإن هذا ما يحدثُ فعليًا لدى العديدِ مِنَ الأرواحِ الطامعةِ في المطلق. لكن حكمةَ هذهِ الأرواح مزيفة، و انعتاقها يشكلُ خدعة. أنا لا أجرمُ الصوفيةَ و مريديها فقط، و إنما كلَّ من ينتصرُ لحقائقَ مخالفةٍ لطبيعته. يوجدُ كثيرونَ في الهند ممن يعتقدونَ بانكشافِ الأسرار، في حين لا شيء يساعدهم على هذا، لا طبائعهم، و لا تكوينهم و لا حتى مخاوفهم. كم عددُ الذينَ آمنوا بانعتاقٍ مزورٍ يتفرجُ علينا من أعلى سلامهم. ألا يرونَ أنهم يضعونَ أنفسهم أعلى أفعالهم؟ تمويهٌ لا يطاق. إنهم يعتقدونَ أنفسهم أعلى لدرجةِ أن كلَّ أشكالِ الدينِ التقليدي تبدو لهم وراثةً عائلية، و أن مريدي هذهِ الأديانِ لن يتمكنوا من إشباعِ أرواحهم. أن يحتجَ الطاويون على الهند، هذا بلا شك أفضل، لكنهم ينسونَ أنها تدعمُ توافقَ الفكرِ و الحركة، هُويةَ السلامِ و الاستنكار. حينَ نملكُ عقلاً ميتافيزيقيًا، تغد و التفاهةُ أمرًا لا يستحقُ الاهتمام.



بعدَ كثيرٍ مِنَ الزيفِ و الدجل، ملاحظةُ متسولٍ تبدو لي عملاً مريحا. هو على الأقل لا يكذبُ على الآخرين و لا يكذبُ على نفسه: إنه أكثرُ من يجسدُ عقيدته – إن كانتْ له عقيدة؛ إنه لا يحبُ العمل، و هو يؤكد هذا؛ كما لا يحبُ امتلاكَ أيِّ شيء، إنهُ ينمي عجزهُ – شرطَ حريته. يتجسدُ فكرهُ في كينونته و كينونتهُ تمثلُ فكره. ينقصهُ كلُّ شيء، إنهُ يستمرُ ممثلاً ذاته: أن يحيا حتى الأبدية، لا يعني له أكثر من أن يعيشَ كلَّ يومٍ بيومه. و بالنسبة له أيضًا الآخرونَ مسجونونَ في الأوهام. حتى و إن كان مصيرهُ مرتبطًا بالآخرين، إلا أنه ينتقمُ منهم بدراستهم، و خصوصًا أنهُ ينغمسُ أسفلَ المشاعرِ "النبيلة". كسلهُ يشكلُ ميزةً نادرةً جدًا، تجعلُ منهُ "متحررًا" ضالاً في عالمٍ مِنَ السُذجِ المغفلين. إنهُ يعرفُ عَنِ الاستسلامِ أكثرَ مما تعرفُ معظمُ كتبنا الانتقائية. حتى تقتنعوا بكلِّ هذا، ما عليكم سوى الخروجِ للشارع... لا، أنتم تفضلونَ النصوصَ التي تمجدُ التسول. لا نتائجَ عملية تصاحبُ تأملاتكم، و لن يثيرَ استعجابنا أن آخرَ المشردين هو أفضل منكم. هل يمكننا تصورُ بوذا وفيًا لحقائقهِ و أصوله؟ لا يمكننا أن نكونَ مولودينَ مرتين وأصحابَ مهنة . أن أتجندَ ضدَ تعميمِ الكذب، ضدَ أولئكَ الذينَ يظهرونَ سلامهم المزعومَ و يدعمونهُ بعقائدٍ لا تنبعُ من أعماقهم. أن أزيلَ عنهم أقنعتهم، أن أنزلهم من أبراجهم التي ارتفعوا إليها، أن أضعهم على عمودِ التشهير، إنها حملةٌ لا يجبُ على أحدٍ تجاهلها. لأنهُ يجبُ منعُ من يملكون إيمانًا راسخًا من العيشِ و الموتِ بسلام.


