الأربعاء، 29 أكتوبر، 2014

التفكير ضد الذات - نص من كتاب سيوران "غواية الوجود".



التفكير ضد الذات - نص من كتاب سيوران "غواية الوجود" :










نحنُ مدينونَ بجُلِ اكتشافاتنا إلى قسوتنا و تفاقمِ اختلالِ توازننا. حتى الله، بكامل فتنته، لا نتصوره إلا في الحدودِ البعيدةِ للغضبِ الذي ينتابنا، في النقطةِ نفسها حيثُ تتصادمُ نوبةُ غضبنا بغضبه. يحيرهُ هذا اللقاء أكثرَ مما يحيرنا.
مصابًا باللعنةِ المصاحبةِ للأفعال، لا يتجاوزُ الطاغيةُ نفسهُ إلا للعودةِ إليها ساخطًا، معتديًا، متبوعًا بأعمالهِ التي تأتي لمعاقبتهِ على القيام بها. لا يوجدُ عملٌ لا يطغى على صاحبه: تزيحُ القصيدةُ الشاعر، كذا تفعلُ النظريةُ بالفيلسوف، و يفعلُ الحدثُ برجلِ الأعمال. يدَّمَرُ أيُّ شخصٍ ذاتيًا بمجردِ استجابتهِ لنداءِ موهبتهِ تاركًا بذلك أثرًا في التاريخ؛ و ينجو فقط من يضحي بكلِّ مواهبهِ و قدراته، متخلصًا من ميزتهِ كإنسان، لكي يتمكنَ من التجولِ في الكينونة. إذا كنتُ أتوقُ لمستقبلٍ واعدٍ ميتافيزيقيًا، يجبُ عليَّ أن أتخلصَ من هويتي بأيِّ ثمن: أيُّ شيءٍ يتبقى مهما كان صغيرا، عليَّ التخلصُ منه. و لو أنني على العكسِ من ذلك كنتُ أرغبُ في دور تاريخي، كانت مهمتي ستكون هي تعزيزُ مميزاتي، لا بل و إظهارها لأتألقَ معها. نموتُ دائمًا بالدورِ الذي نختاره: أن تختارَ اسمًا يعني أن تختارَ نمطًا محددًا لانهيارك.

وفيًا لمظهره، لا شيءَ يحبطُ الطاغية، يعيدُ المحاولةَ و يستميتُ بها، إذ لا يمكنهُ حرمانُ نفسهِ مِنَ المعاناة. هل يطمحُ لفقدانِ الآخرين؟ إنهُ المسارُ الذي يتخذهُ ليعززَ فقدانهُ لنفسه. خلفَ وثوقيتهِ و تبجحهِ يستترُ مولعٌ بالخيبات. هكذا نجدُ من بينِ الطواغيتِ أناسًا هم أعداءٌ لأنفسهم. كلُّنا طواغيت و مسعورون، لم يبقَ لنا ملجأٌ سوى في أسرارِ التفككِ بعد أن أضعنا مفاتيحَ التصوف.

بدلَ أن نجعلَ الزمنَ يطحننا ببطء، اعتقدنا إنهُ منَ الأفضلِ أن نطعمهُ بأن نضيفَ للحظاتهِ لحظاتنا. هذا الزمنُ الحديث المطعمِ بالقديم، هذا الزمنُ المتحققُ سيُظهِرُ مع الوقتِ خبثه : سيصيرُ تاريخًا، وحشًا روضناهُ نحنُ ضدنا، قدرٌ لا مفرَ منه، يضطرنا اللجوءَ إلى صيغٍ السلبية، إلى وصفاتِ الحكمة.
نجربُ علاجاتٍ للاجدوى؛ نتفكر بالآباءِ الطاويين، بعقيدتهم في الهجر، بسيادةِ الغيابِ لديهم؛ نتتبعُ على خطاهم مسيرةَ الوعي حينَ يتوقفُ عن أن يكونَ على وفاقٍ مع العالمِ و حينَ يتجسدُ في الأشياء، كالماء، أشياءُ لها مكانةٌ لدى الطاويين. سنحاولُ الوصولَ لهذهِ المرحلة، و لن نتمكنَ منها أبدًا. إنهم يصادرونَ فضولنا و تعطشنا للألم؛ ما  يفرقهم عن الصوفيةِ و بالضبطِ عن أولئكَ الذينَ مِنَ العصورِ الوسطى، أنهم يملكونَ جرأةَ تحديثنا عن فضائلِ كيس الشعر، جلد القنفذ، الأرق، الجوع و الأنين.

