الاثنين، 13 يوليو، 2015

الجزء الثاني: موت أوليفييه بيكاي - إميل زولا



للوصول للجزء الأول، يرجى الضغط هنا.


الفصل الثاني:


في أثناءِ بُكاءِ مارغريت، دُفِعَ البابُ بقوَّةٍ منَ الخارج، ثمَّ سمعتُ صوتًا يصرخ:
-ماذا حدث؟ مجردُ وعكةٍ صحيّةٍ أخرى، أليس كذلك؟
تعرَّفتُ على الصوت، إنّه لسيدةٍ متقدمةٍ في السّن، السّيدة غابين، التي تقيمُ في نفسِ الطابقِ الذي نقيمُ به.
بَدَتْ لطيفةً معنا منذُ أنْ وصلنا هنا، وتعاطفَتْ مع حالتنا. وفورَ وصولنا حكتْ لنا سيرةَ حياتها. أقدَمَ مالكُ المنزلِ حيثُ كانتْ تقيمُ على ببيعِ جميعِ أثاثها واضطرَّتْ للنزولِ في الفندقِ الذي نقيمُ بهِ منذُ الشِتاءِ الأخير، مصحوبَةً بابنتها آديلْ التي تبلغُ منَ العُمرِ عشرَ سنوات. كانتا ترتزقانِ منْ تقطيعِ الآباجورات، ولمْ يتجاوزْ مكسبهما الأربعين سنتا منْ هذا العمل الشاقّ في أحسنِ الأحوال.
-يا إلهي! هل انتهى الأمر؟ تساءلتْ خافضةً صوتها.
فهمتُ أنّها اقتربتْ مني ولمستني، ثمَّ باشرتْ حديثها في شَفَقة:
-يا صغيرتي المسكينة!
كانتْ مارغريت متعبةً تواصلُ بكاءها كالأطفال.
قامتِ السَّيدةُ غابين بعدها بمساعدتها على الوقوف، وأجلستها على الكُرْسِيّ الخشبيّ قربَ المِدْفَأة، وهناك شَرَعَتْ بمواساتِها.
- أفهمُ أنّكِ ستشعرينَ بالألم. لكنْ لا يجدرً بكِ الغَرَقُ في اليأسِ لمجردِ أنَّ زوجكِ قدْ رحل.  شعرتُ مثلكِ طبعًا حينَ فقدتُ زوجيّ غابين، أذكرُ أنّني لمْ أتناولِ الطعامَ لمدَّةِ ثلاثةِ أيّام. لكنَّ ذلك الحزنَ لمْ يقدني لأيِّ شيء؛ على العكس، تضاعفَ ألمي مراتٍ ومرات... كوني عاقلةً يا صغيرتي، حبَّاً بالله.
هدأتْ مارغريت قليلاً بعدَ أنْ خارَتْ قواها؛ ومنْ حينٍ لآخر كانتْ تتمَكنُ منها نوبةُ بكاء.
وفي هذه الأثناءِ شرعَتِ العجوزُ في ترتيبِ الغُرفةِ باهتمامٍ واضح.
-لا تهتمي لأيَّ شيء، لقدْ أرسلتُ ديدي لتبيع الآباجورات؛ ثمَّ في نهايةِ المطافِ نحنُ جيران، وعلى الجيرانِ أنْ يساعِدَ بعضهم بعضًا... أخبريني، لم تفرغوا حقائبكم كليًّا، وضعتم بعض الملابس في الدُرج، أليس كذلك؟
سَمعتُها تفتحُ الدُرج، لا بُدَّ أنّها أخَذَتْ منه مِنْشَفَة وَضَعَتْها على المنضدةِ قربَ السَّرير. بعدَ ذلك، سمعتُ صوتَ عودِ كِبريت، ما جعلني أعتقدُ أولَ الأمرِ أنّها تشعلُ شمعةً بالقربِ مني دلالةً على الحزن. تابعتُ كلَّ تحركاتها في الغرفةِ بانتباهٍ شديد.
-هذا المسكين! قالتْ بصوتٍ منخفض، لحسنِ الحظِّ أنّني سمعتُ صوتَ بكائك.
