الخميس، 30 يوليو، 2015

الجزء الخامس و الأخير: موت أوليفييه بيكاي - إميل زولا




ملاحظة: سيتوفر رابط لتحميل القصة كاملةً قريباً جداً.






الفصل الخامس:

فِكرتي الأولى كانت أنْ أذهبَ لحارسِ المَقبرة، لكيْ يقودني إلى حيث أُقيم. لكنَّ أفكارًا ضبابيّةً أَوْقفتني. سأُخيفُ كلَّ العالَم. لماذا أتسرّعُ ما دُمتُ مُسَيْطرًا على الوضعِ الآن؟ تحسّستُ جميعَ أعْضائي، ليسَ عليها مِنْ أثرٍ سوى آثارِ أسناني على يدي اليُسرى؛ والحمّى النّاتجةُ عنْ هذه العضّةِ منحتني قوّةً غيرَ متوقّعة. كنتُ قادرًا على المَشي دونَ مساعدة.
أخذتُ وقتيّ كاملاً ولم أستَعجِل. راودتني كلُّ الأحلامِ مختلطة. تحسّستُ بجانبي أدواتِ الحفّارين، وانتابتني رغبةٌ باستخدامها لأُصلحَ ما أفسَدتُه: أنْ أعيدَ القَبرَ كما كانَ لكيلا ينتبهَ أحدٌ لعَودتي للحياةِ. في هذه اللّحظةِ لم تكنْ لديَّ أيّةُ فكرةٍ واضحةٍ عمّا أريدُ فعلهُ؛ اعتقدتُ أنّه منَ العبثِ أن أُشهرَ مغامَرَتي، وَأنّه لمنَ العَارِ أنْ أعودَ للحياةِ في الوقتِ الذي اعتقدَ فيهِ الجَميعُ أنّني ميّت. بعدَ نصفِ ساعةٍ منَ العملِ، أزلتُ جميعَ الآثارِ وأعدتُ القبرَ لحالتِه الأولى، ثُمَّ طفِقتُ مغادرًا إيّاه. 
يا لها منْ ليلةٍ جميلة! الصّمتُ والهدوءُ يعمّانِ المقبرة. الأشجارُ السّوداءُ شكّلتْ ظلالاً لا تتحرّكُ وسطَ بياضِِ القبورِ. في أثناءَ بحثي عنِ الطريقِ الّذي عليّ أَخْذُه، لاحظتُ نصفَ سماءِ باريسَ مشتَعلةً علامةً على حريقٍ. كانتْ باريسُ في هذا الاتجّاه، توجّهتُ نَحوها عابرًا منْ شارعٍ طويلٍ في ظُلمةِ أعضائي. ولكن، بعدَ خمسينَ خطوةً تقريباً، توقّفتُ منْ شدّةِ التّعب. جلستُ على كرسيّ حجَريّ، وحينها فقَط تمكّنتُ مِنْ مشاهدةِ نفسي: كنتُ ألبسُ لباسًا محترمًا، بلْ ومتناسقًا، تنقصهُ فقط قبّعةً ليصيرَ كاملاً. كمْ سأشكُرُ مارغريت على الإحساسِ العظيمِ الّذي جعلَها تختارُ ليّ أحسنَ اللِّباسَ! وقفتُ فجأةً على ذكرى مارغريت، أنا أرغبُ برؤيَتها.
نهايةُ الشّارعِ كانتْ مسدودةً بحائطٍ، تسلّقتُهُ بمساعدةِ حجرة هناك، وحينَ بلغتْ القّمةَ، قفزتُ للجهةِ الأُخرى. كانتْ قفزةً مؤلمة.
ثمَّ أخذتُ أمشي بشارعٍ كبيرٍ مقفرٍ تمامًا جانبَ المقبرة. كنتُ أجهلُ موقعي تمامًا ، لكنّني ردّدتُ في ذهني فكرةً واحدة: أنّني سأعودُ لباريسَ وسأجدُ شارعَ دوفين. كانَ النّاسُ يمرّونَ منْ أمامي لكنّني رفضتُ أن أسألَ أيًّا مِنهُم، كانَ ذلك بدافعٍ منْ خوفِ أنْ يتمَّ كشفي إنْ أنا انفتَحْتُ على أحدِهِم. كنتُ أعلمُ أنّني سأكونُ ضحيّةَ حمّى قويّةً هذا اليَوم، إذْ بدأَ الألمُ يعصِفُ برأْسي.
وبينَما كُنتُ أمْشي في طريقٍ مفتوحٍ، سقطتُ مغشيًّا عليَّ على رصيفِ الشّارع.
هنا، ثقبٌ أسودُ في ذاكرتي. بقيتُ ثلاثَ أسابيعَ دونَ وعيٍ. وحينَ استَيقظتُ، وجدتُ نفسي في غرفةٍ لا أعرفُها. كانَ هناكَ رجلٌ يرْعاني. أخبَرَني أنّه حملني بعدَ أنْ وجدني ذاتَ يومٍ على الرّصيفِ بشارعِ مونبارناس، وحملني لمَنْزلهِ حيثُ اهتمَّ بي. كانَ طبيبًا مسنًّا توقّفَ عنْ مزاولةِ المهنةِ. حينَ هَمَمْتُ بشُكرِهِ، صدّني قائلاً إنّه وجدَ حالتي غريبةً وإنّه أرادَ دراسَتَها. حتّى أنّه منعَ عليّ أيَّ سؤالٍ في أيّامِ نقاهَتي الأولى. وبعدَها، هوَ نفسُهُ لم يَعُدْ يسأَلُني. بقيتُ مدّةَ ثمانيةِ أيّام أُخرى مُمدّدًا على السّريرِ، كانَ خلالها تَفكيري بطيئاً، ولم أسْتطِع تذكّر أيِّ شيءٍ، لأنَّ التّذكرَ كانَ شاقًّا ومؤلماً. كنتُ أشعُر بالكثيرِ منَ الخوْفِ... والعَارِ.
حينَ شعرتُ أنّني قادرٌ على الخروجِ، ذهبتُ لأراه. ربّما نطقتُ أسماءً في أثناءِ هذياناتِ الحمّى، لكنّه لمْ يلمِّحُ بأيّةِ إشارةٍ لما قدْ أكونُ نطقتُ بهِ. بقيَ منغلقًا على ذاتِهِ.
في خضمِ هذا كلّه، حلَّ الصّيفُ. نَجحتُ في أخذِ إذنٍ للقيامِ بجولةٍ قصيرةٍ في أحدِ صباحاتِ يونيو. كانتْ صبيحةًَ جميلةً حيثُُ الشّمسُ تعيدُ لشوارعِ باريسَ شَبابَها. مَشيتُ بهدوءٍ، وسألتُ العابرينَ إرشاداتٍ عندَ كلِّ مفترقِ طرق، عنْ طريقِ شارعِ دوفين. وصلتهُ أخيرًا، وبالكادِ عرفتُ الفندقُ المفروشَ حيثُ أقمنَا. انتابني خوفٌ طفوليّ منْ أنْ أظْهرَ فجأةً لمارغريت وأتسبّبَ في قتلِها. اعتقدتُ أنّه منَ الأفضلِ أنْ ألتقيَّ السّيدةَ غابين أوّلاً وأُخبِرَها بما حدث. لم تكُنْ تُعجِبني فكرةُ أنْ أُقحِمَ أحدُهم بينَنَا. لم أسْتقرَّ على قرار. في أعماقِ نفسي، كانَ هُناك فراغٌ كبير، كتضحيةٍ قمتُ بها منذُ زمنٍ بعيدٍ.
كانَ المَنزلِ أصفرَ منْ تأثيرِ الشّمسِ. عرفتُه عنْ طريقِ مطعمٍ وحيدٍ يوجدُ بالطّابقِ السّفلي، كنّا نطلبُ منهُ الطّعامَ. رفعتُ عيني لأرى النّافذة الأخيرةَ منَ الطّابقِ الثّالثِ على اليسارِ.
كانتْ مفتوحةً عنْ آخرِها؛ وفجأةً، ألقتْ شابّةٌ نظرةً منَ النّافذةِ، وشاهدتُ خلفَها رجلاً اقتربَ مِنها و قبّلَها في عنُقِها. لم تكُن تلكَ مارغريت، ولمْ أشعُر بأيّةِ مفاجأةٍ من هذا الأمرِ. وكأنّني توقّعتُ سلفاً حدوثَ هذا مع أشياءَ أُخرى سأعرِفها قريبًا.
بقِيتُ للحظةٍ في الشّارعِ لا أعرفُ ماذا أفعل، فكّرتُ أنْ أصعدَ وأسألَ هؤلاءِ العاشقينِ المنغمسينِ في الابتسامِ أمامَ أشعّةِ الشّمسِ. ثمَّ قرّرتُ أنْ أَدخُلَ المطعمَ الصّغيرِ. لنْ يتعرّفَ عليَّ أحد: نمتْ لي لحيةٌ خفيفةٌ في أثناءِ أزمتي الصّحيّة، وصارَ وجهي أنحَفَ. مع جلوسي على الطّاولَة، تراءَت ليّ السّيدةُ غابين وفي يدِها قِرشَيْنِ لتشْتري فنجانًا منَ القَهوةِ؛ تسمّرتْ أمامَ البَائعةِ، كانتا تتحدّثانِ عنِ الأحداثِِ ككلِّ يوم. جلستُ أستمعُ بانتباه.
-حسناً! قالتِ البائعةُ، ما كانَ قرارُ تلك المِسكينةُ منَ الطّابقِ الثّالثِ؟
-ماذا تعتقدين؟ أجابتِ السيّدةُ غابين، كانَ ذلكَ أفضلُ ما يمكنُ فعلُه. أظهرَ لها السّيدُ سيمونو الكثيرَ منَ الصّداقة!... لقدْ أنهى جَمعَ ميراثه الضّخم لحسنِ الحظّ، واقترحَ أنْ يأخُذَها معهُ إلى بلدتِه، لتعيشَ معَ إحدى عمّاته الّتي تحتاجُ شخصًا يمكنُ الوثوقَ بهِ إلى جانِبها.
ارتسمَتْ ضحكةٌ خفيفةٌ على وجهِ البائعةِ. أخفَيْتُ وجهي الشّاحبَ بجريدةٍ، وارتعدَتْ يدايَ على إثرِ الخبَرِ.
-سينتَهي الأَمرُ بزواجٍ بينهُما دونَ شكّ، واصلتِ السّيدةُ غابين.
لكن أُقسِمُ لكِ بشرفي أنّني لم أُشاهدْ بينهُما أيَّ أمرٍ مريب. كانتِ الفتاةُ تبكي وفاةَ زوجها، والسّيدُ سيمونو كانَ يتصرّفُ معهَا جيّدًا... حينَ ستنتهي فترةُ حدادِها، سيفعلانِ ما يبدو لهُما لائقًا، أليسَ كذلك؟
في هذه الأثناءِ، انفتحَ بابُ المطعَمِ عنْ آخرهِ، ودخلتِ الصّغيرةُ ديدي.
-أمّي... ألنْ تصْعدي؟ أنا أنْتظرُكِ، تعالَي بسُرعة.
-سآتي فورًا، أنتِ تزعجينَني! قالتِ الأمّ.
ظلّتِ الصّغيرةُ تُنصتُ لحديثِ السّيدتَينِ باهتمامٍ لا يلائمُ طفلةً دُفِعَت لشوارعِ باريس في سنٍّ مبكّرة.
-بعدَ كلِّ شيء، لم يكنْ الفقيدُ ليجاري السّيدَ سيمونو في أيِّ شيءٍ، قالتِ السّيدةُ غابين، لم أشاهِدْ عليهِ علاماتِ الرّجولةِ، هذا الهشّ. كانَ يئنُّ باستمرارٍ. ولم يكُنْ يملكُ المال. لا! رجلٌ بهذه المواصفاتِ لا يلائمُ سيّدةً جميلة... بينما السّيدُ سيمونو رجلٌ غنيّ، وقويٌّ جدًّا كالأتراكِ...
-آه، قاطعَتهُم الصّبيةُ، لقد شاهدتُهُ ذاتَ يومٍ بينما كانَ يستحمّ، يداهُ ممتلئتانِ بالشَّعر.
-ألم تذهبِي بعدُ؟ صرختِ السّيدةُ غابين بديدي ودفَعتْها، أنتِ تحشرينَ أنفكِ دائمًا في ما لا يخصّكِ.
ثمَّ لنختِم هذا الحِوار:
-لقد أحسنَ الآخرُ لها بأنْ ماتَ. أتاحَ لها فرصةً غيرَ مسبوقة.
حينَ خرجتُ للشّارعِ، مشيتُ ببطئٍ. بالكادِ حملتني ركبتايَ، لكنّي لم أشعُرْ بالألمِ.
لقد بلغَ بي الأمرُ أنْ ضحكتُ حينَ رأيتُ ظلّيَّ منبعثًا على الأرضِ. في الحقيقةِ، لقد كنتُ غثًّا بأن تزوّجتُ مارغريت. ثمَّ تذكّرتُ معاناتَها في غيراند، قلَقها، حياتها البئيسةَ والمتعِبة. كانتْ زوجتي العَزيزةُ جيّدة. لكنّني لم أكُنْ أبدًا عشيقَها، لقد بَكَتْ فقدانَ أخٍ. لماذا أُفسدُ حياتها مرّةً أخرى؟ المَيّتونَ لا يغارون. حينَ رفعتُ رأسي شاهدتُ أمامي حديقةَ اللوكسمبورغ. دخلتُها واتّخذتُ ليّ مقعدًا في الشّمس، مستغرقًا في حلمٍ هادئ. فكرةُ مارغريت جعلتني أرِقُّ. تخيّلتُها في إحْدى المقاطعاتِ، سيدةً في إحدى المدُنِ الصّغيرةِ، سعيدةً ومحبوبةً للغاية. تخيّلتها أجملَ، وأمًّا لثلاثِ أولادٍ وبنتَيْن. حسناً! لقد كنتُ رجلاً شجاعًا بأنْ مُتّ، ولنْ أقدِمَ على تلك الحماقةِ الفظّةِ بأنْ أعودَ للحياةِ.
منذُ ذلك الوقتِ، سافرتُ كثيرًا، وعشتُ كلَّ فترةٍ في مكانٍ معين. أنا رجلٌ نكرة، يعملُ و يأكلُ كما يفعلُ الجميعُ. لم يعُد المَوتُ يُرعبُني؛ لكنْ بدا لي أنّه لم يَعُدْ يرغبُ بي هو الآخر، الآنَ بعدَما لم يعدْ لي أيُّ سببٍ للحياةِ، أخشى أنَّ المَوتَ قدْ يَنساني.