"الحياةُ الكثيفةُ هيَ ضدَ الطاو" هكذا يعلمُ لاو تسي، أكثرُ الرجالِ طبيعية. لكن فيروس المسيحية متفشٍ فينا : بتكرارِ تعذيبِ أنفسنا فقط يمكنُ أن نعي ذاتنا. هل يهوي الدينُ في مستنقع؟ نحنُ نحتفظ ُمنهُ بإسرافاته، كما نحتفظُ بما يبقى بعدَ النقع، و نحتفظُ بصراخِ الخلايا، رغبتنا في المعاناة تعادلُ رغبةَ الزهورِ في التألق وقتَ إزهارها. إذا لم يكفِ الكنيسةَ احتكارها للجحيم، فسرعانَ ما ستجدنا ننفكُ من سلسلةِ الصراخِ حيثُ تثبتنا، من عبادةِ القسوة، مِنَ الفرحة المهتزةِ و التعاسةِ المُبهِجة.
الروح، كما الجسد تمامًا، تدفعُ ثمنَ الحياةِ الكثيفة. أسيادُ فنِّ التفكيِر ضدَ الذات، نيتشه، بودلير و دوستويفسكي، علمونا أن نراهنَ على عذاباتنا، أن نوسعَ دائرةَ آلامنا، أن ننالَ بعضَ الوجودِ عبرَ انقسامٍ داخليّ في كينونتنا، و ما يشكلُ في أعينِ ذلكَ العجوز الصيني  علامةَ انحطاط، تمرينَ نقص، يشكلُ لنا نحنُ الطريقةََ الوحيدةَ لامتلاكِ ذاتنا، لإمكانيةِ التواصلِ معها.
 "فليستقر حبُّ الإنسانِ على لا شيء، و سيصيُر بمنأى عن أيِّ خطر." - تشوانغ تسو. حكمةٌ عميقةٌ دونَ أيِّ فعالية. كيفَ يمكنُ الوصولُ لأوجِ اللامبالاة، متى تصيرُ حتى لا اكتراثيتنا توترًا، عراكًا و عدوانًا؟ لا يوجدُ حكيمٌ واحدٌ بين سلفنا، إنهم فقط مجموعةُ جوعى، ضعيفي الإرادة و حمقى يجبُ علينا مضاعفةُ خيباتهم و انهزاماتهم.
حسبَ هؤلاءِ الصينيين، الروحُ المنفكةُ وحدها يمكنُ أن تصلَ جوهرَ الطاو؛ و لن ينالَ مريدُ الطاويةِ إلا النتائج : النزولُ للأعماقِ يتطلبُ الصمت، توقفَ كلِّ تحركاتنا و تقريبًا كلِّ مميزاتنا. و لكن أليسَ واضحًا أن توقنا للمطلق يترجمُ في شكلِ تحركاتٍ و معارك، حتى إن كيركيغارد كان يسمى "فارس العقيدة"، و إن باسكال ليس شيئًا آخرَ غيرَ كونهِ كاتب؟ نهاجمُ و نناقش، هذا يجعلنا لا نعرفُ إلا نتائجَ الطاو. إفلاسُ التصوف، النمطُ الأوروبي للطاوية، يعرفنا كثيرًا بحدودنا و آفاقنا.
تعلمُ السلبية - لا أرى شكلاً أكثرَ من هذا معاداةً لعاداتنا. (الحقبةُ الحديثةُ انطلقتْ بشخصينِ هستيريين : لوثر و الدون كيشوت.) إذا كنا ننتجُ الزمن، فذلك خوفًا من هيمنةِ الجوهرِ و الخضوعِ الروحي الذي يفرضه. الطاوية كما تبدو لي هي أولُ و آخرُ كلمةٍ في الحكمة : أنا أقاومها مع ذلك، حواسي ترفضها، كما ترفضُ الخضوعَ لأيِّ شيءٍ كان، طالما كانَ بضغطٍ من وراثتنا للتمرد. آلامنا؟ مصدرها سنينٌ من مراقبةِ الزمن، من تأليهِ القادم. سنتجاوزها بمرجعنا إلى الصين أم إلى الهند؟