ثمَّ فجأة، اختفى ذلك الشعاعُ الذي التقطه عيني حتى الآن. لقد أغلقتْ السَّيدةُ غابين عينيّ. لمْ أشعرْ بحركةِ إصبعها على خدي. ولما بدأتُ أفهم، انتشرَ بردٌ خفيفٌ في جميعِ أنحاءِ جسديّ.
سمعتُ صوتَ البابِ منْ جديد، إنّها ديدي، الصبيةُ ذاتُ السَّنواتِ العشرِ التي دخلتْ هذه المرَّةُ غارقةً  بدموعها تصرخُ بصوتها الذي يشبهُ صوتَ المِزْمَار:
-أمي! أمي! كنتُ أعلمُ أنّكِ هنا. تفضلي هذا حسابك، ثلاثةُ فرانكات وأربعُ سنتات... جلبتُ معي عشرين دزينةً منَ الآباجورات.
-صهٍ! صهٍ! أصمتي! ردَّدَتِ الأم عبثًا.
وبما أنَّ الصغيرة لم تتوقف، رفعتها أمها على السرير. توقفتْ ديدي فجأة، وشعرتُ أنّها خائفة.
-هل هذا السَّيدُ نائم؟ تساءلتْ بهدوء هذه المرَّة.
-نعم، فلتذهبي للعبِ إذن. أجابتها السَّيدةُ غابين.
لكنَّ الطفلةَ لم تتحرك. أعتقدُ أنّها تحملقُ في جثتيّ بعينينِ مندهشتين، لا بُدَّ أنَّ الخوفَ قدْ تملكها حينَ بدأت الصورةُ تتضِحُ في ذهنها.
وفجأة، انتابتها نوبةٌ هلعٍ شديدة، هربَتْ وكادَتْ تتعثرُ بكُرْسِيٍّ في طريقها.
-إنّه ميّت! أمي! إنّه ميّت.
ثمَّ سادَ صمتٌ رهيب. واصلتِ الأمُ تذرعُ الغرفة، بينما ظلّتْ مارغريت متوقفةً عنِ البُكاءِ وملتصقةً بالكُرسيّ.
-الأطفالُ يعرفونَ كلَّ شيءٍ هذه الأيام. انظري إلى هذه، اللهُ وحدهُ يعلمُ هل أحْسِنُ تربيتها. حينَ تذهبُ لشراءِ الآباجوراتِ أو أرسلها لتبيعها مقطعة، أعُدُ اللّحظاتِ لأتأكدَ أنّها لا تتصرفُ كالأطفال... ليس الأمرُ بالمهم، إنّها تعرفُ كلَّ شيء، لقدْ عَرَفَتْ منْ نظرةٍ واحدة ٍكلَّ شيء. لمْ ترَ في حياتها سوى جثةٍ واحدة، جثةَ عمها فرانسوا، ولمْ تكنْ قدْ تجاوزتِ الرابعةَ بعدُ حينها... لمْ يعدْ هناك أطفال...
توقفتْ وانتقلتْ لموضوعٍ آخر بلا أيّةِ مقدمات:
-قولي إذن يا صغيرتي، يجبُ التفكيرُ في الإجراءات، في إعلانِ الوفاةِ للبلدية، وبعدها في كلِّ تفاصيلِ الدَّفن.
لستِ في حالةٍ تؤهلكِ القيامَ بهذه الأمور، لا أريدُ ترككِ وحدك... إذا سمحتِ لي فسأتحققُ منْ وجودِ السَّيدِ سيمونو في منزله.
لمْ تجبْ مارغريت بشيء، مرَّتْ هذه المشاهدُ أماميَّ كما لو كنتُ بعيدًا جدًا، و خُيِّلَ لي في لحظات أنّني أطير، كشعلةٍ خفيفةٍ في هواءِ الغرفة، بينما توجدُ جثةٌ غريبةٌ على السرير. تمنيتُ أنْ ترفضَ مارغريت خدماتِ سيمونو هذا. لقدْ شاهدته ثلاثَ أو أربعَ مراتٍ  في أثناءِ مرضي. كانَ يسكنُ غرفةٍ مجاورةً وبدا متعاونًا جدًا. أخبرتنا السَّيدةُ غابين أنّه عابرٌ منْ باريس، إذْ جاءَ ليجمعَ ديونَ والدهِ المُتوفى مؤخرًا. سيمونو هذا شابٌ وسيمٌ وقويٌّ جدًا. كنتُ أكرهه، ربما لأنّه ليس عليلاً.  زارنا مرَّةً أخرى بالأمس، وعانيتُ لرؤيته قربَ مارغريت، إذْ إنّها بدتْ جميلةً جدًا إلى جانبه. وقدْ أمعنَ في النظرَ إليها حينَ ابتسمتْ له قائلةً إنّها سعيدةٌ بزيارته ليطمئنَ عليّ.