-تمّت-


ترجمة: Achraf Nihilista

السبت، 25 يوليو، 2015

الجزء الرابع: موت أوليفييه بيكاي - إميل زولا





للوصول للجزء الأول: يرجى الضغط هنا.
للوصول للجزء الثاني: يرجى الضغط هنا.
للوصول للجزء الثالث: يرجى الضغط هنا.


الفصل الرابع:


كم منَ الوقتِ سأبقى على هذه الحالِ؟ لا أدري.
الثّانيةُ الوَاحدةُ تساوي الأبديّة حينَ يتعلّقُ الأمرُ بالعدمِ. لمْ أعد موجوداً. عادَ وعيي شيئاً فشيئاً. كنتُ ما أزالُ نائماً، وسرعانَ ما بدأتُ أحلمُ. نجحَ كابوسٌ في التّحررِ من القاعِ الأسودِ الّذي يحدّ أفقي. وذلك الحلمُ الّذي كنتُ به هو إحدى تخيّلاتي الغريبة الّتي عذّبتني طويلاً في الماضي، بعينين مفتوحتين، حينَ كانتْ تُساعدُني طبيعتي المُتقبّلةُ للبشاعةِ على تذوّق هذه اللّذة الشّنيعةِ في خلقِ مصائبَ لِنَفسي.
تخيّلتُ إذن أنّ زوجتي تنتَظرني في مكانٍ ما، فِي غيراند، وأنّني أَخَذتُ القطارَ لأصلَ إليها، وبينما يَعبرُ هذا القِطارُ نفقاً، وصَلَنا صوتُ انفجارِ. كان هذا صوتَ انهيارَيْنِ صخريينِ حدثَا في الوقتِ نفسِه. لم يلحق القطارَ أيّ أذى؛ فقط مدخلُ و مخرجُ النّفق اللّذَيْنِ أغلقَا. و هكذا حُبِسنَا داخلَ جبلٍ  بَينَ حجرَيْنِ كبيرَيْنِ للغاية. و بقينا على هذه الحالِ حتى تيقنّا أنّها لحظاتُنا الأخيرةُ، إذْ لم يكن هناك أيّ أملٍ للإنقاذِ أو النّجاةِ؛ يَلزمُهُم شهرٌ كاملٌ على الأقل ليفتحوا إحدى الجِهتيْنِ؛ وحتّى إنْ تحمّلنا ذلك الشّهر، فإنّ عمليّةَ الإنقاذِ في غايةِ الخطورةِ و تتطلّبُ حذراً كبيراَ وآلاتٍ ضخمة. وجدنا إذن أنفسنا سجناءَ في كهفٍ دون مخرجٍ. لم يكن موتنا جميعاً إذن إلّا مسألةَ ساعاتٍ.
دائما ما تكرّر هذا الحدَثُ المُريعُ في ذهني. وكنتَ أطوّرُ هذه الدْراما إلى ما لا نهاية. لديّ العديدُ من الشّخوصِ في ذهني، من أطفالٍ ورجالٍ و نساء، أكثر من مائةِ شخصٍ، يتعاونون لمنحي حلقاتٍ جديدة كلَّ مرّة. كانت هنالك بعض الاحتياطات في القطارِ؛ لكن سرعانَ ما تناقصَ الطّعامُ، وقبلَ أن يبلغوا مرحلةَ أكلَ بعضِهم بعضاً، كان هؤلاء المساكينُ الجَوْعَى يتقاتلون حتّى آخرِ قطعةِ خبزٍ. رأيتُ رجلًا طاعناً في السّن يحتضرُ بعد أن ضربهُ أحدهم؛ وأُمًّا تقاتِلُ كالذّئابِ لحمايةِ آخر ثلاثِ أو أربعِ مُضَغٍ من أجلِ طِفلِها. وفي العربةِ حيث ركبتُ، كان هناك شابّ حديثُ العهدِ بالزّواج ملتصقٌ بزوجته ولا يكاد يفارقها، لم يأملا في أيّ شيءٍ، و لم يتحرّكَا أبداً. كانت الطريقُ مفتوحةً، والنّاسُ ينزِلونَ و يطوفونَ جميعَ أنحاءِ القطارِ كوحوشٍ مسعورةٍ تبحثُ عن فريسةٍ. اختفَتِ الطّبقاتُ تماماً، كان هناك رجلٌ غنيٌّ جداً، وهو موظّف عالي المقام، يبكي معانقاً عاملاً، ويحدثّه بصيغةِ المُفردِ كما يحدّث أصدقاءهُ. بعد مرورِ ساعاتٍ قليلةٍ، انطفأت جميعُ الأنوارِ، وأضواءُ قمرةِ القيادةِ أُضمِرت هي الأخرى. حين كانوا يمرّون من عربةٍ إلى أخرى، كانوا يتحسّسون الطّريقَ بيدهم خِشيةَ السّقوطِ أو الارتطامٍ بشيءٍ ما، ومَشوا بهذه الطّريقةِ حتّى بَلغوا قُمرةَ القيادةِ النّائمةِ، بقوّتها الكبيرةِ الّتي لا تفيدُ وصَمتِها وسُكونِها في الظّلام. لا شيءَ ينشُرُ الرّعبَ أكثرَ من هذا القطارِ، المحبوسِ كليًا تحتَ الأرضِ، كأنّه مدفون حياً. مع المسافرينَ به الّذين يموتونَ واحداً تلو الآخر.
تمالكتُ نفسي وخرجتُ من القطارِ، أصواتُ الصّراخ تنتشِر في الظّلام.
فجأةً، سقط شخصٌ على كتفي، كان شخصاً لم يسبقْ ليّ أنْ رأيتُه ولم اكنْ أَعلمُ حتّى بوجودِه. لكن، ما عانَيْتُ منه خصوصاً، كان البردَ وقلّة الهواءِ. لم يسبِق لي أن شعرتُ بالبردِ لهذه الدّرجة؛ سَقطتْ عليَّ كمّية كبيرةٌ من الثّلجِ، وكانتِ الرّطوبةُ الخانقةُ تطبقُ على رأسي. كِدتُ أختنقُ مع كلِّ هذا، كأنَّ الصّخرةَ الّتي تحدّ النّفق موضوعةٌ على صدري، وكأنّ الجبلَ نزلَ بكلّ ثقله عليّ. في خضم ذلك كلّه، سمعتُ صوتَ صراخٍ. منذ مدّة ونحن نسمعُ ضجيجاً يأتي من بعيدٍ، وكنا نقول في أنفسنا إنّهم يعملونَ على إنقاذنا وإنَّ ذلك هو مصدرُ الضّجيجِ.  لكنَّ الخلاصَ لم يأتِ منْ هناك، وجدَ أحدُ الأشخاصِ ثقباً في النّفقِ، وركضنا مجتمعين باتّجاهِ هذا الثّقب الّذي تراءتْ لنا بقعةٌ زرقاءُ من خلاله. أوه! يا لها منْ سعادة، هذه البقعة الزّرقاء! لقد كانتِ السّماء. كنا نتقدّم صوْبها لنتنفّس. لاحظنا نقاطًا سوداءَ تتحرّك في الأعلى، لا بدّ أنّهم عمّال القطارِ يسعوْن لإنشاءِ رافعةٍ بغرضِ إنقاذنا. انطَلَقَتْ صيحةٌ حماسيّةٌ في الفضاءِ:
"لقد نجونا! لقد نجونا!" خَرجتْ موحّدةً من جميعِ الأفواهِ، بينما كانت أيادي الجميع مرفوعةً باتجاهِ البقعةِ الزّرقاءِ.
كانت حدّة وحماسّةُ صيحاتِهم الِتي أيْقظتني. أيْن أنا؟ في النّفقِ بلا شكّ! وجدتُ نفسي مستلقياً، وتحسّستُ على يميني و يساري جِدارانِ قويّان يمنعانني من الحرَكَة. أَرَدْت النّهوضَ، ولكن رأسي ارتَطمَ بشيءٍ قاسِ. هلْ كان هذا الحَجرُ مطبقاً عليَّ منْ كلِّ الجهاتِ؟ حتى أن البقعةَ الزّرقاءَ اختفت تماما. لم أعد ألمحُ السّماءَ ولوْ حتى من بعيدٍ. بالكادِ كنتُ أتنفّس، وأقشعرّ جسدي منَ الخَوفِ.
وتذكّرتُ فجأةً كلّ شيءٍ. شعرتُ بخوفٍ شديدٍ منَ الحقيقةِ غيرِ المرغوبة التي سرَتْ في جسمي كلّه، من أسفلِ قدمي حتّى أعلى رأسي. هل خرجتُ أخيراً من هذا الإغماءِ الّذي أصابني لساعاتٍ طويلةٍ بتخشّبٍ تامٍ؟ نعم، أنا قادرٌ على تحريكِ يدي في كافّة أنحاءِ هذا النّعش. بقي أمرٌ واحدٌ لأتأكّد من أنّني حيّ: فتحتُ فمي و نطقتُ منادياً مارغاريت بعفويّة. ناديتُها صارخاً، وتردّد الصّوتِ في هذا المكانِ جعلهُ يبدو مرعباً لدرجة أنّني ارتعدتُ عندَ سماعهِ، يا إلهي!
هل هذا حقيقيٌ؟ إنْ كان كذلكَ فهذا يعني أنّه بإمكانيَ المشيُ، والصّراخُ أنني حيّ، لكنّ صراخي لن يُسمع، لأنّني محبوسٌ في صندوقٍ ومدفونٌ تحت الأرضِ.
تطّلب منّي الأمرُ الكثيرَ من الجهدِ لأهدأَ وأعودَ إلى رشدي. أ لا توجدُ وسيلةٌ للخروجِ من هنا؟ عدتُ للحلمِ منْ جديدٍ إذْ لم أكن صلبَ التّفكيرِ بعد. ذهبتُ بخيالي للثّقب في النّفقِ و البقعةِ الزّرقاءِ، مع واقعِ الحُفرةِ حيثُ أختنق. كانت عينايَ مفتوحتانِ في الظّلام وتبحثانِ عبثاً عن ثقبٍ أو فتحةٍ ينفذُ منهَا شعاعُ ضوءٍ. وحدها شراراتُ نارٍ كانت تظهرُ من حينٍ لآخرَ، تظهرُ حمراءَ واضحةً، تكبرُ ثم تضمرُ. لا شيءَ، هوّةٌ سحيقةٌ مظلمةٌ لم أستطِع استيعابَها. بعدها استعدتُ وعيي وأبعدتُ عني ذلك الكابوسَ. كان عليَّ أنْ أستعيدَ عقلي كلّه إنْ أنا أردتُ بلوغَ الخلاصِ. أوّلُ وأكبرُ خطرٍ أواجههُ هو تناقصُ الهواءِ والاختناقِ. لا شكَّ أنّني بقيتُ مدّةً طويلةً دونَ هواءٍ، ذلك عائدٌ للإغماءِ الّذي عطّلَ كلَّ جسدي؛ لكن الآن وقلبي ينبضُ ورئتايَ تتنفّسانِ، سأموتُ اختِناقاً. وإذا لم أخْرُج سريعاً، سأعاني أيضاً من البردِ، ولَكَمْ أخشى أن أموتَ بهذا الخدرِ القاتلِ الّذي يصابُ به أولئك الّذين يسقطونَ في الجليدِ، دون أن تعودَ لهم القُدرةُ على الوقوفِ.
و أنا أكرّرُ لنفسي أنّني يجبُ أنْ ألتزمَ الهدوءَ، اجتاحَت موجةُ حماقةٍ أخرى دماغي. ومن ثمَّ أخرجتُ منه كلَّ ما أعرفُه عنْ طرائِق الدّفن. دون شكٍّ، أنا في قبورِ الخمسِ سنواتٍ؛ منحني ذلك بعضُ الأملِ، لأنّني لاحظتُ ذلك منْ قبلُ في نانت، إنَّ هذا النّوعَ منَ القبورِ يتركُ قدمَ آخرِ نعشٍ مدفونٍ ظاهرةً، سيكفيني إذن كسرُ الخَشبةِ أمامَ رجلي لأهرُبَ. لكن إنْ كنتُ في قَبرٍ لوحدي، فهذا يعني أنّه ثمّة  كميّةٌ هائلةٌ منَ التُّرابِ تعقوني.
لقد سمعتُ في الماضي أنّهم يدفنونَ بعمقِ ستة أقدامٍ في باريس. كيف سأحفِر عبر تلك الكتلةِ منَ التّراب؟ حتى وإنْ نجحتُ في فتحِ النّعش، ألن تنفذَ إليّ التربة كرمل دقيقٍ وتملأ فمي وعيني؟ وسيكون ذلكَ أكثرَ منْ مجرّدِ وفاةٍ، ستكونُ وفاةً شنيعةَ، غرقاً في الطّين.
رغم ذلك، تحسّست بيدي كلَّ ما حولي. كان النّعش كبيراً بما يكفي لأحرك يدي بأريحية. لم يتركوا أيَّ ثقبٍ في الغطاءِ العلوي. في اليمين و اليسار، لم تكنِ الأخشابُ مقطوعةً بشكلٍ جيّدٍ لكنّها كانت قويّة وصلبةً. جمعت يديّ على مستوى صدري، لأرفَعَهُما إلى رأسي. وهناكَ، اكتشفتُ عقدةً في خشبةِ الطّرفِ تُفتحُ بسهولةٍ تحتَ الضّغط؛ عملتُ بجهدٍ كبيرٍ على فتحِها، وحينَ أخرجتُُ إصبعي، عرفتُ نوعَ التّربة، كانت تربةً طينيّةً مبلّلةً. لكنَّ هذا لنْ يقودني إلى شيءٍ، حتّى إنّني ندمتُ على فتحِ هذه العقدةِ كما لو أنَّ التّربةَ كانتْ ستَدخل. تجربةٌ أخرى كانتْ تشغَلني: أنْ أضربَ على جنباتِ النّعش لأرى هل هناكَ منْ فراغٍ حولي. لكنَّ الصّوتَ كان نفسهُ. ولأنّني كنتُ أضربُ بقدمي على الطّرف الآخرِ، اعتقدتُ أنَّ الصّوت مختلفٌ منْ هناكَ، ربّما الأمرُ راجعٌ لطبيعةِ الخَشبِ. وهكذا بدأتُ دفعاتٍ خفيفةٍ بيدايَ نحوَ الأمامِ، ولأنَّ الخَشبَ كانَ قويًّا، استعنتُ بركبتيّ، مستندًا على القَدمينِ ووسطِ الجسمِ. لم يحدثْ أيُّ شيءٍ، ما دفعني إلى أنْ أستعملَ كلَّ قوّتي، و أدفعَ بكاملِ جسدي، على نحوٍ شديد، حتى بدأتُ أسمعُ صوتَ عظامي،  في تلك اللّحظةِ استشطتُ غضباً.
حتى الآن، قاومتُ الدّوارَ ونوباتِ الغضبِ الّتي تتصاعدُ من حينٍ لآخرَ في جسدي كالسّم، وحرصتُ حرصاً شديداَ على كتمانِ صراخي، لأنّني علمتُ أنّني إنْ صرختُ سينتهي أمري. ولكنْ بعدَ لحظةٍ، بدأتُ في الصّراخِ والعَويلِ، لقد تجاوزَني هذا تماماً. كنتُ أصرخُ طالباً النجدةَ بأصواتٍ خارجةٍ منْ حنجرتي ولم أستطِعْ تمييزها. كلُّ نداءٍ غيرِ مستجابٍ كان يزيدُ منْ توتّري ويجعلني أصرخُ أكثرَ وأكثرَ لأنّني لا أريدُ المَوتَ. ثمَّ خدشتُ الخشبَ بأظافري، كنتُ أتشنّج مثلَ ذِئبٍ محبوس. كم منَ الوقتِ ستدومُ هذه الورطة؟ لا أعلم، لكنّني أشعرُ بصلابِة هذا النّعش الّذي لم يَلِن، كانتْ تتردّدُ في أذني عاصِفةُ الصّراخِ والضّربِ الّتي قُمتُ بها توّا. كنتُ أريدُ منعَ نفسي عَن ذلكَ لكنّني لم أستطِع.
أدى ذلك كلّه إلى موجةِ حُزْن. كنتُ أنتظرُ الموتَ وأنا داخلَ غيبوبةٍ مقيتة. هذا النَّعشُ أقربُ ما يكونُ إلى الحَجَر، لنْ أتمكنَ منْ إحداثِ شقٍّ به؛ وهذا اليقينُ بهزيمتي جعلني غيرَ قادرٍ على الحركة، وأفقدني أيّةَ رغبةٍ في المحاولةِ منْ جديد. انضمتْ معاناةٌ جديدةٌ إلى البَردِ والاختناق، معاناةُ الجُوع. أنا أضْعُفُ شيئًا فشيئًا، وهذا العذابُ يصيرُ غيرَ محتمل. حاولتُ أنْ أدخل بإصبعي بعضَ التُرابِ منَ العُقدة التي فُتِحَتْ سابقًا لآكله، ما ضاعفَ عذابيّ كثيرًا. كنتُ أعضُّ يدي، دونَ أنْ أجرؤ على خمشِها. لحمي يغويني لأكله، لحستُ جلديّ دونَ أنْ أملُكَ الشّجاعةَ لأغرسَ أسناني به.
آهٍ كم كنتُ أتمنى الموتَ في هذه اللّحظات! ارتعبتُ طيلةَ حياتي منَ العدم، والآن أريده، أرغبُ به، مهما كانتْ حِلكته، فلنْ يكونَ أحلكَ منْ هذا الوضع. أيّةُ صبيانيّةٍ في أنْ ترفضَ النّومَ دونَ أحلام، هذا الصمتَ المقفِرَ والظلامَ الأبديّ! ليسَ الموتُ جيّدًا إلاّ لأنّه يمحي الوجودَ بضربةٍ واحدة، دونَ عودة. آه! أنْ ترقُدَ مثلَ الأحجار، أنْ تتحللَّ وسطَ الطِين، أنْ لا توجدَ بعد!
 استمرتْ يدايّ في تحسُسِ الخَشبِ بطريقةٍ آلية. فجأةً، شعرتُ بوخزةٍ في إبهامِ يدي اليُسرى، ساعدني هذا الألمُ الخفيفُ على الاستيقاظِ منْ تأملاتي. ما كانَ هذا إذن؟ أعدتُ التحسسَ منْ جديد، وعرفتُ أنّه مِسمار. مسمارٌ غرسه متعهدو الدَّفنِ في النَّعش لكنّه لم يمسكِ الخشب. كانَ مسمارًا طويلاً وحادًا يمسِكُ رأسه غطاءَ النّعش، لكنّي أحسستُ أنّه يتحركُ كثيرًا. منذُ تلك اللّحظة، استحوذتْ عليَّ فكرةٌ واحدة: أنْ أنتزِعَ ذلك المسمار. مرَّرْتُ بيديّ اليمنى منْ على بطني وشرعتُ بتحريكه. لم يفضِِ ذلك العملُ المضني إلى شيء. كنتُ أبدِلُ اليدين كثيرًا، لأنَّ يديّ اليسرى كانتْ قريبةً منْ مكانِ المسمار، ما كانَ يؤدي إلى إرهاقها بسرعة. بينما كنتُ منهمِكًا في العمل، كانَ ذهني يعملُ ويخطِط. لقد صارَ هذا المسمارُ مُفتاحَ نجاتي، صرتُ أريده بأيِّ ثمن. أمازالَ في الوقتِ متسع؟ الجوعُ يقتلني، اضطرّرتُ للتوقفِ خوفًا منْ دوارٍ يشلُّ يدي، بدأ تركيزي يتداعى. لحسْتُ القطراتِ القليلةَ التي تسيلُ منْ إبهامي. ثمَّ انتهيتُ لقضمِ يدي، وشربِ دمي. دُفِعْتُ تحتَ تأثيرِ الألمِ وهذا النبيذِ الأحمرِ الذي يبللُّ شفاهيّ إلى الشُروعِ في العملِ منْ جديدٍ بقوَّةٍ أكبر. لقد نجحتُ في اقتلاعِ المسمار.
 منذُ هذه اللّحظة، آمنتُ بالنّجاح. كانتْ خطتي بسيطة: أنْ أُدْخِلَ الجهةَ الحادةَ منَ المسمارِ في الخشبِ وأرسمَ خطًا مستقيمًا طويلاً قدرَ المُستطاع، أنْ أنبشَ بالمسمارِ جيئةً وذهابًا لحدِّ إحداثِ شرخٍ في الخشبة. بدأتْ يدايّ في التصلّب، لكنّني كنتُ مُصّرًا. بعدَ  انقضاءِ مدّةٍ على هذه الحال، اعتقدتُ أنّني أضعفتُ الخشبَ بما يكفي، ففكرتُ أنْ أستديرَعلى بطني وأحاولَ الوقوفَ مُستنِدًا على اليدينِ و الركبتين، دافعًا الخشبَ بالجزءِ الأوسطِ منْ جسمي. ولكنْ، إنْ لم ينفتحْ هذا النّعش، فذلك يعني أنّني لم أنبشْ بالمسمارِ كفايةً، وأنَّ الشرخَ لم يكنْ عميقًا بما يكفي. كانَ عليَّ أنْ أستديرَعلى ظهريّ منْ جديدٍ وأستمرَ بالنّبش، ما كلفني جهدًا كبيرًا.
أخيرًا حاولتُ منْ جديد، هذه المرَّةُ انفتحَ النّعشُ منْ الأعلى كاملاً، في الحقيقة، لم أكنْ قد نجوتُ بعد، لكنَّ الأملَ استولى على قلبي.
 توقفتُ عنْ الدفعِ وعنِ الحركة، مخافةَ أنْ أقومَ بحركةٍ خاطئةٍ تؤدي إلى دفني تحت التراب. كانتْ خطتي أنْ أستعملَ غطاءَ النّعشِ كحمايةٍ ليّ منَ الترابِ بينما أحاولُ شقَّ مخرجٍ فيه. للأسف، كانَ هذا العملُ صعبًا للغاية: كانتْ تلك الكتلُ الطينيّةُ تفلتُ وتحدثُ تصدعاتٍ في الخشبِ مُصعِبَةً عليَّ المهمة؛ لنْ أبلغَ السطحَ أبدًا، إذ إنَّ الترابَ كانَ يضغطُ على عموديّ الفقريّ ويدفعني للأسفلِ في التراب.
تملكني الخوفُ حينَ مدَّدتُ رجليّ للأمامِ باحثًا عنْ نقطةٍ أستندُ إليها، ووجدتُ أشبه ما يكونُ بالفراغِ يتلو الخشبةَ التي تحدُّ النّعش، وكانتْ تبدو ضعيفةً حينَ أضغطُ عليها. رفستُ بقوَّةٍ بأسفل قدمي، معتقدًا أنَّ ثمة حفرةً في ذلك المكان، أنَّ هنالك حفرةً أخرى خلصوا منْ حفرها.
فجأةً، أحسستُ برجلي في الفراغ. كانتْ نبوءتي صحيحة: توجدُ حفرةٌ جديدةٌ هناك. لم يكنْ أمامي سوى حاجزٍ ترابيّ ضعيفٍ أحفره حتى أخرج. يا إلهي! لقد نجوت!
بقيتُ ممدَّدًا على ظهري للحظةٍ وعيني على الثقبِ في الأسفل، كانَ الوقتُ ليلاً، والنجومُ متوهجةٌ في السّماء. يصلُّ منْ حينٍ لآخر بردٌ خفيفٌ ليذكرني بجوِّ الربيع. يا إلهي! لقد نجوت، إنّني أتنفس، أشعرُ بالحرارة، أبكي ناطقًا كلامًا غيرَ مفهوم، ويدايّ مفتوحتانِ أمامَ الفضاءِ الشاسع. آه! ما أجملَ أنْ يعودَ المرءُ للحياة!






...يُتبع



ترجمة: Achraf Nihilista

الأحد، 19 يوليو، 2015

الجزء الثالث: موت أوليفييه بيكاي - إميل زولا





للوصول للجزء الأول، يرجى الضغط هنا.
للوصول للجزء الثاني، يرجى الضغط هنا.




الفصل الثالث:


لمْ يعدْ بإمكاني الحديثُ عنِ احتضاري في صبيحةِ اليوم الموالي. كانَ الأمرُ أشبهَ بكابوسٍ مروِّعٍ جعلَ مشاعري في تفردٍ واختلاطٍ منقطعِ النظير، لدرجةٍ يصعبُ عليَّ معها التعبيرُ عنها. انتظارُ استيقاظٍ مفاجئٍ كانَ يجعلُ عذابيَّ أقسى وأقسى، وكلّما اقتربتْ ساعةُ الدَّفنِ أكثر، تمكنَ الخوفُ مني أكثر.
استغرقَ الأمرُ حتى حلولِ الصَّباحِ لأستعيدَ وعيي بما يدوُر منْ حولي. صريرُ فتحِ النافذةِ أيقظني منْ غفوتي. كانتِ السَّيدةُ غابين هي منْ فتحَ النافِذة. كانتِ السَّاعةُ حوالي السابعة صباحًا، لأنّني سمعتُ صوتَ الباعةِ في الشَّارع، وصلني صوتُ فتاةٍ صغيرةٍ تبيعُ الكزبرة، وأخرى تبيعُ الجزَّر. هذا الاستيقاظُ المزعجُ لباريسَ هدأني أولَ الأمر: منَ المستحيلِ أنْ يكونَ مصيري الترابُ وسطَ كلِّ الحياةِ المحيطةِ بي. ثمَّ تبادرتْ إلى ذهني ذكرى طمأنتني تمامًا، تذكرتُ حالةً مشابهةً لحالتي، حدثتْ حينَ كنتُ موظفًا في مستشفى غيراند: نامَ أحدهم مدةَ ثمانٍ وعشرين ساعة، كانَ نومه عميقًا جدًا لدرجةِ أنَّ الأطباءَ حاروا في إعلان وفاته؛ ثمَّ تمكنَّ هذا الرجلُ في النهايةِ منَ الجلوس، لقدِ انتهى به الأمرُ بأنِ استيقظ. أنا نمتُ مدّةَ خمسٍ وعشرينَ ساعة، إذا حدثَ واستيقظتُ حوالي العاشِرة صباحًا، فلنْ يكونَ الوقتُ قد تأخرَ بعد.
بَدَأْتُ أحاولُ مَعرفةَ مَا يقومُ بِه كلُّ شَخصٍ مِن حَولِي. الصَّغيرةُ ديدي كَانت تلعبُ أمامَ الغُرفةِ، لأنّني سَمعتُ ضَحكاتِ طِفْلٍ تَنفذُ عبرَ بابِ الغُرفةِ المَفتوحِ. دُونَ أدنى شّك، لم يكنْ سيمونو في الغُرفةِ: لا يُوجَدُ أيُّ أَثرٍ لحضورهِ. كُنتُ أَسْمعُ صوتَ شِبشبِ السّيدةِ غابين. وأخيرًا سَمعتُ صَوتًا جَديدًا.
-عزيزتي، أنتِ مُخطئةٌ بِعدمِ شُرْبكِ إِيّاهَا سَاخِنةً. قالتِ العَجوز.
مِنْ صَوْتِ الإِبريقِ على نارِ المِدفأَةِ، فَهمتُ أنّهما تَتحدّثانِ عنِ القهوةِ.
-ليسَ لِمجردِ الحَديثِ، لكنّني احتجتُ هذا دَائِمًا، وَاصلتِ العجوزُ حَديثَهَا، فِي عُمري هَذَا،  لا يَضرّني السّهرُ أَبداً. وَأَعلمُ كَم يَكونُ اللّيلُ شَاقًّا في أثناءِ أحداثٍ بمثلِ هذَا السّوءِ... اشرَبي إذن بَعْضَ القهوةِ  يا عزيزتي، رَشفةً واحدةً فقط.
ثمَّ سَاعدتْهَا على شُرْبِ فِنْجانٍ كامِلٍ.
-كيفَ وَجدْتِها إذن؟  إنّها سَاخنةٌ وسَتُفِيدُكِ. أنتِ تحتاجينَ الكَثيرَ مِنَ القوّةِ للوقوفِ حتى آخرِ النّهار... الآنَ سَيكونُ جَديرًا بِكِ الذّهابُ إلى غُرفتي والانتظارُ هُناكَ...
-لا، أريدُ البَقاءَ هُنَا. أَجابتْ مارغريت في حزمٍ.
لَمْ أسمعْ صوْتها منذُ البارحَةِ، لقد أثّرَ عليَّ سماعهُ الآن. بَدا صوْتُها مُتَغيّرًا، مُنكسِرًا منَ الألمِ.
آه! يَا زَوجتيَ العَزيزة! كُنتُ أحِسّها قَريبةً مني، وكأنّه عًزاءٌ أخيرٌ. وَأعلمُ أَنَّ عَينهَا لَمْ تُغادِرني طوال اللّيلِ، وأنّها ستبْكيني حتى آخرِ دَمْعِهَا.
مرَّتِ الدَّقَائِق، وسَمِعْتُ عندَ البابِ ضجيجًا لم أكنْ قادرًا على تفسيرهِ أوّلَ الأمرِ. كانَ شبيهًا بِصوْتِ نقلِ أثاثٍ عَبْرَ سُلّمِ الفُندقِ الضّيقِ. ثمَّ فَهمتُ الأَمرَ حينَ سَمعتُ مارغريت تبكي. لَقد كانَ ذلك النّعش.
-لقد جِئْتُم بَاكِرًا جدًّا، قالتِ السَّيدةُ غابين في انزعاجٍ واضحٍ، ضَعوهُ خَلفَ السّرير.
كم كانتِ السّاعةُ حينَها؟ أَعتقدُ أنّها التّاسِعَة. وكانَ نَعْشِي قد وَصل. وكُنتُ أراهُ في منامي سميكًا، جديدًا، وكأنَّ ألْواحهُ عُدِّلَت للتّو. يا إلهي! هل انتهى كلُّ شيء؟ هل سأُحمَلُ في هذا الصّندوقِ الّذي أتَحسّسه عندَ قَدَمي؟
انْتابَتْنِي مَع ذَلِكَ سعادةٌ لا تُوصَف. مارغريت، ورغمَ إرهاقها الشّديد، أرادتْ أنْ تعتنيَّ بي. تولتْ بنفسها مهَمةَ إلباسي بمساعدةِ السَّيدةِ غابين، بحنانِ الأختِ والزَّوجة. شعرتُ أنّني بينَ ذراعيها مرَّةً أخرى، مع كلِّ قطعةِ ثوبٍ تُلبسني إيّاها. وتوقفتْ وهي متأثرةٌ جدًا؛ عانقتني حتى بللتني دموعها. تمنيتُ لو أستطيعُ ردَّ عناقها وأصرخ: "أنا حيّ!" بقيتُ كما أنا، لا حولَ لي ولا قوَّة، مجردُ كتلةِ لحمٍ جَامدة.
-أَنتِ مُخْطئة، كلّ هذا سَيضيع. قالتِ السّيدةُ العَجوز.
أجابتها مارغريت بِصوتٍ مُتَقَطّعٍ:
-دَعيني، أُريدُ أنْ أُلبِسهُ أَجْملَ ما نَملكُ.
فَهمتُ أنّها تُلبِسُني مَا كنت أَرْتَدِيه في يَومِ زفافِنا. احتفظتُ بملابسِ ذلك اليومِ، و قَرّرْتُ أن لا أَسْتعمِلها في باريس إلا في الأيّامِ المُهِمة. بعدها، رَمَتْ نَفسهَا على الكُرسِي، مُتعَبَةً من كلّ ذلك المَجْهودِ الّذي بَذَلتُه.
ثم تدخّل سيمونو فجأةً، لا بد أنَه دَخَلَ تَوّا:
-إِنّهُم في الأَسفل.
-حسناً، لَم يَأتوا باكراً، أجابت السيدة غابين، ثمّ خَفَضَت صَوْتَهَا قَائِلَةً، أَخُبرهُم أن يَصْعدوا، عَلَيْنَا إِنْهَاءُ الأَمرِ.
-أنا خائِفٌ من انهيارِ هَذه المِسكينة.
-اسمع، سيّد سيمونو، خُذْهَا بالقُوّة لِغُرفتي... لا أُريدها أن تَبْقَى هُنا. هذا لِمَصْلَحَتِهَا... وسَنُنهي الأَمْرَ بِسُرْعَةٍ.
لامَسَت كَلِمَاتُها هَذِه قَلْبِي مُبَاشَرَةً. مَاذَا سَأَفْعَل، حينَ أَسْمعُ مُقاوَمَتَهَا لهم. اقتربَ سيمونو من مارغريت، وَ رَجَاهَا أن تَتْرُكَ الغُرْفَة.
خاطَبَهَا قَائِلاً:
-أرجوكِ، تَعالي مَعِي... أَريحِي نفسكِ مِن مُعَانَاةٍ لا تُفِيدُ في شيءٍ.
-لا، لا، أجابت زَوْجَتِي، سَأبْقَى، أُريدُ الَبقاءَ حتّى آخرِ لَحْظَةٍ. فَكِّر قَليلاً، لَيسَ لي غَيرهُ في هَذَا العَالمِ، وسأكونُ وَحيدةً تَماماً حين يرحل.
ولكن، قُربَ السّريرِ، هَمَسَتْ السّيدةُ غابين في أُذنِ سيمونو قائِلةً:
-هيّا، مَاذا تَنْتَظِر؟ احملهَا بيْنَ ذِراعَيْكَ.
هَل سَيَفعلُ سيمونو؟ هَل سَيَحملُ مارغريت بين ذِراعيْهِ؟ مُباشَرةً بعدَ هذَا، سَمعتهَا تَصرخُ. تمكّن منّي غضبٌ شَديد، أردتُ أنْ أقف، لكنَّ نَوابِضَ لَحمي لمْ تكنْ تَعملُ. وَبقيتُ جامدًا، لا أَستطيعُ حتى أنْ أَرفعَ جَفني لأَرى ما يَحدُثُ هناك، أَمامي مُباشرةً. استَمرَّتْ مُقاوَمَةُ زَوْجتي، كانتْ تُمسِكُ بالأثاثِ مردّدةً:
-أرجوكَ، أرجوكَ يا سيّد... أُترُكني، لا أُريدُ.
لا بدَّ أنّه يُمسِكُها بَين ذِراعَيْهِ، لأنّها لمْ تعُد تَتفوّهُ سِوى بِصَرخاتٍ طُفوليّةٍ. ضَاعتْ صَرخاتُها عَبثًا، لم تَعُد تَصِلُني، تخيّلتُ أنّني أراهُما، هو كبيرُ وصَلبٌ، يَحمِلُها على كَتفِه، وهي غارِقةٌ في دُموعِها، مُنكسِرةً، ومُستسْلِمةً لهُ يحمِلُها أَينمَا شاءَ.
-يا للعجب! لقدْ كانَ ذلك صعبًا! همهمتِ السَّيدةُ غابين. هيّا، أسرعوا! ما دامتِ الغرفةُ فارغة.
في ذَروة الغضبِ والغيرةِ اللتين تجتاحانني، بدتْ لي عمليةٌ حملها كاختطافٍ حقير. لمْ أرَ مارغريت منذُ الأمس، لكنّني كنتُ أسمعها.
والآنَ انتهى الأمر؛ منعوها عني؛ وهي الآنَ مع رجلٍ محظوظٍ برفقتها، حتى قبلَ أنْ أدفَن.
لقدْ كانَ معها، يفصلني حائطٌ عنهما، وحده معها ليواسيها، وربما ليقبلها!
فُتِحَ البابُ منْ جديد، سمعتُ هذه المرَّةَ خطواتٍ ثقيلةً تمشي في الغرفة.
-أسرعوا! أسرعوا! ردَّدَتِ السَّيدةُ غابين، لا بدَّ أنَّ زوجته المسكينة تحاولُ العودة.
كانتْ تتحدثُ لرجالٍ لا تعرفهم ولا يردونَ عليها إلاّ بهمهمات.
-أنا لستُ منْ عائلته، أنا منْ جيرانه فقط. ليسَ لي أيُّ ربحٍ في هذا كلّه. أفعلُ هذا كلّه فقط لأنَّ حسنَ المعاملةِ واجبٍ بينَ الجيران.
 لمْ أقضِ كلَّ الأمورِ بعد... نعم، نعم، لقدْ قضيتُ ليلّة هنا.
 حتى إنَّ الجَّوَ لمْ يكنْ حارًا، حوالي السَّاعة الرابعة.
حسنًا، لقد كنتُ دائمًا غبيّة، لكنّني طيبةٌ للغاية.
في هذه الأثناء، جروا النعشَ إلى منتصفِ الغرفة، وفهمت. لقدْ حُكِمَ عليَّ بالموت، لأنّني لمّا أستيقظْ بعد. بدأتْ أفكاري تفقدُ نقاءها، كلُّ شيءٍ داخلي كانَ كأنّه دخانٌ أسود. واستسلمتُ أخيرًا، ومنحني ذلك بعضَ الرَّاحة: راحةَ أنْ لا تنتظرَ شيئًا بعد.
-لم يقطعوا الخشبَ جيدًا على ما يبدو، نطقَ متعهدُ الدَّفنِ بصوته الأجش، الصندوقُ أطولُ منه بكثير.
-حسنًا! سيكونُ مرتاحًا فيه، أضافَ أحدهم في بهجةٍ غيرِ مفهومة.
لمْ أكنْ ثقيلاً، لا بدَّ أنّ هذا أفرحههم، إذ إنّهم سيضطرون لحملي ثلاثةَ طوابق. بينما كانوا يمسكونَ بكتفي ويعدلونَ قدمي، صرختِ السَّيدةُ غابين في غضبٍ شديد:
-انظروا لهذه الطفلة اللّعينة! يجبُ أنْ تحشرَ نفسَها بكلِّ الأمور! انتظري! سأعلمكِ كيفَ تنظرينَ منْ فتحةِ الباب!
 كانتْ تلك ديدي التي دفعتِ البابَ قليلاً وأطلَتْ بشعرها الأشعث. تريدُ أنْ تراهم يضعونَ الميّتَ في الصندوق. سمعتُ صوتَ صفعتينِ قويَّتين، انفجرتْ بعدهما الصبيّةُ بالبكاء. وبعدَ أنْ دخلت، تحدثتْ أمها مع الرجالِ الذين يضعونني في نعشي بخصوصِ طفلتها.
-عمرها عشرُ سنوات، إنّها لطيفة؛ فقط ينتابها الفضولُ منْ حينٍ لآخر... لا أضربها دائمًا، إنّما عليها أنْ تنصاعَ للأوامر..
-أتعلمين؟ نطقَ أحدُ الرجال، كلُّ الفتياتِ يشبهنها... حينَ يكونُ هنالك ميِّتٌ في أيِّ مكان، تجدُ الفتياتِ يبحثنَ عنْ طريقةِ للمُشاهدة.
كنتُ مستلقٍ في وضعٍ مريح، لدرجةِ أنّني كنتُ لأعتقدَ أنّني مازلتُ على السّريرِ لولا أنَّ يدي اليسرى كانتْ متشنِّجة، إذْ كانتْ موضوعةً مباشرةً على خشبةِ النعش. وتمامًا كما قالوا، كنتُ مرتاحًا في نعشي، بسبّبِ قامتي القصيرة.
-انتظروا! صرختِ السَّيدةُ غابين، وَعَدْتُ زوجته بأنْ أضعَ وسادةً تحتَ رأسه.
لكنَّ الرجالَ كانوا مستعجلين. وضعوا الوسادةِ بقسوة. أحدهم كانَ يبحثُ عنِ المطرقةِ وهو يطلقُ وابلاً منَ السُباب. لقدْ نسَوها في الأسفل، ويجبُ على أحدهم أنْ ينزلَ ليحضرها. وضعوا الغطاء، شعرتُ باهتزازٍ خفيفٍ في جميعِ أنحاءِ جسدي حينَ دقوا أولَ مِسمارٍ في النَّعش. لقدْ حدثَ ما كنتُ أتوقعه، عدتُ للحياة! ثمَّ بدأتِ المساميرُ تدخلُ واحدًا تلو الآخر، بسرعة، وصوتُ المطرقةِ يتردَّدُ سريعًا أيضًا. إنّهم يقومونَ بالأمرِ كما لو أنّهم موظفو معملٍ يغلقونَ صندوقَ فواكهَ جافةٍ بلامبالاةٍ غريبة. بعدَ ذلك، توقّفَ الضجيجُ عنْ بلوغِ أذنيَّ إلاّ بعضَ الأصواتِ الخفيفةِ والخافتةِ على نحوٍ غريب، كما لو أنَّ الصندوقَ الخشبيّ تحولَ إلى صندوقِ صدى. آخرُ صوتٍ سمعته في الغرفةِ كانَ صوتَ السَّيدةِ غابين التي كانتْ تُحذّرُ الرّجالَ:
-انزلوا بهدوء، وحاذروا منْ سُلَّمِ الطابقِ الثاني الذي لم يعدْ جيدًا كما كان.
إنّهم يحملونني، أحسستُ كما لو أنّني داخلَ بحرٍ مضطرب. ابتداءً منْ تلك اللّحظة غدتِ ذكرياتي ضبابية. أتذكرُ مع ذلك ما شغلني في تلك اللّحظة، أمرٌ تافهٌ وآلي، حاولتُ معرفةَ طريقِ المقبرة. لم أكنْ أعرفُ شوارعَ باريس، كنتُ أجهلُ أماكنَ المقابرِ الكبيرة، حتى تلك التي تلقفتها مسامعي ذاتَ مرَّة، لم يمنعني ذلك منَ التركيزِ على دوراننا شمالاً أو يمينًا. كانتْ عربةُ نقلِ الأمواتِ تدحرجني. إلى جانبي، كانتْ حركةُ العرباتِ والمُشاةِ تتوقفُ  في أثناءِ عبورنا، ما كانَ يتيحُ لي فرصةَ سماعِ دحرجةِ النَّعش. تتبعتُ الطريقَ جيدًا في البداية.
ثمَّ بعدَ ذلك، في محطةٍ معيَّنة، حملوني مجدَّدًا، فهمتُ أنّني في كنيسة، ولكنْ لما تحركتْ عربةُ نقلِ الأمواتِ مجدَّدًا، فقدتُ كلَّ وعي بما يجري منْ حولي. تردَّدَ ناقوسٌ أعلمني أنّنا نمرُّ جانبَ كنيسة؛ وحينَ لاحظتُ تبدُلَ السُّرعةِ وتباطأَها استنتجتُ أنّني محمولٌ إليها.
كنتُ مثلَ محكومٍ يُنقلُ إلى مكانِ العقاب، أو مثلَ أحمقَ ينتظرُ صدورَ عفوٍ لا يأتي.
توقفوا عنِ المسير، سحبوني منَ العربة. توقفَ الضجيج للحظة، شعرتُ أنّني في مكانٍ مُقْفَر، تحتَ الشّجر، مع السّماء العريضةِ أعلى رأسي. بلا شَّك، كانَ هناك بعضُ الأشخاصِ يتابعونَ الدَّفن، نزلاءُ الفندقِ ومعهم سيمونو، لأنَّ صوتهم كانَ يبلغني. سمعتُ ترنيمةً باللاتينيّة منْ تلاوةِ القس. توقفوا لدقيقتين.
فجأةً، شعرتُ أنّني أغرَق؛ بينما كانتِ الحبالُ مشدودةً كالنبالِ في زوايا النَّعش، مما أعطى صوتًا شبيهًا بالكونطر-باس المشقوق. تلك كانتِ النهاية، ضربةٌ قويّةٌ شبيهةٌ بدويِّ رصاصةٍ أصابتْ أعلى رأسي على اليسار؛ وضربةٌ أخرى أصابتْ قدماي؛ أما أقوى الضرباتِ وأكثرها صَخبًا فقد جاءتْ هذه المرَّة في بطني، لدرجةِ أنّني خِلتُ أنَّ النَّعشَ قد انقسمَ نصفين. وبعدها أغميَّ عليّ.


... يُتبع



ترجمة: Achraf Nihilista

الاثنين، 13 يوليو، 2015

الجزء الثاني: موت أوليفييه بيكاي - إميل زولا



للوصول للجزء الأول، يرجى الضغط هنا.


الفصل الثاني:


في أثناءِ بُكاءِ مارغريت، دُفِعَ البابُ بقوَّةٍ منَ الخارج، ثمَّ سمعتُ صوتًا يصرخ:
-ماذا حدث؟ مجردُ وعكةٍ صحيّةٍ أخرى، أليس كذلك؟
تعرَّفتُ على الصوت، إنّه لسيدةٍ متقدمةٍ في السّن، السّيدة غابين، التي تقيمُ في نفسِ الطابقِ الذي نقيمُ به.
بَدَتْ لطيفةً معنا منذُ أنْ وصلنا هنا، وتعاطفَتْ مع حالتنا. وفورَ وصولنا حكتْ لنا سيرةَ حياتها. أقدَمَ مالكُ المنزلِ حيثُ كانتْ تقيمُ على ببيعِ جميعِ أثاثها واضطرَّتْ للنزولِ في الفندقِ الذي نقيمُ بهِ منذُ الشِتاءِ الأخير، مصحوبَةً بابنتها آديلْ التي تبلغُ منَ العُمرِ عشرَ سنوات. كانتا ترتزقانِ منْ تقطيعِ الآباجورات، ولمْ يتجاوزْ مكسبهما الأربعين سنتا منْ هذا العمل الشاقّ في أحسنِ الأحوال.
-يا إلهي! هل انتهى الأمر؟ تساءلتْ خافضةً صوتها.
فهمتُ أنّها اقتربتْ مني ولمستني، ثمَّ باشرتْ حديثها في شَفَقة:
-يا صغيرتي المسكينة!
كانتْ مارغريت متعبةً تواصلُ بكاءها كالأطفال.
قامتِ السَّيدةُ غابين بعدها بمساعدتها على الوقوف، وأجلستها على الكُرْسِيّ الخشبيّ قربَ المِدْفَأة، وهناك شَرَعَتْ بمواساتِها.
- أفهمُ أنّكِ ستشعرينَ بالألم. لكنْ لا يجدرً بكِ الغَرَقُ في اليأسِ لمجردِ أنَّ زوجكِ قدْ رحل.  شعرتُ مثلكِ طبعًا حينَ فقدتُ زوجيّ غابين، أذكرُ أنّني لمْ أتناولِ الطعامَ لمدَّةِ ثلاثةِ أيّام. لكنَّ ذلك الحزنَ لمْ يقدني لأيِّ شيء؛ على العكس، تضاعفَ ألمي مراتٍ ومرات... كوني عاقلةً يا صغيرتي، حبَّاً بالله.
هدأتْ مارغريت قليلاً بعدَ أنْ خارَتْ قواها؛ ومنْ حينٍ لآخر كانتْ تتمَكنُ منها نوبةُ بكاء.
وفي هذه الأثناءِ شرعَتِ العجوزُ في ترتيبِ الغُرفةِ باهتمامٍ واضح.
-لا تهتمي لأيَّ شيء، لقدْ أرسلتُ ديدي لتبيع الآباجورات؛ ثمَّ في نهايةِ المطافِ نحنُ جيران، وعلى الجيرانِ أنْ يساعِدَ بعضهم بعضًا... أخبريني، لم تفرغوا حقائبكم كليًّا، وضعتم بعض الملابس في الدُرج، أليس كذلك؟
سَمعتُها تفتحُ الدُرج، لا بُدَّ أنّها أخَذَتْ منه مِنْشَفَة وَضَعَتْها على المنضدةِ قربَ السَّرير. بعدَ ذلك، سمعتُ صوتَ عودِ كِبريت، ما جعلني أعتقدُ أولَ الأمرِ أنّها تشعلُ شمعةً بالقربِ مني دلالةً على الحزن. تابعتُ كلَّ تحركاتها في الغرفةِ بانتباهٍ شديد.
-هذا المسكين! قالتْ بصوتٍ منخفض، لحسنِ الحظِّ أنّني سمعتُ صوتَ بكائك.
ثمَّ فجأة، اختفى ذلك الشعاعُ الذي التقطه عيني حتى الآن. لقد أغلقتْ السَّيدةُ غابين عينيّ. لمْ أشعرْ بحركةِ إصبعها على خدي. ولما بدأتُ أفهم، انتشرَ بردٌ خفيفٌ في جميعِ أنحاءِ جسديّ.
سمعتُ صوتَ البابِ منْ جديد، إنّها ديدي، الصبيةُ ذاتُ السَّنواتِ العشرِ التي دخلتْ هذه المرَّةُ غارقةً  بدموعها تصرخُ بصوتها الذي يشبهُ صوتَ المِزْمَار:
-أمي! أمي! كنتُ أعلمُ أنّكِ هنا. تفضلي هذا حسابك، ثلاثةُ فرانكات وأربعُ سنتات... جلبتُ معي عشرين دزينةً منَ الآباجورات.
-صهٍ! صهٍ! أصمتي! ردَّدَتِ الأم عبثًا.
وبما أنَّ الصغيرة لم تتوقف، رفعتها أمها على السرير. توقفتْ ديدي فجأة، وشعرتُ أنّها خائفة.
-هل هذا السَّيدُ نائم؟ تساءلتْ بهدوء هذه المرَّة.
-نعم، فلتذهبي للعبِ إذن. أجابتها السَّيدةُ غابين.
لكنَّ الطفلةَ لم تتحرك. أعتقدُ أنّها تحملقُ في جثتيّ بعينينِ مندهشتين، لا بُدَّ أنَّ الخوفَ قدْ تملكها حينَ بدأت الصورةُ تتضِحُ في ذهنها.
وفجأة، انتابتها نوبةٌ هلعٍ شديدة، هربَتْ وكادَتْ تتعثرُ بكُرْسِيٍّ في طريقها.
-إنّه ميّت! أمي! إنّه ميّت.
ثمَّ سادَ صمتٌ رهيب. واصلتِ الأمُ تذرعُ الغرفة، بينما ظلّتْ مارغريت متوقفةً عنِ البُكاءِ وملتصقةً بالكُرسيّ.
-الأطفالُ يعرفونَ كلَّ شيءٍ هذه الأيام. انظري إلى هذه، اللهُ وحدهُ يعلمُ هل أحْسِنُ تربيتها. حينَ تذهبُ لشراءِ الآباجوراتِ أو أرسلها لتبيعها مقطعة، أعُدُ اللّحظاتِ لأتأكدَ أنّها لا تتصرفُ كالأطفال... ليس الأمرُ بالمهم، إنّها تعرفُ كلَّ شيء، لقدْ عَرَفَتْ منْ نظرةٍ واحدة ٍكلَّ شيء. لمْ ترَ في حياتها سوى جثةٍ واحدة، جثةَ عمها فرانسوا، ولمْ تكنْ قدْ تجاوزتِ الرابعةَ بعدُ حينها... لمْ يعدْ هناك أطفال...
توقفتْ وانتقلتْ لموضوعٍ آخر بلا أيّةِ مقدمات:
-قولي إذن يا صغيرتي، يجبُ التفكيرُ في الإجراءات، في إعلانِ الوفاةِ للبلدية، وبعدها في كلِّ تفاصيلِ الدَّفن.
لستِ في حالةٍ تؤهلكِ القيامَ بهذه الأمور، لا أريدُ ترككِ وحدك... إذا سمحتِ لي فسأتحققُ منْ وجودِ السَّيدِ سيمونو في منزله.
لمْ تجبْ مارغريت بشيء، مرَّتْ هذه المشاهدُ أماميَّ كما لو كنتُ بعيدًا جدًا، و خُيِّلَ لي في لحظات أنّني أطير، كشعلةٍ خفيفةٍ في هواءِ الغرفة، بينما توجدُ جثةٌ غريبةٌ على السرير. تمنيتُ أنْ ترفضَ مارغريت خدماتِ سيمونو هذا. لقدْ شاهدته ثلاثَ أو أربعَ مراتٍ  في أثناءِ مرضي. كانَ يسكنُ غرفةٍ مجاورةً وبدا متعاونًا جدًا. أخبرتنا السَّيدةُ غابين أنّه عابرٌ منْ باريس، إذْ جاءَ ليجمعَ ديونَ والدهِ المُتوفى مؤخرًا. سيمونو هذا شابٌ وسيمٌ وقويٌّ جدًا. كنتُ أكرهه، ربما لأنّه ليس عليلاً.  زارنا مرَّةً أخرى بالأمس، وعانيتُ لرؤيته قربَ مارغريت، إذْ إنّها بدتْ جميلةً جدًا إلى جانبه. وقدْ أمعنَ في النظرَ إليها حينَ ابتسمتْ له قائلةً إنّها سعيدةٌ بزيارته ليطمئنَ عليّ.
-إنّه السَّيدُ سيمونو، قالتِ السَّيدةُ غابين.
دُفِعَ البابُ بهدوء، وما إن رأته مارغريت حتى غرِقَتْ بدموعها منْ جديد. حضورُ هذا الشخص، الرجلُ الوحيدُ الذي تعرفه، أيقظَ في داخلها ألمًا عميقًا. لمْ يحاولْ مواساتها. لمْ أتمكَنْ منْ رؤيته؛ لكنّي تمكنتُ منْ تخيُّلُ وجههِ الحائرِ والحزينِ لرؤيةِ زوجتي في يأسٍ مماثلٍ على الرغمِ منْ هذه الظلمةِ حيثُ أغرَق. لا بُدَّ أنّها كانتْ جميلةً رغمَ حُزنها، بشعرها الأشقرِ الجميل، ويديّها الصغيرتين اللتين تحرقهما الحمى.
-أنا في خدمتكِ سيدتي، نطقَ سيمونو، إنْ أنتِ قبلتِ سأتكفل بكلِّ التكاليف..
لمْ تجبهُ إلا بكلماتٍ مُتَقَطِعَة.
وحينَ همَّ سيمونو بالخروج، رافقته السَّيدة غابين. سمعتهما يتحدثانِ عنِ المالِ حينَ مرا بقربي؛ - هذا مكلفٌ جدًا، و السيَّدة غابين تخشى أنَّ زوجتي لا تملكُ سنتًا واحدًا. كانَ بإمكانهم سؤالها، لولا أنَّ سيمونو لمْ يشأ إزعاجها بأمورٍ كهذه. كانَ سيذهبُ للبلديّةِ ويطلبُ الإذنَ بالدَّفن.
حين عمَّ الصَّمتُ منْ جديد، عدتُ للتساؤل عمّا إذا هل سيستمرُ هذا الكابوس طويلاً هكذا. أنا حيٌّ ما دمتُ أتلقى إشاراتٍ منَ العالَمِ الخارجيّ. وبدأتُ أتساءلُ عنْ حالتي. لا بُدَّ أنّها منْ حالاتِ الإغماءِ التي سمعتُ أحدهم يتحدثُ عنها.
منذ صغري، و في ذُروةِ مرضيَّ العصبيّ، عانيتُ منْ فقدانِ الوعيِّ عدَّةَ مراتٍ لساعاتٍ طويلة.
إنّها نفسُ الحالةِ على ما أعتقد، غيرَ أنّها جعلتني متخشِبًا هذه المرَّة، ونشرتِ الذُّعرَ في من هم حولي.  سيعودُ قلبي للنبضِ حتمًا، وسيعودُ الدَّمُ للدورانِ أيضًا؛ سأستيقظُ وأواسي حبيبتي مارغريت. فكَّرتُ بهذه الطريقة لأحثَ نفسي على الصبر.
كانتِ السَّاعاتُ تمرّ. أحضرتْ السَّيدةُ غابين الأكلَ ورفضَتْ مارغريت كلَّ الطعام. ثمَّ مرَّتِ الظَّهيرة، وكانتِ الأصواتُ تتعالى في شارعِ دوفين وتعبرُ إلينا عبرَ النافِذةِ المفتوحة. ومع صوتُ حركةِ الشمعدانِ على رُخامِ المنضدةِ قربي، اعتقدتُ أنّهم يغيرونَ الشَّمعة. وأخيرًا، عادَ سيمونو.
-ماذا حدث؟ سألتهُ السَّيدةُ غابين بصوتٍ منخفض.
-لقدْ أتمَمْتُ العمل، وسيتمُ الدَّفن ُغدًا على السَّاعةِ الحاديةِ عشرة... لا تشغلوا أنفسكم بأيَّ شيء، ولا تتحدثي عنْ أيِّ شيءٍ لهذه الصغيرةِ المسكينة.
قالتِ السَّيدةُ غابين مع ذلك:
-لم يأتِ طبيبُ الموتى بعد.
ذهبَ سيمونو للجلوسِ قربَ مارغريت، واساها قليلاً ثمَّ صمت. سيتمُ الدَّفنُ غدًا صباحًا: تردَّدتِ هذه الكلماتُ في ذهنيّ كثيرًا. وذلك الطبيبُ الذي تدعوه السَّيدةُ غابين طبيبَ الأمواتِ لمْ يكنْ قدْ أتى بعد، ليخبرهم أنّه مجردُ سُباتٍ طويل. سيفعلُ ذلك حتمًا، وهو سيعرفُ كيفَ يوقظني. انتظرتهً على أحَرِّ منَ الجَّمر.
كانَ اليومُ يمرُّ بسرعة، وانتهتِ السَّيدةُ غابين إلى إحضارِ الآباجوراتِ خاصتها حتى لا تضيِّعَ وقتها. حتى إنّها أحضرتْ ديدي أيضًا، بعدَ استئذانِ مارغريت في ذلك، لأنّها - حسبَ تعبيرها – لا تفضِلُ تركَ الأطفالِ وحدهم طويلاً.
-هيا، ادخلي. قالتْ مخاطبةً الصبيّة، ولا تنظري في هذا الإتجاه وإلاّ سأعاقبك.
كانتْ تمنعُها عنِ النظرِ إليَّ لأنّها تراه غير ملائم. كانتْ ديدي تلقي نظرةً منْ حينٍ لآخر، إذ إنّني كنتُ أسمعُ  أمها تضربها على يدها بينَ الفينةِ والأخرى، وتقولُ غاضبةً:
-اعملي وإلا سأطردكِ منْ هنا. وسيقومُ هذا السَّيدُ بخطفِ رجليكِ في أثناءِ اللّيل.
كانتِ الأمُ وابنتها جالستانِ إلى الطاولة. وكنتُ أسمعُ صوتَ المَقصِ يخترقُ الآباجوراتِ التي تقطعانها. لا بُدَّ أنّها صلبةٌ وتتطلبُ مجهودًا كبيرًا لتقطيعها، فهمتُ هذا لأنَّ التقطيعَ كانَ بطيئًا: قمتُ بعدِ الآباجوراتِ التي قامتا بتقطيعها واحدةً واحدة – كانتْ هذه طريقتي في محاربةِ القلقِ الذي يستولي عليَّ شيئًا فشيئًا.
لمْ يُسْمَعْ في الغرفةِ سوى صوتِ المِقصات. لا بُدَّ أنَّ مارغريت قدْ غلبها التعب، ويبدو أنّها تغفو قليلاً. وقفَ سيمونو مرَّتين. تعذبتُ منْ فكرةِ أنّه يمرَّرُ شفتاه بينَ خصالِ شعرها. لمْ أكنْ أعرفُ هذا الرجل، لكنّني أحسستُ أنّهُ يحبُّ زوجتي. أدى صوتُ ضحكةٍ أطلقتها ديدي إلى انقطاعِ سيلِ أفكاري.
-لماذا تضحكين أيّتها الغبيّة؟ سألتها أمها. سأخرجكِ منَ المنزلِ إذا لمْ تتوقفي... أخبريني، ما الذي يضحكك؟
همهمتِ الطفلةُ ببضعِ كلمات. لمْ تضحك، بل سعلت.
اعتقدتُ أنّها رأتْ سيمونو يداعبُ مارغريت، وأنّها وجدتْ ذلك مضحِكًا.
كانَ الفانوسُ مشتعلاً حينَ تمَ طرقُ الباب.
-آه! إنّه الطبيب. قالتِ العجوز.
لقدْ كانَ الطبيبَ حقًا. لمْ يعتذرْ عنْ تأخرهِ حتى هذا الوقت. لا بُدَّ أنّه كانَ عليه صعودُ عدَّةَ طوابقَ خلالَ النهار. لمْ يكنِ الفانوسُ يضيءُ الغرفةَ جيدًا، ما دفعه للتساؤل:
-هل هذه هي الجثة؟
-نعم. أجابَ سيمونو.
وقفتْ مارغريت وهي تشعرُ بالخوف. وضعتْ السَّيدةُ غابين ديدي على الدَّرج، لأنّها صغيرةٌ جدًا على رؤيةِ ما سيحدث في الغرفة؛ و قادت ْزوجتي إلى النافذةِ لكيلا ترى ما سيفعله الطبيب.
اقتربَ الطبيبُ مني بخطوةٍ سريعة. فهمتُ أنّه كانَ متعبًا، مستعجلاً، ويريدُ الانتهاءَ بسرعة. هل لمسَ يدي؟  أوضعَ يدهُ على قلبي؟ لا أدري ماذا فعلَ بالضَّبط. أعتقدُ أنّه أدى عمله على غيرِ اهتمام.
-هل تريدُ أنْ أقرِّبَ الفانوسَ ليضيءَ لك؟ قالَ سيمونو في اهتمامٍ واضح.
-لا داعيَّ لذلك. أجابَ الطبيب بهدوء.
كيف؟! لا داعيَّ لذلك؟!  يمسك  هذا الرجلُ حياتي بينَ يديه، ويجدُ أنّه لا داعيَّ لإجراءِ فحصٍ دقيق. أنا لستُ ميّتًا! أردتُ أنْ أصرخَ بأعلى صوتي أنّني لستُ ميّتًا!
-في أيِّ ساعةٍ بالضَّبط حدثتِ الوفاة؟ تساءلَ الطبيب.
-في السَّاعةِ السادسةِ صباحًا. ردَّ سيمونو.
تصاعدَ غضبٌ شديدٌ في جميعِ أنحاءِ جسدي. لا أدري أيُّ قيدٍ هذا الذي يقيدني.
اللّعنة! أنْ لا تستطيعَ نُطقَ كلمةٍ واحدةٍ وأنْ لا تستطيعَ تحريكَ أيِّ جزءٍ منك!
أضافَ الطبيبُ:
-هذا الجوُ الحارُ سيئٌ جدًا... لا شيءَ متعبٌ أكثرَ منَ الأيامِ الأولى لفصلِ الربيع.
ثمَّ ابتعد. لقدْ كانتْ حياتي التي تبتعد. صراخٌ، دموعٌ، شتائمُ مكبوتةٌ في داخلي وتخنقني، تمزِّقُ حنجرتيَّ المتشنجةَ التي لمْ يعدِ الهواءُ يعبرُ منها. آه! هذا البئيسُ الذي حولته مهنته إلى آلة، والذي يذهبُ إلى سرائرِ الموتى بفكرةٍ واحدة: أنْ ينهيَّ الإجراءات. لمْ يكنْ يعرفُ شيئًا إذن، هذا الرجل! كلُّ علمه كانَ دجلاً إذن، إذْ إنّه لمْ يستطيعْ تمييزَ الحياةِ منَ الموتِ بنظرةٍ خاطفة! وها هو يذهب... ها هو يبتعد!
-عمتَ مساءً يا سيدي! قالَ سيمونو.
عمَّ صمتٌ المكان. لا بُدَّ أنَّ الطبيبَ انحنى لتحيّةِ مارغريت التي عادتْ بينما كانتِ السَّيدةُ غابين تُغْلِقُ النافذة. ثمَّ غادرَ الغرفة، سمعتُ وقعَ خطواته على السُّلَّم.
حسنًا، لقدْ قضيَّ الأمر، محكومٌ عليَّ بالموتِ الآن. تلاشَتْ آخر آمالي مع ذلك الرجل. إذا لمْ أستيقظْ قبلَ السَّاعةِ الحاديةِ عشرةَ منْ يومِ الغد، فسأدفنُ حيَّاً! هذه الفكرةُ وحدها كانتْ مخيفةً لدرجةِ أنّني فقدتُ الوعيَّ بما يدورُ حولي. كانَ الأمرُ وكأنّه إغماءٌ  في أثناءِ الموت. آخرُ صوتٍ سمعته كانَ صوتَ مِقصاتِ ديدي وأمها. ثمَّ خيَّمتْ اللّيلةُ الظَّلماء.

لمْ يعدْ أحدٌ يتحدث. رفضتْ مارغريت النومَ في غرفةِ الجيران. كانتْ هنا، نصفَ نائمةٍ على الكرسي بوجهها الجميل الشاحب، عيونها مغلقةٌ وأشفار جفونها ممتلئةٌ بالدموع؛ بينما كانَ سيمونو يراقبها وهو جالسٌ في الظَّلام.

... يُتبع



ترجمة: Achraf Nihilista

الأربعاء، 8 يوليو، 2015

الجزء الأول: موت أوليفييه بيكاي - إميل زولا




تقديم: موت أوليفييه بيكاي - La Mort d'Olivier Bécaille هي قصة للكاتب و الروائي الفرنسيّ إميل زولا، نشرت لأول مرة بتاريخ 1884. ننشرها لأول مرة بالعربية على مدونة العدمي المستنير، على خمسة أجزاء، وهو عدد فصول القصة.








 الفصل الأول:




غادرتني الروحُ أحدَ أيامِ السبتِ على الساعةِ السادسةِ صباحًا، بعدَ ثلاثةِ أيامٍ من مكابدةِ المَرَض. كانتْ زوجتي المسكينة تقلِّبُ حقيبةً كبيرةً على الأرضِ حيث كانتْ تبحثُ عن كمادات.
حينَ رفعتْ رأسها ووجدتني متخشبًا، بعينين مفتوحتين، دون أدنى نفَس، سارعتْ تلامسُ يدي ووجهي معتقدةً أنّه قد أغميَ عليّ. وبعد ذلك تملكها الذُّعر. وتحتَ تأثيرِ هذه الصَّدمة، تَمْتَمَتْ:
-يا إلهي! يا إلهي! لقد مات.
كنتُ أسمعُ كلَّ شيء، ولكنَّ الأصوات كانتْ تضعفُ بحيث بدتْ لي بعيدة. وحدها عيني اليسرى كانتْ تلمحُ ضوءًا أبيضَ تغرقُ فيه كلُّ الأشياء. بينما عيني اليمنى متوقفةٌ تمامًا.
كانَ توقفًا تامًا للوعي في جميعِ أنحاءِ جسدي وكأنَّ الصاعقةَ قد ضربتني. ماتتْ إرادتي أيضًا، لم يعدْ أيُّ جزءٍ مني يخضعُ لي. وفي خضمِ هذا العَدَم، إذا تجاوزنا أعضائيّ الجامدة تمامًا، أفكاري وحدها كانتْ باقية، كسولةً وبطيئة، لكنْ في صفاءٍ منقطعِ النظير.
كانتْ مارغريت المسكينة جاثيةً على ركبتيها وتبكي أمامَ السرير، تردّدُ بصوتٍ متقطِعٍ:
-لقد مات، لقد مات، يا إلهي!
أكانَ هذا الموت إذن، هذه الحالةُ الفريدةُ من الفتور، هذا اللّحمُ المصابُ بالشّلل، بينما يبقى الفكرُ مشتغلاً؟ أكانتْ تلكَ روحي التي تأخرتْ داخلَ دماغي، قبلَ أنْ ترحلَ هي الأخرى؟ 
منذُ طفولتي وأنا أتعرَّضُ دائمًا لنوباتٍ عصبيّة. ومرتين في شبابي كادتْ حمى حادَّة أنْ تخطفني من الحياة. وبعد ذلك، اعتادَ النَّاسُ من حولي رؤيتي مريضًا؛ وأنا نفسي منْ ثنى مارغريت عنِ استدعاءِ طبيبٍ لما كنتُ نائمًا في صباحِ وصولنا إلى باريس، في هذا الفندق المفروش حيثُ نزلنا بشارعِ دوفين. بعضُ الرَّاحةِ ستكفي، إذ اعتقدتُ أنَّ السَّفرَ هو ما يرهقني بهذا الشَّكل. ومع ذلك، انتابني قلقٌ شديدٌ بخصوصِ حالتي هذه. غادرنا منطقتنا بسرعة، وكنا فقراءَ للغاية، نملكُ بالكادِ ما يجعلنا ننتظرُ راتبي الشهريّ الأولَ في الإدارةِ حيث ضمنتُ لنفسي عملاً. وها هي نوبةٌ مرَضِيّةٌ تخطفني من الحياة!
هل كان هذا الموت فعلاً؟ لقد تخيّلتُ أنّه سيكونُ أكثرَ حلكةً وصمتًا ومأساويّة. في طفولتي، كنتُ أهابُ الموت. كانَ الناسُ يربِتونَ على رأسي في شفقة، ولما كنتُ غبيًا اعتقدتُ أنّني لنْ أعيشَ طويلاً وأنّهم سيدفنوني في وقتٍ مبكِّر. فكرةٌ الدَّفنِ هذه خلقتْ لي فزعًا لم أتعايشْ معه أبدًا، حتى وهو يراودني ليلَ نهار. ومع مرورِ السنين، احتفظتُ بتلك الفكرة ثابتة. أحيانًا، ومع مرورِ الأيامِ كنتُ أعتقدُ أنّني تغلبتُ على مخاوفي. ولكن...
نحنُ نموت، الأمرُ محسوم؛ الكلُّ سيموتُ يومًا ما. لا شيءَ يمكنه أنْ يكونَ أفضلَ أو أكثرَ ملاءمة. في بعضِ الأحيانِ كنتُ أصِلُ درجةَ الابتهاجِ من ذلك: أرى الموتَ أمامي. ثمَّ تتملكني قشعريرةٌ تعيدني إلى حالةِ الخوفِ الأولى. كانتْ فكرةُ الدَّفنِ هي التي تعودُ وتبيدُ كلَّ ما سبقَ وفكرتُ به. أكثرُ من مرَّة، استيقظتُ فزِعًا من نومي، شابكًا يدي في يأس، ومردِّدًا في تلعثم: "يا إلهي، يا إلهي، لا بدَّ أنْ يموتَ المرء!" إنّه قلقٌ رهيبٌ يحبِسُ الأنفاس، ضرورةُ الموتِ بدتْ لي أمرًا مقيتًا أثناءَ اليقظة. ولم أكنْ أنامُ إلا بعناءٍ شديد، إذ إنَّ النومَ يرهبني بشبهه الكبيرِ بالموت: ماذا لو نمتُ إلى الأبد؟! ماذا لو أغمض عيني في هذه اللحظة ولا أفتحهما أبدًا بعدها؟!
لستُ أدري أيعاني شخصٌ غيري من هذا العذاب الذي قد أتعسَ حياتي! لقد وقفَ الموتُ بيني وبينَ ما أحبَبت. أتذكرُ لحظاتيّ السَّعيدةَ التي قضيتها إلى جانبِ مارغريت. حين كانتْ تنامُ إلى جانبي ليلاً في الشهورِ الأولى لزواجنا، حينَ أفكّرُ بها وأنا أضعُ خططًا للمستقبل، تأتي فكرةُ فراقٍ منتظرٍ لتفسِدَ بهجتي، وتدمِّرَ آمالي. لا بدَّ أنْ نفترق، إنْ لم يكنْ بعدَ ساعة، فبعدَ يوم... وانتابني إحباطٌ شديدٌ إزاءَ هذا، كنتُ أتساءل: ما جدوى أنْ نكونَ سعداءَ معًا إذا كانَ الأمرُ سينتهي بانفصالٍ قاسٍ جدًا؟ وهكذا، غرقتْ مخيلتي في الجنائزية، وتساءلتُ دائمًا، من سيرحلُ أولاً، أنا أم هي؟ وأيًا كانتِ الإجابةُ فقد كانتْ تستحثُ دموعي، إذ سأرى حياتنا وهي تنهارُ أمامي. في أفضلِ لحظاتِ وجودي، انتابتني نوباتُ ميلانخوليا فجائيّة لم يستطعْ أحدٌ استيعابها. لطالما اندهشَ الآخرون من السوداويّة التي أغرقُ بها أحيانًا حتى وأنا في قمةِ التحالفِ مع الحظ. يحدثُ هذا فجأة: تمرُّ فكرةُ العدمِ وتفسدُ بهجتي. سؤال "ما الجدوى؟" المروّعُ يتردَّدُ كالناقوسِ في أذني...
وأسوأ ما في هذا العذاب، أنّنا نضطرُ لمقاساتهِ في صمتٍ وسريَّة تامين. لا نستطيعُ ائتمانَ أيِّ شخصٍ على هذا السِّر. يحدثُ غالبًا بينَ الرجلِ وزوجهِ أنْ يرتجفا معًا وهما نائمان جنبًا إلى جنب، أنْ يرتجفا معًا في اللّحظة نفسها، حينَ تكونُ الغرفةُ معتمةً تمامًا؛ ولا أحدَ منهما يجرؤ على الكلام، لأنّنا لا نتحدثُ عنِ الموتِ إلا كمن ينطقُ ببعضِ الكلماتِ الفاحشة. لا شيءَ يخيفنا مثلَ الموت، حتى أنّنا لا نجرؤ على تسميته باسمه، نخفيه تمامًا كما نخفي أعضاءنا التناسليّة.
كنتُ أفكّرُ في هذه الأمور بينما كانتْ زوجتي الغالية تبكي إلى جانبي. لقد كانَ يؤلمني أنْ أراها هكذا دونَ أنْ أتمكنَ من إيجادِ طريقةٍ لتخفيفِ ألمها وإخبارها أنّني لا أعاني. إذا كانَ الموتُ هو تخدُّرُ الأعضاءِ حقًا، فقد كنتُ مخطئًا بخوفي منه. الموتُ رفاهيةٌ أنانيّة، استراحةُ أنسى بها جميع همومي. لقد اكتسبتْ ذاكرتي حيويّةً لا تصدق، ومرَّ شريطُ وجودي كلّه من أمامي كما لو أنّه عرضٌ أشاهدهُ أولَ مرَّة. إحساسٌ غريبٌ انتابني: وكأنَ ثمة صوتًا بعيدًا يسردُ لي وجودي كلّه.
كانَ هناك مكانٌ في منطقةِ غيراند، لم تغادرني ذكراه أبدًا. ثمة على طريقِ بيرياك غابةُ صنوبرٍ صغيرةٍ تنتهي إلى منحدرٍ صخريّ. كنتُ أذهبُ إلى هناك مع والدي وأنا في السابعةِ من عمري، إلى منزلٍ نصف متداعٍ لنأكلَ الفطائرَ عندَ عائلةِ مارغريت، كانَ والداها ملاحيّن يعيشانِ بالكاد من استخراج وبيع المِلح من الملاحات المجاورة لمنزلهم. بعدها، أتذكرُ فترةَ الإعداديّةِ في نانتْ حيث كبرتُ مع الضجرِ من الحيطانِ القديمة، حالِمًا بالمجالِ المفتوحِ للملاحاتِ الكبيرةِ أدنى المدينةِ في غيراند، والبحرِ الكبيرِ الذي يمتدُ حتى الأفق حيثُ يلتقي بالسَّماء. ثمة ثقبٌ أسودُ في ذاكرتي عن الفترةِ التي ماتَ فيها والدي ودخلتُ إدارةَ المستشفى كموظفٍ ذي حياةٍ رتيبة، بهجتها الوحيدة هي حين أذهبُ للمنزلِ القديمِ على طريقِ بيرياك أيامَ الأحد. كانتِ الأمورُ هناك تسيرُ من سيء إلى أسوإ، إذ لم تعدِ الملاحاتُ تجلبُ الشيءَ الكثير، وأصابَ الفقرُ كلَّ البلاد. كانتْ مارغريت حينها مجردَ طفلة.
كانتْ تحبني لأنّني كنتُ أتجولُ دافعًا العربةَ بها. بعد ذلك في الصبيحة التي طلبتها للزواج، فهمتُ من حركتها أنّها تجدني مقززًا. وافقَ والداها بسرعة، حيثُ إن طلبي الزَّواجَ منها كانَ بمثابةِ تحريرٍ لهما من عبئها ومصاريفها؛ وهي بمعرفتها بأوضاعهما، لم تجرؤ على الرفض.
حينَ تعودتْ على فكرةِ أنّها ستصيرُ زوجتي، لم تعدِ الأمورُ كما كانتْ بالنسبةِ لها. في يوم الزواج، كانتِ الأمطارُ غزيرة، ولما دخلنا المنزلَ اضطرَّتْ لتغيير ثوبِ الزفافِ لأنَه كانَ مبتلاً.
هذا كلُّ ما أذكرهُ من شبابي. عشنا هناك لبعضِ الوقت. وحينَ عدتُ للمنزل في إحدى الأيام، وجدتُ مارغريت غارقةً في دموعها، كانتْ تشعرُ بالضَّجرِ وتريدُ المغادرةَ  بأسرعِ وقت. وبعدَ ستةِ أشهرٍ تدبرتُ أمريَّ بالحصولِ على بعضِ المالِ من الأعمالِ الجانبيّة، وتمكَّنَ صديقٌ قديمٌ للعائلةِ من إيجادٍ مكانٍ لنا في باريس، وأخذتُ طفلتي الصغيرة لكيلا تبكي مرَّةً أخرى. كانتْ تضحكُ طوالَ الوقتِ في القطار، وفي المساء وضعتها على ركبتي لكي تنامَ بهدوء، لأنَّ مقاعدَ الدرجةِ الثالثة كانتْ صلبةً وقاسية.
ذلك كانَ الماضي. والآن، في هذه اللّحظة، متُ للتو على هذا السريرِ الضيّقِ في فندقٍ مفروش. بينما زوجتي جاثية على ركبتيها الى جانبي وتبكي بحرقة. الضوءُ الأبيضُ الذي ترصده عيني اليسرى يشحبُ شيئًا فشيئًا؛ لكنّني أتذكرُ الغرفةَ تمامًا.
على جانبي الأيسر كانَ الدرج، وعلى يميني المدفأة، وفي وسط المدفأةِ ساعةٌ ببندولٍ غير متزنٍ تشيرُ عقاربها إلى العاشرةِ وستِ دقائق. تطلُ نافذةُ الغرفةِ على شارعِ دوفين، المظلمِ والكبير.  باريس كلّها تعبرُ من هذا الشَّارع، ونتيجة لهذا الصخَب، كنتُ أسمعُ صوتَ اهتزازِ زجاجِ النوافذ. لم نتعرفْ على أحدٍ في باريس بعد. وصلنا هنا قبل وقتٍ طويلٍ من الإثنين الذي ينتظرونني به في الإدارة حيث كانَ من المفروضِ أنّني سأعمل. منذُ أنْ وصلنا وأنا ملقىً على السرير. كانَ إحساسًا غريبًا هذا الانعزالُ في غرفةٍ ألقتْ بنا الأقدارُ إليها بعدَ خمس عشرَة ساعةً من سفرٍ شاقٍ على متنِ القطار. تولتْ زوجتي رعايتي بابتسامتها ولطفها المعتادين؛ ولكنّي أستشعرُ مع ذلك قلقها. كانتْ تلقي من النافذةِ نظرةً من حينٍ لآخر، ثمَّ تعودُ مذعورةً من مشهدِ باريسَ الذي لم تتعوده عيناها وتتذمرُ منه لأقصى حد. وماذا ستفعلُ إن لم أستيقظ؟ ماذا سيحلُّ بها في هذه المدينةِ الكبيرة، وحيدة، دونَ دعمٍ من أحد، بالإضافة لجهلها بأبسطِ تفاصيلِ العيشِ في مكانٍ كبير؟
أخذتْ مارغريت يدي الجامدةَ من على السريرِ وقبلتها؛ وردَّدتْ بهوس:
-أوليفييه، ردَّ عليّ... يا إلهي! لقد مات! لقد مات!
لم يكنْ الموتُ مرادفًا للعدم إذن، كما كنتُ أتوقعُ وأتخيّل. لقد عذبتني فكرةُ العدمِ منذُ طفولتي. لم أقبلْ أنْ تنمحيَّ كينونتي كليًا، وأنْ يختفي ماضيَّ كلّه. وحتى بعدَ مضيّ قرون وقرون، لنْ أستطيعَ الانبعاثَ من جديد. لطالما اقشعرَّ بدني حينَ كنتُ أقرأ في بعضِ الجرائدِ تواريخَ لأحداثٍ في القرنِ القادم: منَ المؤكدِ أنّني لنْ أكونَ حيًّا حينها، وتلكَ السَّنةُ من المستقبلِ التي لنْ أكونَ موجودًا فيها وشاهدًا عليها، تقلقني بشدَّة. ألستُ أنا العالَم؟ أوليسَ توقفُ الزَّمنِ رهينٌ بتوقفي عن الوجود؟
أنْ أحلمَ بالحياةِ أثناءَ موتي، كانَ هذا أملي دائمًا. لكنّني لستُ ميّتًا. سأقومُ بعدَ لحظاتٍ حتمًا. نعم، نعم، سأقومُ بعدَ لحظات وأحتضِنُ مارغريت وأمسحُ عنها دموعها بيدي. أيُّ سعادةٍ في أنْ نلتقيَّ من جديد! خصوصًا وأنّنا سنحبُّ بعضنا البعض أكثر! سآخذُ إجازةٍ ليومين آخرين، وبعدهما أذهبُ للإدارة. ستبدأ حياةٌ أخرى لنا معًا، أكثرَ رفاهيةً وسعادة. لكنّني غيرُ مستعجل، وأشعرُ أنّني مقيّدٌ إلى هذا السرير. مارغريت مخطئةٌ في تشاؤمها لهذا الحد لمجرد أنّني لا أملكُ القوَّةَ لأديرَ رأسي وأبتسمَ لها.
بعدَ قليلٍ حينَ ستقول:
-يا إلهي! لقد مات! يا إلهي!
سأقبلها، وأهمسُ في أذنها بهدوءٍ لئلا أرعبها:
-لا يا صغيرتي الغاليّة. كنتُ نائمًا فحسب، ها أنا أمامكِ، حيٌّ وأحبّكِ...


... يُتبع


ترجمة: Achraf Nihilista

الثلاثاء، 7 يوليو، 2015

الفلسفة والدَّعارة- سيوران

مختصر التحلّل
12





إميل سيوران




لوحة آنسات أفينيون -بيكاسو-


              
بحالِ منْ ضاقَ ذَرعًا بالعقائدِ والخرافاتِ ولكنَّهُ يستمِرُ في مجاراةِ الحياة؛ على الفيلسوفِ أنْ يحاكيَّ بيرونيَّةَ الأرصفةِ التي تتبناها أقلُّ الكائناتِ دوغمائيّةً: العَاهِرَة. قصيَّةٌ عنْ كلِّ شيءٍ ومنفتحةٌ على كلِّ شيء؛ تتبنى أمزِجَةَ وأفكارَ زبائنها؛ تغيّرُ لهجتها وسحنتها حسبَ الحالة؛ مستعدةٌ لأنْ تكونَ حزينةً أو طروبًا، باتخذاها موضعَ الحِياد؛ بسخائها بإطلاقِ التأوهاتِ لحساباتٍ تجاريّة؛ بمقابلتها ابتهاجَ راكِبها وجارها الصادِق بنظرةِ اتقادٍ مُصْطَنعةٍ-  فإنّها تقترحُ على الذهنِ منهجًا ينافسُ منهجَ الحُكماء. ألاّ يكونَ لديكَ أيّةُ قناعاتٍ بخصوصِ النَّاسِ وبخصوصِ نفسِك، هذا هو الدرسُ الأهمُ في الدَّعارة، مدرسةٌ مَشّائيِّةٌ لتنويرِ البصيرةِ على هامشِ المجتمع- كما هي الفلسفةُ ذاتُها. كلُّ ما أعرفهُ تعلمتهُ في مدرسةِ العَاهِرات! ينبغي أنْ تكونَ هذه العبارةُ شِعَارَ المفكّرِ الذي يقبلُ ويرفضُ كلَّ شيءٍ بعدَ أنْ يكونَ قدِ اتبعَ خطاهنَّ واحتَرَفَ الابتسامةَ الفاتِرة، عندما لا يعودُ يرى في الرجالِ سوى زبائن، وعندما تغدو الأرصِفةُ سوقًا يبيعُ فيه مَرَارَتَه، كما تبيعُ رفيقاتهُ أجسادهن.


من: Précis de décomposition

ترجمة: Shiva Okleh