من:  La Tentation d'exister


ترجمة : Achraf Nihilista

الخميس، 16 أكتوبر، 2014

الانتحار في دفاتر إميل سيوران -2-








الانتحار في دفاتر إميل سيوران 

Cahiers: 1957-1972



الجزء الثاني و الأخير



أولُ شَذرة في هذا الجُزء الأَخير كُتِبت بِتاريخ -13 يناير 1968- أي بعَد أزْيَد من 8 سنوات من كتابةِ أول شَذرةٍ في الُجزء الأول (كُتِبت بِتاريخ -2 غشت 1957-)، و الشذرات كما جرت العَادة مُرتّبة زمنياً من الأقدم للأحدث.
تَقسيم الأجزاءِ لَم يَتِم إِلاّ لِكَثرةِ الفقرات التي تَحَدَّثَ فيها إميل سيوران عن الانتحار، و هو اختيار المترجم و ليس اختيار سيوران أَو ما شابه. و مَع ذَلك نُلاحِظ نُضجَ فِكرة الانتحار أكثرَ في هذا الجزءِ الثاني.


ملحوظة : من أجل الوصول للجزء الأول اضغط هنا

اميل سيوران








توقعتُ أنني سأتخلصُ من فكرةِ الانتحارِ فقط بالحديثِ عنه. لكنَ الأمرَ ليسَ بهذهِ البساطة. لا نتخلصُ منَ الانتحارِ إلا بالخرفِ أو بتغييرِ المعتقد، أي بانبهارٍ دائم.



***



غريزةُ البقاء – إنها واقع؛ لكن أيضًا في كثيرٍ منَ الأحيان لا يوجدُ سوى خيطٍ واحدٍ يربطنا بالحياة، و هذا الخيطُ يُقطع. ما يفسرُ صعوبةَ الانتحار و سهولته، أحيانًا لا يمكنني تصوره، و أحيانًا أخرى يبدو لي مغريًا و لا يمكنني مقاومته.
 أستطيعُ تفهمَ أن يقتلَ المرُء نفسهُ لأنهُ موجود، لكن أن يقتلَ نفسهُ بسببِ فشل، يعني بسببِ رأيِ الآخرين، هذا ما يتجاوز قدرتي على الفهم تمامًا: و تقريبًا كلُّ حالاتِ الانتحار تنطلقُ منَ الإحساسِ بالفشل. ستبصقُ البشريةُ كلّها في وجهي، أنا أفهم هذا. لكنني لن آخذَ نتائجها كتقييم. لن يكون بصاقهم حتى دافعًا لأستبين درجةَ تفاهتي.
كلما تقدمتَ، وجدتَ أنهُ لا توجدُ مبرراتٌ للحياةِ و لا حتى للموت. لنعشْ و نمُتْ في العبثيةِ الخالصة إذن.
الحياةُ هي التي تتخلصُ منا و لسنا نحنُ الذين نتخلصُ منها، إنها تنفصلُ عنا شيئًا فشيئًا و نلاحظُ أننا نعيشُ فيها.
 في أيِّ لحظةٍ يبدأُ الإنسانُ بالعيش؟ هذا هو السؤالُ الذي علينا طرحه، و هو أهمُ سؤالٍ لأيِّ شخصٍ كان...



***



الانتحارُ الحقيقي غيرُ مرتبطٍ بالفشل بل بالإحساسِ بأنهُ لا يوجدُ أيُّ مخرجٍ في أيِّ شكلٍ منْ أشكالِ العالم.



***



الانتحارُ هو الفعلُ الأكثرُ طبيعيةً الذي يمكننا القيامُ به. إليهُ يجبُ أن تقودَ كلُّ أفكارنا و إليهِ يجبُ أن تنتهي جميعُ مساراتنا. يجبُ أن يعوضَ النهايةً غيرَ المرغوبةِ و المهينة. وكلُّ يختارُ ساعةَ نهايته.



***



أحلمُ باليومِ الذي يصيرُ فيهِ الانتحارُ واجبًا و ليسَ مجردَ غواية.



***



(20 يونيو 1968) يجبُ أن أعيدَ التفكيرَ في مشكلةِ الانتحار: إذْ يبدو لي أنني أهملتُ جوانبهُ الأكثرَ إثارة. بإمكاني أن أفهمَ هذا الآنَ حيثُ إنني لاحظتُ أنهُ في الصيفِ فقط يمكنني أن أحسَ أنني جاهزٌ لأجيبَ على إشكالٍ كهذا. هل هي الحرارة؟ هل هو الضوء؟ لقد حثتني الشمسُ دائمًا على إعادةِ التفكيرِ بالعالمِ و أشعلتْ داخلي نوباتِ قلقٍ لا تطاق.  يمنعني ظلامي منَ الانسجامِ معَ الإشراقِ المحيط. التصادمُ بين ما أحسُ و أرى يولدُ هذا المزاجَ السيئ و كلَّ ما ينتجُ عنه.



***



الولعُ بالانتحار.
الانتحارُ هو مسألةُ فقدانِ الصبر. القرفُ منَ انتظارِ الموت. بعضُ الصبرِ قد يحلُ الأمر، طبعًا. لكن أن تتحدثَ عنِ الصبرِ لمولوع...



***



يجبُ على الانتحار أن يكونَ مسألةَ ملائمةٍ و لياقة، شرفٍ بورجوازيّ.



***



الانتحارُ كنهاية ٍمنطقيةٍ لكلِّ شيء، لا يبقى لنا غيرهُ منْ ملاذٍ سوى اللاعقلانية.



*** 



في العشرينات، يبدو الانتحارُ كفكرةٍ مزعجةٍ و غنائية. بعد هذا تصيرُ أكثرَ وضوحًا و جفافًا : إنها تبدو حتميةً شيئًا فشيئًا، و لا نفهمُ كيفَ بدتْ لنا قبلَ هذا غريبة. يتغيرُ الوجودُ اعتبارًا منَ اللحظةِ التي يبدو فيها الانتحارُ فعلاُ عاديًا.



***



لماذا أفكرُ كثيرًا في الانتحار؟ لأنني ما إن أعودَ لما قبل ماضيّ، أو أذهبَ لما بعد وفاتي، لا أكاد أجدُ معنىً للحادثِ التافهِ بينَ هاتينِ الفترتين.



***



إذا كان الإنسانُ يفرضُ على نفسهِ الإيمانَ بأشياءَ معينة، فهذا فقط لكي لا يقتلَ نفسه. لأن الانتحارَهو النتيجةُ المنطقيةُ لحقيقةِ أن لا شيءَ يصمدُ أمامَ تحليلٍ صارم، أو تفكيرٍ قاس.
منَ الغريبِ جدًا أن أكونَ قد تحدثتُ بهذا القدرِ عنِ الانتحار، أنا الذي أحبُّ الحياةَ كأيِّ شخصٍ آخر، بل أكثر من أيِّ شخصٍ آخر...



***



منَ المؤكدِ أن الانتحارَ عملٌ أكثرَ بساطةً بالنسبةِ لمن لا يكادُ يتحدثُ عنهُ أكثرَ ممن لا يتوقفُ عنِ التفكيرِ فيه: تنفيذُ الانتحارِ عملٌ عنيف، سريعٌ و يتطلبُ قرارًا فوريًا و تقريبًا دونَ تفكير. ذلك الذي لم يسبقْ لهُ الانشغالُ بالانتحار،ما أن يشعرَ بنفسهِ مدفوعًا للانتحار، لن يجَد أيَّ دفاعٍ ضدَ هذا الدفع: سيكونُ مفتونًا، مثقلاً، معميًا و مغلوبًا بظهوِرِ مخرجٍ نهائيٍّ أخيرًا، لم يكنْ قد فكرَ بإيجادهِ منْ قبل. بينما الآخرُ –الذي يفكرُ بالانتحار- يستطيعُ دائمًا أن يؤخرً فعلاً لطالما مرّ بدماغه، ولا يحملُ بالنسبةِ له أيّ جديد. فعلٌ يعرفهُ تمامًا و يستطيعُ أن يتملصَ منهُ ببرود، إن لم يتخلصْ منهُ نهائيًا.
أن تفكرَ يعني أن تأجلَ أن لا تتحرك، أن...



***



حينَ نَضيعُ في غموضِ الحياة، يلوحُ الانتحار كحد، كعلامةٍ نهتدي بها، كيقينٍ و واقعٍ إيجابي.



***



أخبرتُ (د) على الهاتفِ أن على المرءِ الانتحارُ في الخامسةِ و الثلاثين، أنه لا ينبغي تجاوزها، إذْ بعدها نظهرُ في حالةٍ يرثى لها جسديًا. لا ينبغي أن نقبلَ مبدأَ الشيخوخة، بل يجبُ أن نرفضَ حتى فكرةَ التجاعيد.



***



هذا الصباح فكرتُ مجددًا في الاحتمالاتِ التي يمنحها الانتحار، فتجاوزتُ غضبي بسرعة.



***



منَ المدهشِ كم يبدو الانتحارُ فعلا ًعاديًا جدًا في منتصفِ ليلةٍ بيضاء.



***



يأسٌ بلا داع، دونَ وعي الخيبة، دونَ أيِّ إحساسٍ بالسقوط، يأسٌ صافٍ، و منْ جديدٍ يظهرُ اليقينُ المحزنُ بأنَّ الانتحارَ هو المخرجُ الوحيد، العزاءُ الوحيد، البابُ الأكبر. المرورُ للجهةِ الأخرى عنْ طريقِ تجاوزِ الموت.



***



الربيعُ و الانتحارُ يبدوانِ لي كمفهومينِ مترابطتين. لأنَّ الربيعَ يشكلُ فكرةً لم أنضجْ عليها، أو لأكونَ أكثرَ دقةً لم تدخلْ لأعماقي بعد.



***



تصوري للانتحارهو بسيطٌ للغاية: إنّهُ المخرجُ الوحيد، إذا أردنا الحديثَ عنِ العمق. أما على السطح، فنستطيع التسوية، التميز، الغشَ أو الكتابة.
على السطحِ توجدُ عدةُ مخارجَ مؤقتة، مفيدةٌ لكن دونَ إضافة.



***



الانتحار: أن نموتَ قبلَ الموت.



***



الساهدُ هو بالضرورةِ مُنَظِّرُ انتحار.



***



منذُ أن كتبتُ و نشرتُ نصيَّ حولَ الانتحار، فقدتُ الكثيرُ منْ اهتمامي به. ما يثبتُ أن كوني كاتبًا ليس أمرًا بهذا السوء.



***



أن تكتبَ عنِ الانتحارِ يعني أنْ تتجاوزه.



***



لماذا يشكلُ الانتحارُ حلاً؟ لأنهُ الجوابُ الوحيدُ عنْ ولادةٍ لم نخترها، ردُ فعلٍ شخصيٍّ على فعلٍ لم نقمْ به. الانتحارُ هو الانتقامُ الأكبرُ منَ الأنا.



***



لم أعدْ أفكرُ في الانتحار، إذْ يبدو لي الآنَ أمرًا طبيعيًا و مقبولاً. قبلَ هذا كانتْ فكرتي حولهُ مصحوبةً ببعضِ المرارة. لكن ليسَ بعدَ الآن. لقد صارتْ فكرتي حولهُ واضحة، و صارَ هو منَ الأشياءِ التي ننسى أن نقومَ بها.



***



انفصلتُ عنِ الانتحارِ لأنني تجاوزتُ البحثَ عنْ حل.



***



أُسمي حالةَ اكتئابٍ كلَّ حالةٍ تنتجُ عشوائيًا عنْ أفكارِِ قتلٍ أو انتحار.
الاكتئابُ هو حالةُ انتحارٍ أو جريمةُ قتلٍ غير مُتحققة.



***



النومُ كحدثٍ هو رئيسيٌ جدًا و يحملُ الكثيرَ منَ المعنى، إذْ إنَّ أغلبَ حالاتِ الانتحار سببُها الأرق.



***




على العزّاب أن يحتكروا الانتحارَ لأنفسهم.




ترجمة وإعداد: Achraf Nihilista