توجدُ أشكالُ حكمةٍ و انعتاقٍ لا يمكننا فهمُ عمقها، و لا تحويلها إلى عاداتٍ يومية، و لا حتى حصرها في نظرية. الانعتاق، إذا كنا نطمحُ إليه فعلاً، عليه أن ينطلقَ منا: لا يجبُ البحثُ عنهُ خارجَ أنفسنا، لا في نظامٍ متكاملٍ و لا في عقائدَ شرقية. و مع ذلك فإن هذا ما يحدثُ فعليًا لدى العديدِ مِنَ الأرواحِ الطامعةِ في المطلق. لكن حكمةَ هذهِ الأرواح مزيفة، و انعتاقها يشكلُ خدعة. أنا لا أجرمُ الصوفيةَ و مريديها فقط، و إنما كلَّ من ينتصرُ لحقائقَ مخالفةٍ لطبيعته. يوجدُ كثيرونَ في الهند ممن يعتقدونَ بانكشافِ الأسرار، في حين لا شيء يساعدهم على هذا، لا طبائعهم، و لا تكوينهم و لا حتى مخاوفهم. كم عددُ الذينَ آمنوا بانعتاقٍ مزورٍ يتفرجُ علينا من أعلى سلامهم. ألا يرونَ أنهم يضعونَ أنفسهم أعلى أفعالهم؟ تمويهٌ لا يطاق. إنهم يعتقدونَ أنفسهم أعلى لدرجةِ أن كلَّ أشكالِ الدينِ التقليدي تبدو لهم وراثةً عائلية، و أن مريدي هذهِ الأديانِ لن يتمكنوا من إشباعِ أرواحهم. أن يحتجَ الطاويون على الهند، هذا بلا شك أفضل، لكنهم ينسونَ أنها تدعمُ توافقَ الفكرِ و الحركة، هُويةَ السلامِ و الاستنكار. حينَ نملكُ عقلاً ميتافيزيقيًا، تغد و التفاهةُ أمرًا لا يستحقُ الاهتمام.



بعدَ كثيرٍ مِنَ الزيفِ و الدجل، ملاحظةُ متسولٍ تبدو لي عملاً مريحا. هو على الأقل لا يكذبُ على الآخرين و لا يكذبُ على نفسه: إنه أكثرُ من يجسدُ عقيدته – إن كانتْ له عقيدة؛ إنه لا يحبُ العمل، و هو يؤكد هذا؛ كما لا يحبُ امتلاكَ أيِّ شيء، إنهُ ينمي عجزهُ – شرطَ حريته. يتجسدُ فكرهُ في كينونته و كينونتهُ تمثلُ فكره. ينقصهُ كلُّ شيء، إنهُ يستمرُ ممثلاً ذاته: أن يحيا حتى الأبدية، لا يعني له أكثر من أن يعيشَ كلَّ يومٍ بيومه. و بالنسبة له أيضًا الآخرونَ مسجونونَ في الأوهام. حتى و إن كان مصيرهُ مرتبطًا بالآخرين، إلا أنه ينتقمُ منهم بدراستهم، و خصوصًا أنهُ ينغمسُ أسفلَ المشاعرِ "النبيلة". كسلهُ يشكلُ ميزةً نادرةً جدًا، تجعلُ منهُ "متحررًا" ضالاً في عالمٍ مِنَ السُذجِ المغفلين. إنهُ يعرفُ عَنِ الاستسلامِ أكثرَ مما تعرفُ معظمُ كتبنا الانتقائية. حتى تقتنعوا بكلِّ هذا، ما عليكم سوى الخروجِ للشارع... لا، أنتم تفضلونَ النصوصَ التي تمجدُ التسول. لا نتائجَ عملية تصاحبُ تأملاتكم، و لن يثيرَ استعجابنا أن آخرَ المشردين هو أفضل منكم. هل يمكننا تصورُ بوذا وفيًا لحقائقهِ و أصوله؟ لا يمكننا أن نكونَ مولودينَ مرتين وأصحابَ مهنة . أن أتجندَ ضدَ تعميمِ الكذب، ضدَ أولئكَ الذينَ يظهرونَ سلامهم المزعومَ و يدعمونهُ بعقائدٍ لا تنبعُ من أعماقهم. أن أزيلَ عنهم أقنعتهم، أن أنزلهم من أبراجهم التي ارتفعوا إليها، أن أضعهم على عمودِ التشهير، إنها حملةٌ لا يجبُ على أحدٍ تجاهلها. لأنهُ يجبُ منعُ من يملكون إيمانًا راسخًا من العيشِ و الموتِ بسلام.


من:  La Tentation d'exister


ترجمة : Achraf Nihilista

الخميس، 16 أكتوبر، 2014

الانتحار في دفاتر إميل سيوران -2-








الانتحار في دفاتر إميل سيوران 

Cahiers: 1957-1972



الجزء الثاني و الأخير



أولُ شَذرة في هذا الجُزء الأَخير كُتِبت بِتاريخ -13 يناير 1968- أي بعَد أزْيَد من 8 سنوات من كتابةِ أول شَذرةٍ في الُجزء الأول (كُتِبت بِتاريخ -2 غشت 1957-)، و الشذرات كما جرت العَادة مُرتّبة زمنياً من الأقدم للأحدث.
تَقسيم الأجزاءِ لَم يَتِم إِلاّ لِكَثرةِ الفقرات التي تَحَدَّثَ فيها إميل سيوران عن الانتحار، و هو اختيار المترجم و ليس اختيار سيوران أَو ما شابه. و مَع ذَلك نُلاحِظ نُضجَ فِكرة الانتحار أكثرَ في هذا الجزءِ الثاني.


ملحوظة : من أجل الوصول للجزء الأول اضغط هنا

اميل سيوران








توقعتُ أنني سأتخلصُ من فكرةِ الانتحارِ فقط بالحديثِ عنه. لكنَ الأمرَ ليسَ بهذهِ البساطة. لا نتخلصُ منَ الانتحارِ إلا بالخرفِ أو بتغييرِ المعتقد، أي بانبهارٍ دائم.



***



غريزةُ البقاء – إنها واقع؛ لكن أيضًا في كثيرٍ منَ الأحيان لا يوجدُ سوى خيطٍ واحدٍ يربطنا بالحياة، و هذا الخيطُ يُقطع. ما يفسرُ صعوبةَ الانتحار و سهولته، أحيانًا لا يمكنني تصوره، و أحيانًا أخرى يبدو لي مغريًا و لا يمكنني مقاومته.
 أستطيعُ تفهمَ أن يقتلَ المرُء نفسهُ لأنهُ موجود، لكن أن يقتلَ نفسهُ بسببِ فشل، يعني بسببِ رأيِ الآخرين، هذا ما يتجاوز قدرتي على الفهم تمامًا: و تقريبًا كلُّ حالاتِ الانتحار تنطلقُ منَ الإحساسِ بالفشل. ستبصقُ البشريةُ كلّها في وجهي، أنا أفهم هذا. لكنني لن آخذَ نتائجها كتقييم. لن يكون بصاقهم حتى دافعًا لأستبين درجةَ تفاهتي.
كلما تقدمتَ، وجدتَ أنهُ لا توجدُ مبرراتٌ للحياةِ و لا حتى للموت. لنعشْ و نمُتْ في العبثيةِ الخالصة إذن.
الحياةُ هي التي تتخلصُ منا و لسنا نحنُ الذين نتخلصُ منها، إنها تنفصلُ عنا شيئًا فشيئًا و نلاحظُ أننا نعيشُ فيها.
 في أيِّ لحظةٍ يبدأُ الإنسانُ بالعيش؟ هذا هو السؤالُ الذي علينا طرحه، و هو أهمُ سؤالٍ لأيِّ شخصٍ كان...



***



الانتحارُ الحقيقي غيرُ مرتبطٍ بالفشل بل بالإحساسِ بأنهُ لا يوجدُ أيُّ مخرجٍ في أيِّ شكلٍ منْ أشكالِ العالم.



***



الانتحارُ هو الفعلُ الأكثرُ طبيعيةً الذي يمكننا القيامُ به. إليهُ يجبُ أن تقودَ كلُّ أفكارنا و إليهِ يجبُ أن تنتهي جميعُ مساراتنا. يجبُ أن يعوضَ النهايةً غيرَ المرغوبةِ و المهينة. وكلُّ يختارُ ساعةَ نهايته.



***



أحلمُ باليومِ الذي يصيرُ فيهِ الانتحارُ واجبًا و ليسَ مجردَ غواية.



***



(20 يونيو 1968) يجبُ أن أعيدَ التفكيرَ في مشكلةِ الانتحار: إذْ يبدو لي أنني أهملتُ جوانبهُ الأكثرَ إثارة. بإمكاني أن أفهمَ هذا الآنَ حيثُ إنني لاحظتُ أنهُ في الصيفِ فقط يمكنني أن أحسَ أنني جاهزٌ لأجيبَ على إشكالٍ كهذا. هل هي الحرارة؟ هل هو الضوء؟ لقد حثتني الشمسُ دائمًا على إعادةِ التفكيرِ بالعالمِ و أشعلتْ داخلي نوباتِ قلقٍ لا تطاق.  يمنعني ظلامي منَ الانسجامِ معَ الإشراقِ المحيط. التصادمُ بين ما أحسُ و أرى يولدُ هذا المزاجَ السيئ و كلَّ ما ينتجُ عنه.



***



الولعُ بالانتحار.
الانتحارُ هو مسألةُ فقدانِ الصبر. القرفُ منَ انتظارِ الموت. بعضُ الصبرِ قد يحلُ الأمر، طبعًا. لكن أن تتحدثَ عنِ الصبرِ لمولوع...



***



يجبُ على الانتحار أن يكونَ مسألةَ ملائمةٍ و لياقة، شرفٍ بورجوازيّ.