-إنّه السَّيدُ سيمونو، قالتِ السَّيدةُ غابين.
دُفِعَ البابُ بهدوء، وما إن رأته مارغريت حتى غرِقَتْ بدموعها منْ جديد. حضورُ هذا الشخص، الرجلُ الوحيدُ الذي تعرفه، أيقظَ في داخلها ألمًا عميقًا. لمْ يحاولْ مواساتها. لمْ أتمكَنْ منْ رؤيته؛ لكنّي تمكنتُ منْ تخيُّلُ وجههِ الحائرِ والحزينِ لرؤيةِ زوجتي في يأسٍ مماثلٍ على الرغمِ منْ هذه الظلمةِ حيثُ أغرَق. لا بُدَّ أنّها كانتْ جميلةً رغمَ حُزنها، بشعرها الأشقرِ الجميل، ويديّها الصغيرتين اللتين تحرقهما الحمى.
-أنا في خدمتكِ سيدتي، نطقَ سيمونو، إنْ أنتِ قبلتِ سأتكفل بكلِّ التكاليف..
لمْ تجبهُ إلا بكلماتٍ مُتَقَطِعَة.
وحينَ همَّ سيمونو بالخروج، رافقته السَّيدة غابين. سمعتهما يتحدثانِ عنِ المالِ حينَ مرا بقربي؛ - هذا مكلفٌ جدًا، و السيَّدة غابين تخشى أنَّ زوجتي لا تملكُ سنتًا واحدًا. كانَ بإمكانهم سؤالها، لولا أنَّ سيمونو لمْ يشأ إزعاجها بأمورٍ كهذه. كانَ سيذهبُ للبلديّةِ ويطلبُ الإذنَ بالدَّفن.
حين عمَّ الصَّمتُ منْ جديد، عدتُ للتساؤل عمّا إذا هل سيستمرُ هذا الكابوس طويلاً هكذا. أنا حيٌّ ما دمتُ أتلقى إشاراتٍ منَ العالَمِ الخارجيّ. وبدأتُ أتساءلُ عنْ حالتي. لا بُدَّ أنّها منْ حالاتِ الإغماءِ التي سمعتُ أحدهم يتحدثُ عنها.
منذ صغري، و في ذُروةِ مرضيَّ العصبيّ، عانيتُ منْ فقدانِ الوعيِّ عدَّةَ مراتٍ لساعاتٍ طويلة.
إنّها نفسُ الحالةِ على ما أعتقد، غيرَ أنّها جعلتني متخشِبًا هذه المرَّة، ونشرتِ الذُّعرَ في من هم حولي.  سيعودُ قلبي للنبضِ حتمًا، وسيعودُ الدَّمُ للدورانِ أيضًا؛ سأستيقظُ وأواسي حبيبتي مارغريت. فكَّرتُ بهذه الطريقة لأحثَ نفسي على الصبر.
كانتِ السَّاعاتُ تمرّ. أحضرتْ السَّيدةُ غابين الأكلَ ورفضَتْ مارغريت كلَّ الطعام. ثمَّ مرَّتِ الظَّهيرة، وكانتِ الأصواتُ تتعالى في شارعِ دوفين وتعبرُ إلينا عبرَ النافِذةِ المفتوحة. ومع صوتُ حركةِ الشمعدانِ على رُخامِ المنضدةِ قربي، اعتقدتُ أنّهم يغيرونَ الشَّمعة. وأخيرًا، عادَ سيمونو.
-ماذا حدث؟ سألتهُ السَّيدةُ غابين بصوتٍ منخفض.
-لقدْ أتمَمْتُ العمل، وسيتمُ الدَّفن ُغدًا على السَّاعةِ الحاديةِ عشرة... لا تشغلوا أنفسكم بأيَّ شيء، ولا تتحدثي عنْ أيِّ شيءٍ لهذه الصغيرةِ المسكينة.
قالتِ السَّيدةُ غابين مع ذلك:
-لم يأتِ طبيبُ الموتى بعد.