***



الانتحارُ كنهاية ٍمنطقيةٍ لكلِّ شيء، لا يبقى لنا غيرهُ منْ ملاذٍ سوى اللاعقلانية.



*** 



في العشرينات، يبدو الانتحارُ كفكرةٍ مزعجةٍ و غنائية. بعد هذا تصيرُ أكثرَ وضوحًا و جفافًا : إنها تبدو حتميةً شيئًا فشيئًا، و لا نفهمُ كيفَ بدتْ لنا قبلَ هذا غريبة. يتغيرُ الوجودُ اعتبارًا منَ اللحظةِ التي يبدو فيها الانتحارُ فعلاُ عاديًا.



***



لماذا أفكرُ كثيرًا في الانتحار؟ لأنني ما إن أعودَ لما قبل ماضيّ، أو أذهبَ لما بعد وفاتي، لا أكاد أجدُ معنىً للحادثِ التافهِ بينَ هاتينِ الفترتين.



***



إذا كان الإنسانُ يفرضُ على نفسهِ الإيمانَ بأشياءَ معينة، فهذا فقط لكي لا يقتلَ نفسه. لأن الانتحارَهو النتيجةُ المنطقيةُ لحقيقةِ أن لا شيءَ يصمدُ أمامَ تحليلٍ صارم، أو تفكيرٍ قاس.
منَ الغريبِ جدًا أن أكونَ قد تحدثتُ بهذا القدرِ عنِ الانتحار، أنا الذي أحبُّ الحياةَ كأيِّ شخصٍ آخر، بل أكثر من أيِّ شخصٍ آخر...



***



منَ المؤكدِ أن الانتحارَ عملٌ أكثرَ بساطةً بالنسبةِ لمن لا يكادُ يتحدثُ عنهُ أكثرَ ممن لا يتوقفُ عنِ التفكيرِ فيه: تنفيذُ الانتحارِ عملٌ عنيف، سريعٌ و يتطلبُ قرارًا فوريًا و تقريبًا دونَ تفكير. ذلك الذي لم يسبقْ لهُ الانشغالُ بالانتحار،ما أن يشعرَ بنفسهِ مدفوعًا للانتحار، لن يجَد أيَّ دفاعٍ ضدَ هذا الدفع: سيكونُ مفتونًا، مثقلاً، معميًا و مغلوبًا بظهوِرِ مخرجٍ نهائيٍّ أخيرًا، لم يكنْ قد فكرَ بإيجادهِ منْ قبل. بينما الآخرُ –الذي يفكرُ بالانتحار- يستطيعُ دائمًا أن يؤخرً فعلاً لطالما مرّ بدماغه، ولا يحملُ بالنسبةِ له أيّ جديد. فعلٌ يعرفهُ تمامًا و يستطيعُ أن يتملصَ منهُ ببرود، إن لم يتخلصْ منهُ نهائيًا.
أن تفكرَ يعني أن تأجلَ أن لا تتحرك، أن...



***



حينَ نَضيعُ في غموضِ الحياة، يلوحُ الانتحار كحد، كعلامةٍ نهتدي بها، كيقينٍ و واقعٍ إيجابي.



***



أخبرتُ (د) على الهاتفِ أن على المرءِ الانتحارُ في الخامسةِ و الثلاثين، أنه لا ينبغي تجاوزها، إذْ بعدها نظهرُ في حالةٍ يرثى لها جسديًا. لا ينبغي أن نقبلَ مبدأَ الشيخوخة، بل يجبُ أن نرفضَ حتى فكرةَ التجاعيد.



***



هذا الصباح فكرتُ مجددًا في الاحتمالاتِ التي يمنحها الانتحار، فتجاوزتُ غضبي بسرعة.



***



منَ المدهشِ كم يبدو الانتحارُ فعلا ًعاديًا جدًا في منتصفِ ليلةٍ بيضاء.



***



يأسٌ بلا داع، دونَ وعي الخيبة، دونَ أيِّ إحساسٍ بالسقوط، يأسٌ صافٍ، و منْ جديدٍ يظهرُ اليقينُ المحزنُ بأنَّ الانتحارَ هو المخرجُ الوحيد، العزاءُ الوحيد، البابُ الأكبر. المرورُ للجهةِ الأخرى عنْ طريقِ تجاوزِ الموت.



***



الربيعُ و الانتحارُ يبدوانِ لي كمفهومينِ مترابطتين. لأنَّ الربيعَ يشكلُ فكرةً لم أنضجْ عليها، أو لأكونَ أكثرَ دقةً لم تدخلْ لأعماقي بعد.



***



تصوري للانتحارهو بسيطٌ للغاية: إنّهُ المخرجُ الوحيد، إذا أردنا الحديثَ عنِ العمق. أما على السطح، فنستطيع التسوية، التميز، الغشَ أو الكتابة.
على السطحِ توجدُ عدةُ مخارجَ مؤقتة، مفيدةٌ لكن دونَ إضافة.



***



الانتحار: أن نموتَ قبلَ الموت.



***



الساهدُ هو بالضرورةِ مُنَظِّرُ انتحار.



***



منذُ أن كتبتُ و نشرتُ نصيَّ حولَ الانتحار، فقدتُ الكثيرُ منْ اهتمامي به. ما يثبتُ أن كوني كاتبًا ليس أمرًا بهذا السوء.



***



أن تكتبَ عنِ الانتحارِ يعني أنْ تتجاوزه.



***



لماذا يشكلُ الانتحارُ حلاً؟ لأنهُ الجوابُ الوحيدُ عنْ ولادةٍ لم نخترها، ردُ فعلٍ شخصيٍّ على فعلٍ لم نقمْ به. الانتحارُ هو الانتقامُ الأكبرُ منَ الأنا.



***



لم أعدْ أفكرُ في الانتحار، إذْ يبدو لي الآنَ أمرًا طبيعيًا و مقبولاً. قبلَ هذا كانتْ فكرتي حولهُ مصحوبةً ببعضِ المرارة. لكن ليسَ بعدَ الآن. لقد صارتْ فكرتي حولهُ واضحة، و صارَ هو منَ الأشياءِ التي ننسى أن نقومَ بها.



***



انفصلتُ عنِ الانتحارِ لأنني تجاوزتُ البحثَ عنْ حل.



***



أُسمي حالةَ اكتئابٍ كلَّ حالةٍ تنتجُ عشوائيًا عنْ أفكارِِ قتلٍ أو انتحار.
الاكتئابُ هو حالةُ انتحارٍ أو جريمةُ قتلٍ غير مُتحققة.



***



النومُ كحدثٍ هو رئيسيٌ جدًا و يحملُ الكثيرَ منَ المعنى، إذْ إنَّ أغلبَ حالاتِ الانتحار سببُها الأرق.



***




على العزّاب أن يحتكروا الانتحارَ لأنفسهم.




ترجمة وإعداد: Achraf Nihilista 



الاثنين، 13 أكتوبر، 2014

الانتحار في دفاتر إميل سيوران -1-






الانتحار في دفاتر إميل سيوران 

Cahiers: 1957-1972


الجزء الأول1 


" الانتحار" من أكثر الكلمات ذكرًا وتكرارًا في دفاتر سيوران، يذكُرها معبرًا بها عن هواجسه حينًا ومعلقًا بها على انتحار أصدقاءَ له أو أقارب(ابن أخيه مثلا) حينًا آخر، أو حتى على انتحار أناسٍ سمعَ عنهم. الشذرات الواردة مرتبة من الأقدم إلى الأحدث لتتبَّعَ تناول سيوران لموضوع الانتحار عبرَ مراحل زمنية مختلفة. 












انتحارُ فتاةٍ أعرفها: فجوةُ هائلةٌ تنفتحُ في ماضيَّ و تخرجُ منها ألفُ ذكرى فاتنةٍ و مفجعة. كانتْ تحبُّ السقوط، و مع ذلك قتلتْ نفسها لتهربَ منه.

*



تراودني فكرةُ الإنتحارِ منذُ أيام، أنا أفكرُ في الانتحارِ دائمًا، لكنْ أنْ أفكرَ فيهِ شيء، و أن أخضعَ لهُ شيءٌ آخرَ تمامًا. لقد استحوذت عليَّ هواجسُ سوداء. لن أستطيعَ الاستمرارَ طويلاً هكذا، لقد استنفذتُ قدرتي على مواساتي.


*


توجدُ لذةٌ في مقاومةِ غوايةِ الانتحار.


*


لقد تغلبتُ أخيرًا على شهيةِ – و ليسَ فكرةَ الانتحار. لقد روضتها بفضلِ خيباتي.


*

فكرةُ الانتحارِ هي أكثرُ الأفكارِ إنعاشًا.


*


هديةُ عيدِ ميلاديّ:تعاودني فكرةُ الانتحارِ القديمةُ مِنْ جديد، و تسيطرُ عليَّ خصوصًا اليوم. فلأقاومها و أبقى مستمرًا.



*


كارولين فون غونديرود، لا أحدَ فكرَ فيها مثلي، لقد أشبعني انتحارها.
(كارولين هي شاعرة ألمانية انتحرت بعمر السادسة و العشرين)(1)


*


ما يجعلُ التدميرَ لاأخلاقيًا لهذهِ الدرجةِ هو سهولته، ما دونَ الانتحار كلُّ تدميرٍ هو بسيط.



*


منذُ أيامٍ أقرأُ قصصَ هاينرش فون كلايست؛ انتحارهُ هو ما يمنحُ تلكَ القصصَ بعدًا آخرَ لم تكنْ لتصلهُ بأيِّ طريقةٍ أخرى. لأنه ُمنَ المستحيلِ أن تقرأَ سطرًا واحدًا لكلايست دونَ أن تفكرَ في أنهُ قد قتلَ نفسه.  (انتحارهُ) يكملُ حياته، كما لو أنه انتحرَ منذُ البداية.
-كلمةُ انتحار التي وردت بينَ قوسين هي في النص الأصليّ بالألمانية، لغة كلايست الأم.- (2)



*


بعدَ الظهيرة و بعدَ أن قدتُ س. إلى المحطة، انتابتني نوبةُ اكتئابٍ حادةٍ تقودُ للانتحار. فراغ، فراغ، فراغ. لا شيءَ داخليّ و لا شيءَ حولي. لحظاتٌ كهذه تقودكَ مباشرةً لمستشفياتِ المجانين. أنا مجنونٌ فعلاً، بالمعنى الحرفيّ للكلمة. لم أعدْ أنا، لقد مررتُ جانبَ كنيسةٍ دونَ حتى أن أفكرَ في الدخول. لكن ما فائدةُ إقحامِ اللهِ في ما لا يمكنُ حله؟ و مع ذلك يجبُ أن أجدَ طريقةً للصلاة.
لا أدري بأيِّ معجزةٍ أنا مستمرٌ لحدِ الآن.



*


ما أنْ نرفضَ التعايشَ مع فكرةِ اللاجدوى حتى نسقطَ في غوايةِ الانتحار.



*


في بدايةِ العشرينات كنتُ قابَ قوسينِ أو أدنى منَ الانتحار؛ ثم تغيرَ الأمر؛ ليس لأنني في السنواتِ الثلاتين الأخيرة توقفتُ عن تصورها أو التفكيرِ فيها جديًا أحيانًا؛ لكن أخيرًا كان هنالكَ شيءٌ غيرُ معروفٍ يؤكدُ لي أنني غيرُ قادرٍعلى فعلها؛ هذا الشيء، هذا الصوت، أنا خائفٌ أن يتوقفَ الآن؛ لقد صرتُ أسمعهُ بوتيرةٍ أقل منذُ مدة.



*


عليَّ أن أكتبَ مقالاً عنْ تولستوي في الفترةِ التي كانتْ فكرُة الانتحارِ لا تغادره، أنا أيضًا أمرُ في نفسِ العذاب. قمةُ البؤس: أنا أخرجُ من غرفتي لأنني إن بقيتُ وحيدًا لن أكونَ متأكدًا منْ أنني سأستطيع التغلبَ على  بعضِ القراراتِ المفاجئة.
 كيف تمكنتُ من الوصولَ إلى هذهِ المرحلة؟ بهذا السؤال استمرتْ حياتي إلى الآن.
أكتبُ نصًا عنِ الخوفِ منَ الموتِ لدى تولستوي؛ و كالعادة أفكرُ في نفسي أكثرَ منَ الكاتبِ الذي عليَّ الحديثُ عنه.



*


أصبتُ بنزلةِ بردٍ في إسبانيا،  أنا والمرضُ لا نكادُ نفترقُ تقريبًا. فاجأتني نوبةُ غضبٍ شديدٍ حينَ ارتجفتُ و توجهتُ صوبَ السريرِ بدلَ أن أتوجهَ للاستحمام. لم أكن يومًا قريبًا من الانتحار بسببِ الخوف ِمنْ آلاميّ أكثرَ منَ الآن. لو أمكنني أن أسكنَ جسدًا آخر. لم أعدْ أطيقُ جسديّ و مع ذلك عليَّ احتماله. أنا أفرضُ على نفسيّ احتمالهُ خوفًا و جبنًا. لكن يديّ قد ترفعُ يومًا ضدَّ جسدي، و تخلصنيّ منهُ نهائيًا.



*



إلى ذلك الذي يعاتبُ نفسهُ دونَ توقفٍ لأعتقادهِ أنه مسؤولٌ عن انتحارِ زوجتهِ، شرحتُ أن الانتحارَ كان داخلها و ما كان ينتظرُ سوى ذريعةٍ لينقضَ عليها، و أن مسؤوليتهُ كانتْ في إعطائهِ هذهِ الذريعة. قلتُ لهُ بالحرف: " كان الانتحارُ داخلها، كما كان الشعورُ بالذنبِ داخلكَ دائمًا".



*


الطبيبُ الذي توجهتُ إليهِ منْ أجلِ أمعائيّ سألني إذا ما كانتْ لديَّ أفكارٌ انتحارية. أجبتهُ قائلا: "طوالَ حياتي لم تكن لي أفكارٌ غيرها." نظرَ إليَّ نظرةً متفائلة، أقصدُ: ساذَجة.



*


 يَعمُّ جوُ الصيفِ ليكسومبورغ، العديدُ منَ الناسِ في الشوارع. فكرة ُالانتحارِ تعود. لا أدري حقًا لماذا أستمرُ بالتجولِ وسطَ هذا القطيع. و منْ جديدٍ تغويني الصحراء.




*

كلايست و رودولف (بطل مايرلينغ) بحثا و وجدا هما الاثنان نساءً لإنهاء حياتهما معًا. كيف يمكنُ أن تكونَ طلباتُ الإنتحارِ المشتركِ هذه؟ ربما هو خوفًا من أن يموتا وحيدين، أو ربما، و هذا هو المرجَّح، أنهما بحاجةٍ للانتهاءِ في ذلك الإشباعِ الذي لا بدَ أنهُ يسبقُ الموتَ المشترك.



*


على حدِ علمي لم يركزوا كثيرًا على أهميةِ الانتحارِ لدى دوستويفسكي. الانتحارُ أكثرُ ما يدهشني لديه، بعدَ روحِ الدعابةِ طبعًا.




*

مجلةٌ ما تدعوني لأشتغلَ معهم على عددٍ حولَ الانتحار، كتبتُ لهم معبرًا عنْ رفضي التعاونَ معهم و اقتبسوا من جوابي جملةً كانتْ في تصديرةِ العددِ كما لو أنني كتبتها متعمدًا، هذه الجملة هي:
 "رافقتني فكرةُ الانتحارِ طيلةَ حياتي مهما كانتْ ظروفي صعبةً أو حتى تافهة، بعدَ كلِّ شيءٍ يمكن اعتبارها هاجسًا سلميًا، حيثُ إنها مكنتني منْ مقاومةِ الرغبةِ في التدميرِ الذاتي"



*



هنالك إشاعةٌ منتشرةٌ أنَّ باول سيلان انتحرَ في مستشفى باريسي، هذا الخبرُ غيرُ المؤكدِ يجعلني غيرَ قادرٍ على التعليق. منذُ شهورٍ و أنا أيضًا أفكرُ في هذه "المعضلة". لكي لا أضطرُ لحلها أسحبُ منها كلَّ معنى.




*

أن تكتبَ عنِ الانتحار هو حتمًا أفضلُ منْ أن تفكرَ أنكَ ستقومُ به. لا يوجدُ موضوعٌ  أكثرُ إراحةً منه. أن تفكر في فنِ أن تقتلَ نفسكَ فذلك يجعلكَ أكثرَ حريةً من أن تقومَ بالفعل – أيّ أن تقتلَ نفسك. ذاك الذي يقتلُ نفسهُ فكريًا لا يعودُ يعدُ عبدًا.



*



 ستكونُ عطلتي مخصصةً تمامًا لمقالي حولَ الانتحار، لقد تحولَ هاجسي إلى واجبٍ عليَّ القيامُ به، على الأقل لن يبقى لي الوقتُ لأشعرَ بالضجر.



*


كلُّ أفكاري تطورتْ على هوامشِ الانتحار، و لم تستطعْ يومًا أن تستقرَ في "الحياة".



*


في الخوفِ منَ الانتحار يتصارعُ الارتباطُ بالحياةِ و عارُ أنكَ حيّ. لكنَ العارَ هو الذي ينتصر.



*


أنهيتُ مقالي حولَ الانتحار، لا يمكنُ أبدًا تقييمهُ فعليًا. ينتابني الشكُ تجاههُ و لا أستطيعُ نشره.



*


في مقالي حولَ الانتحار نسيتُ تبيانَ أن الانتحارَ بالنسبةِ لي هو فكرةٌ و ليسَ دافعًا، هذا يوضحُ التناقضاتِ و الجبنِ الذي يثيره ُهذا الموضوع داخلي.




*

مع أخذِ كلِّ شيءٍ بعينِ الاعتبار، الانتحارُ هو أشرفُ الأفعالِ التي يمكنُ للمرءِ القيامُ  بها.



*


قبلنا ذلك أو رفضنا –يعتبرُ الانتحارُ "ترقية". أحمقٌ يقترفُ الانتحارَ ليسَ بأحمق.



(1)  (2) ملاحظة من المترجم



من أجل الوصول للجزء الثاني إضغط هنا.


ترجمة وإعداد: Achraf Nihilista