ذهبَ سيمونو للجلوسِ قربَ مارغريت، واساها قليلاً ثمَّ صمت. سيتمُ الدَّفنُ غدًا صباحًا: تردَّدتِ هذه الكلماتُ في ذهنيّ كثيرًا. وذلك الطبيبُ الذي تدعوه السَّيدةُ غابين طبيبَ الأمواتِ لمْ يكنْ قدْ أتى بعد، ليخبرهم أنّه مجردُ سُباتٍ طويل. سيفعلُ ذلك حتمًا، وهو سيعرفُ كيفَ يوقظني. انتظرتهً على أحَرِّ منَ الجَّمر.
كانَ اليومُ يمرُّ بسرعة، وانتهتِ السَّيدةُ غابين إلى إحضارِ الآباجوراتِ خاصتها حتى لا تضيِّعَ وقتها. حتى إنّها أحضرتْ ديدي أيضًا، بعدَ استئذانِ مارغريت في ذلك، لأنّها - حسبَ تعبيرها – لا تفضِلُ تركَ الأطفالِ وحدهم طويلاً.
-هيا، ادخلي. قالتْ مخاطبةً الصبيّة، ولا تنظري في هذا الإتجاه وإلاّ سأعاقبك.
كانتْ تمنعُها عنِ النظرِ إليَّ لأنّها تراه غير ملائم. كانتْ ديدي تلقي نظرةً منْ حينٍ لآخر، إذ إنّني كنتُ أسمعُ  أمها تضربها على يدها بينَ الفينةِ والأخرى، وتقولُ غاضبةً:
-اعملي وإلا سأطردكِ منْ هنا. وسيقومُ هذا السَّيدُ بخطفِ رجليكِ في أثناءِ اللّيل.
كانتِ الأمُ وابنتها جالستانِ إلى الطاولة. وكنتُ أسمعُ صوتَ المَقصِ يخترقُ الآباجوراتِ التي تقطعانها. لا بُدَّ أنّها صلبةٌ وتتطلبُ مجهودًا كبيرًا لتقطيعها، فهمتُ هذا لأنَّ التقطيعَ كانَ بطيئًا: قمتُ بعدِ الآباجوراتِ التي قامتا بتقطيعها واحدةً واحدة – كانتْ هذه طريقتي في محاربةِ القلقِ الذي يستولي عليَّ شيئًا فشيئًا.
لمْ يُسْمَعْ في الغرفةِ سوى صوتِ المِقصات. لا بُدَّ أنَّ مارغريت قدْ غلبها التعب، ويبدو أنّها تغفو قليلاً. وقفَ سيمونو مرَّتين. تعذبتُ منْ فكرةِ أنّه يمرَّرُ شفتاه بينَ خصالِ شعرها. لمْ أكنْ أعرفُ هذا الرجل، لكنّني أحسستُ أنّهُ يحبُّ زوجتي. أدى صوتُ ضحكةٍ أطلقتها ديدي إلى انقطاعِ سيلِ أفكاري.
-لماذا تضحكين أيّتها الغبيّة؟ سألتها أمها. سأخرجكِ منَ المنزلِ إذا لمْ تتوقفي... أخبريني، ما الذي يضحكك؟
همهمتِ الطفلةُ ببضعِ كلمات. لمْ تضحك، بل سعلت.
اعتقدتُ أنّها رأتْ سيمونو يداعبُ مارغريت، وأنّها وجدتْ ذلك مضحِكًا.
كانَ الفانوسُ مشتعلاً حينَ تمَ طرقُ الباب.
-آه! إنّه الطبيب. قالتِ العجوز.
لقدْ كانَ الطبيبَ حقًا. لمْ يعتذرْ عنْ تأخرهِ حتى هذا الوقت. لا بُدَّ أنّه كانَ عليه صعودُ عدَّةَ طوابقَ خلالَ النهار. لمْ يكنِ الفانوسُ يضيءُ الغرفةَ جيدًا، ما دفعه للتساؤل:
-هل هذه هي الجثة؟
-نعم. أجابَ سيمونو.
وقفتْ مارغريت وهي تشعرُ بالخوف. وضعتْ السَّيدةُ غابين ديدي على الدَّرج، لأنّها صغيرةٌ جدًا على رؤيةِ ما سيحدث في الغرفة؛ و قادت ْزوجتي إلى النافذةِ لكيلا ترى ما سيفعله الطبيب.
اقتربَ الطبيبُ مني بخطوةٍ سريعة. فهمتُ أنّه كانَ متعبًا، مستعجلاً، ويريدُ الانتهاءَ بسرعة. هل لمسَ يدي؟  أوضعَ يدهُ على قلبي؟ لا أدري ماذا فعلَ بالضَّبط. أعتقدُ أنّه أدى عمله على غيرِ اهتمام.
-هل تريدُ أنْ أقرِّبَ الفانوسَ ليضيءَ لك؟ قالَ سيمونو في اهتمامٍ واضح.
-لا داعيَّ لذلك. أجابَ الطبيب بهدوء.
كيف؟! لا داعيَّ لذلك؟!  يمسك  هذا الرجلُ حياتي بينَ يديه، ويجدُ أنّه لا داعيَّ لإجراءِ فحصٍ دقيق. أنا لستُ ميّتًا! أردتُ أنْ أصرخَ بأعلى صوتي أنّني لستُ ميّتًا!
-في أيِّ ساعةٍ بالضَّبط حدثتِ الوفاة؟ تساءلَ الطبيب.
-في السَّاعةِ السادسةِ صباحًا. ردَّ سيمونو.
تصاعدَ غضبٌ شديدٌ في جميعِ أنحاءِ جسدي. لا أدري أيُّ قيدٍ هذا الذي يقيدني.
اللّعنة! أنْ لا تستطيعَ نُطقَ كلمةٍ واحدةٍ وأنْ لا تستطيعَ تحريكَ أيِّ جزءٍ منك!
أضافَ الطبيبُ:
-هذا الجوُ الحارُ سيئٌ جدًا... لا شيءَ متعبٌ أكثرَ منَ الأيامِ الأولى لفصلِ الربيع.
ثمَّ ابتعد. لقدْ كانتْ حياتي التي تبتعد. صراخٌ، دموعٌ، شتائمُ مكبوتةٌ في داخلي وتخنقني، تمزِّقُ حنجرتيَّ المتشنجةَ التي لمْ يعدِ الهواءُ يعبرُ منها. آه! هذا البئيسُ الذي حولته مهنته إلى آلة، والذي يذهبُ إلى سرائرِ الموتى بفكرةٍ واحدة: أنْ ينهيَّ الإجراءات. لمْ يكنْ يعرفُ شيئًا إذن، هذا الرجل! كلُّ علمه كانَ دجلاً إذن، إذْ إنّه لمْ يستطيعْ تمييزَ الحياةِ منَ الموتِ بنظرةٍ خاطفة! وها هو يذهب... ها هو يبتعد!
-عمتَ مساءً يا سيدي! قالَ سيمونو.
عمَّ صمتٌ المكان. لا بُدَّ أنَّ الطبيبَ انحنى لتحيّةِ مارغريت التي عادتْ بينما كانتِ السَّيدةُ غابين تُغْلِقُ النافذة. ثمَّ غادرَ الغرفة، سمعتُ وقعَ خطواته على السُّلَّم.
حسنًا، لقدْ قضيَّ الأمر، محكومٌ عليَّ بالموتِ الآن. تلاشَتْ آخر آمالي مع ذلك الرجل. إذا لمْ أستيقظْ قبلَ السَّاعةِ الحاديةِ عشرةَ منْ يومِ الغد، فسأدفنُ حيَّاً! هذه الفكرةُ وحدها كانتْ مخيفةً لدرجةِ أنّني فقدتُ الوعيَّ بما يدورُ حولي. كانَ الأمرُ وكأنّه إغماءٌ  في أثناءِ الموت. آخرُ صوتٍ سمعته كانَ صوتَ مِقصاتِ ديدي وأمها. ثمَّ خيَّمتْ اللّيلةُ الظَّلماء.

لمْ يعدْ أحدٌ يتحدث. رفضتْ مارغريت النومَ في غرفةِ الجيران. كانتْ هنا، نصفَ نائمةٍ على الكرسي بوجهها الجميل الشاحب، عيونها مغلقةٌ وأشفار جفونها ممتلئةٌ بالدموع؛ بينما كانَ سيمونو يراقبها وهو جالسٌ في الظَّلام.

... يُتبع



ترجمة: Achraf Nihilista

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق