الاثنين، 16 أبريل، 2012

عالم مسعور!




هذا العالم يصيبني بالشلل! ،ما تلقاه الحواس من الخارج من جنون وعبث وتفاهة توزيع وإنطلاق الأشياء وانفجارها ..يحول العقل إلى وعاء للعالم والآخرين ، كأن العالم يتأمر على ذاتية العقل الملعون ويجند نفسه وكل ذراته لتحويله لمبصق له! يحرم عليه التمرد والجمال ويهان العقل بالحواس...الأشياء ،الأصوات..الحركات..جنون وعار وعبث في إعصار دائمـ وآللام ومخالب مسعورة تبحث عن جمال أوحساسية لتلطمها..لتصدمها وتهينها!..لتتفجر فيها.
وهكذا يكون الشلل ..وربما الصرع ،إحدى وسائل التناغم والانفصال عن العالم الخارجي. نوبات غيبوبة أورعشات روحية أشراقية كما عند الهندوس!





السبت، 7 أبريل، 2012

                                                                      (3)خطاب نهيلستي مهمش لمصلحة السلطة ..حشد التصورات (الخيّام نموذجاً)د.سامي أدهم
من ديوجين وخطاب الهاوية في لغة الجوارات التي تدنو من حافة العدم الى الخيام الذي يرفع الراح ويشكك بالعُلى ويحارب بالكُؤوس المترعة طغيان المعتزلة والأشعرية وجميع أشكال الكبت الديني،ينساب الزمن وترفع دول وتؤسس ديانات عالمية فينبثق اللامعنى، والفراغ،والعدم ، ويظهر المنظر الرهيب بإطلالة إنسانوية تراجيدية.أما الاعتراف على باب هيكل الموت ، على حافة البئر السحيق بين أنياب اليأس القاتل والكآبة المضنية والسقم الكريه والكربة الشديدة، فهوعمل بطولي إبداعي خلاق .في هذه الهاوية ، تبدأ لحظة ولادة إنسان فائق مهمّش من رحم الليل البهيم وغياهب العدم(نيتشه)، يولد ابن الحرام بين أولاد الحلال ويحول العدم إلى عدمية نهيلستية خلاقة وفعل دخول إلى عالم الإبداع والعظمة.ابن الحرام هذا هو شاعر منحرف قاتل خداع، ساخر "لواطي"، لكنه مبدع وصادق وهذا شيئ لايصدق! فهو يفرغ الشعر من محتواه القاتل، من محتواه السلفي الصادق! إنه شاعر ما بعد الحداثة المختلف الذي يطرح القيم جانباً ويمزق برقع التقاليد ويرفع الغطاء عن الواقع الحقيقي، حيث هدفه تفتيت تكلسات الحضارة السائدة والطقوس النصوصية المتينة المسيطرة. الحقيقة في الرؤية الشعرية في الجوارات المتلألئة تبدو منزلقة نحو هوة العدم. لم يعد العقل مرتعاً للحقيقة، ولا الحقيقة قيمة أو فيماً لاهوتانية أو إنسانوية في زمن الليبرالية. لم يعد وجود الإنسان قيمة أو حقيقة مطلقة، بل أصبح قيمة تبادلية (هيدغر). أي أصبح جوهره يتعلق بالتبادلية الثنائية بين الأفراد. وصار العدم هو القيمة الكبيرة. لقد ولى زمن الملاء التقليدية زمن الوجود المطلق، زمن القيم الدينية والأخلاقية والفنية،انهارت حضارة الإملاء، والهوة الصحيحة فغرت فاها لقطيعة تنبه الإنسان إلى قدره ومستقبله.حضارة الملاء والإملاء والامتلاء تمثل الغطرسة والكبرياء والرياء والتسلط وعبودية النص والتقاليد.أصبح المثقفون يبحثون عن حضارة الفراغ بين أوراق الشعراء والأدباء والفلاسفة، بين ثنايا أفكار العدميين والصعاليك والمتشردين،يبحثون عن البوهيمية العدمية الخلاعية لخلع رداء القيم الرثة وارتداء ثوب الحقيقة البريئة. إن لفظ حضارة موروثة خير من ابتلاع حضارة جديدة تتراكم على الموروث وتسبب الصداع الثقافي والوجع الحضاري والألم الإنسانوي.أن نختصر المسافات بدل المراوحة مكاننا في مستنقع آسن في حضارة أفلت وغابت شمسها .فقد تعبت النفوس والعقول والأجساد من حضارة سالفة تتقهقر أمام الحضارة الغربية الظافرة وأمام جحافل الأنوار الآتية من صوب مغيب الشمس. تعبت من القيم المزيفة ومن أخلاق الفرسان المهترئة. لم يعد العصر ناقة أو فرساً أو بستاناً أو نبوة أو أطلالاً أو أمجاداً أو فتوحات.أو بثينة وليلي.العصر إرادة وقوة،,واختراع وإبداع وصنغة.أصابنا الملل من زهير والمتنبي والبحتري وشوقي وأبو ريشة شعراء الملاء والإملاء والامتلاء.نتعقب شعراء العدم والفراغ والتحرر والخلاعة والصعلكة والتشرد.هم أصدق خطاباً وأنبل فكراً وإحساساً.فهم يحاربون الوهم والغطرسة والتبجح والتملق والقيم المليئة بالصديد، هم حفارو القبور ومدمرو الأوثان والأنصاب والبهتان ورافعو لواء الشيطان الأعظم جائلاً في الكون مهدداً مدمراً خرافة الدجالين المحترفين خلال آلاف السنين، الذين يسرحون ويمرحون ويعقلون ويعُلقون ويغتالون الانفعالات ويكبتون العواطف الإنسانية باسم أنطولوجيا متعالية.لقد سئم الإنسان من رافعي ومحدثي حضارة بائدة، ومن شعراء صادقين في دجلهم وفي كذبهم وفي نظمهم، وقوالين باطنيين، ومن قراءة مهترئة.لقد أطلق ما بعد الحداثة برؤية جديدة، ,والأنا يسائل الأنا والوجود عن مصيره في الكون والزمان. أطلت العدمية من وراء المحتلف المنحرف الممزق على جواد شيطاني، فانفتح العقل على الثقوب السوداء حيث الجاذبية لا متناهية والقيم مطلقة مُلقاة داخلها. لم يعد الشاعر أو الإنسان يطلب السماء والقيم خارج حقله فالصحراء القاحلة الماحلة وحضارتها، والارض الملساء هي التراث وهي المنبع: تلغي التراث والعقل الصدئ. لا للقصور الوهمية بأعمدتها الرخامية لا لأقواس النصر الزائفة، لا لأشعار الصدق والمحبة.لا لأخلاق السادة لا لأخلاق الأمراء، للأناقة الأسلوبية واللغة المنعالية ، فأخلاق الصعاليك وأشعارهم هي الحضارة الصافية: جوهر الحضارة العربية وأساس انبعاثها.هذا المهمش المخفي المستتر الصعلوك وراء المتون المزيفة ووراء أقنعة البهرجة هو الحضارة العظيمة التي كسفها خطاب السلطة اللاهوتانية وخطاب الغطرسة والفخامة والبطولة الدموية السفاحة.يحدثنا التاريخ عن تدمير الأمم وتحويل الهياكل العظمية إلى الفراغ وسيطرة فراغ جديد مليئ بالتفاخر والتعظيم والهيبة والدعاء بالمساواة والإخاء والشريعة، ونهب الأمم وطمس حضارات متفتحة وتدمير ما بقي من لوغوس يوناني أو استخدامه جزئياً لتبرير ما رفع ولتوطين ما قدم. دمرت حضارات لها حق الحياة وحق مواصلة الطريق.فهدمت الأصالة الصعلوكية الإنسانية وأقيم مكانها دعاة الأممية والنفوس الخانعة والمساواة المزيفة.كان المهمش شديد الحساسية لما يجري حوله قبل ما بعد التاريخ الجديد. كان يرى الولاة والعمال ينهبون العباد لاسترضاء السلطان فتثور حميته ورجولته وإنسانيته فيترجل الشعر ويؤسس لخطاب أخلاقي غدمي جديد قائم على نبذ القيم المسيطرة وتدميرها.كان الصعلوك مرهف الحس لما يدور حوله يرى الظلم الاجتماعي والكبت الفكري والتسلط الاقتصادي فيتفجر أشعراً وأدباً لحضارة خلقية تتوارى وراء المزيف والملون والمتغطرس والملاء والإملاء.الصعلكة العربية قبل وبعد التاريخ هي هامش حضارتنا بل هي حضارتنا بل هي ما وراء ستار لوحتنا الزائفة. هي شعور الاضطهاد بالاضطهاد وشعور التفتت بالتفتت وشعور الإفقار بالإفقار . لم يكم يوماً مرائياً أو منافقاً مهادناً مسالماً او متملقاً أو صاحب ديوان أو قصر وكان إنساناً متخلقاً فارساً وعدمياً. يمثل اللاشيئ بجسده. كان شيئاً لكنه لا شيئ بالمطلق، لا يعلق عليه ولا يتعلق بالقيم. هو الجوهر في جميع العصور :"ومعنى ذلك أيضاً أن الناس توزعهم طبقتان محتلفتان:طبقة الأغنياء والموسرين الذين نعموا بالأموال والخيرات وطيب الثمرات من الخلفاء والأمراء والعمال والقبائل الموالية لهم، وطبقة الفقراء والمحتاجين ومن أراد الأمويون لهم أن يفتقروا ويبتئسوا ليذلوا ويستكينوا ويستسلموا، أولئك الذين يكدون ويشقون ويجمعون الأموال لهم،ويدفعونها إليهم، ويعيشون معيشة فيها الشظف والكفاف. وكان الفقراء والمحتاجون طائفتين :فمنهم من رضي بما كتب له من الحرمان والشقاء والبلاء، واكتفى بالعمل السلبي من الاستغاثة والاستنجاد بهم لرفع الظلم عنهم، وتطالعنا وثائق التظلم ورقاع الشكوى منذ بداية هذا العصر، فهذا عقبة بن هبيرة الأسدي يستصرخ معاوية كي يرجم قومه ويعدل بينهم ويرفع الجور عنهم يقول(الشعراء الصعاليك في العصر الاسلامي/د. حسين عطوان، دار الجبل ص39)
معاويَ إننا بشر فاسجح          فلسنا بالجبال ولا الحديد
فهبنا أمةً هلكت ضياعاً           يزيد أميرها وأبو اليزيد
أكلتم أرضنا فجردتموها          فهل من قائم أو من حصيد
نعم للعدمية للاشيئ للإبداع للخلق والتحرير والانبهار والدهشة. انبهار الدهشة وحدث الانبهار وعبق الوجود هي التي تحرك الشاعر فيلغي الساقط والزائف والعفن ويمهد للحضارة العدمية. هذا ما نادى به أبيلارد ولمبارد والصاليك وأبو نواس والخيام وفولتير. الليل والعتمة والظلمة الحالكة أفضل من التراث الذي أصبح في عداد الأموات. هؤلاء يحفرون القبر للتراث ليواروا الكلمة والعبارة والنص المتهالك. أنطولوجيا العدم تدك الهيكل وتطرد المتعالي والنصوص الفجة والترانيم والأشعار الباهتة. في المتنبي شاعران شاعر مبدع وبارع قهر الحضارة وزيف الأمجاد  السالفة ورفع النبوة. شاعر أبدع بأصالة كاملة رائعة وآخر هدم ودمر وكان صنواً للشيطان. المتنبي في "هجاء كافور": الخصي،الثعاليب،العبد،البيض،السود،المشفر،العصا،بخس،مناكيد،نواطير،الحر،الفلس....إنها مفردات النازية التي تحتقر الشعوب وتدوس على الكرامات . من هو الشاعر الذي يحتقر العبد ويرميه بأقذع الكلام؟ كيف ينسجم العبد مع مضمون قصيدة حاقدة. الاستهزاء بالشعوب، التعصب العرقي والقومي، كيف يحدث هذا الحقد في الشعر الموزون والشعر هو مصفاة الروح وروح الشعوب؟ الشاعر يحب ويستشهد ويتحرر. ثمة شاعر مليئ بالحقد الأسود والتعصب والأنانية والغطرسة، إنه خارج مملكة الشعر الصافي الأبدية. فالهجاء والمداح والقوال ليسوا شعراء بل مرتزقة لأسيادهم ولأنفسهم.....
إن مسيرة العدمية تمتلئ بالاضهاد وبالتعسف وباغتصاب الشعراء والفلاسفة واللاهوتيين . فأبيلارد هوجم من قبل سانت برنارد الذي اتهمه بأنه اعتبر الكاثوليكية إمتداداً للفلسفة الطبيعية وأنه  يريد تدمير سر الثالوث عندما صرخ بأنه يمكن أن يفهم بواسطة العقل، وإنه عرف من  قبل بعض الأفلاطونيين وأنه هدم العقيدة ذاتها عندما أدخل بها درجات من مثال أريوس، وبدقة عندما فهم الاشخاص الثلاثة كجهات ثلاث لجوهر وحيد، وليس أن كل واحد يمثل الجوهر الإلهي كله. في أيام الثورة الفرنسية قال كوتز بأنه إنسان ويجب تأويل الكتاب ودراسته ببراهين عقلية وكان ذلك جزء من نضاله السياسي في نادي اليعقوبيين"الجنسينيست" وفي الجمعية العمومية ومن محاربته للتعصب الديني والمناداة بالثقافة العقلية ، وبالمواطنة الإنسانية، وقد نصب نفسه عدواً للمسيح، وراح يهدم كل ما يقف في طريق العقل ويؤكد كل ما يعمق وحدة الجمهورية الفتية، فأعدم على المقصلة. أعدمه العدم. دافع عن العدم والعدمية والنهيلستية واخلاق المسيحية، ونادى بأخلاق الشعب، بأخلاق المدنية الوثنية. أعدم، وراح ضحية السياسة.إنه شهيد من شهداء العدمية سقط في أخبار التاريخ، وأعدمت سيرته ، وأصبح هباءً منثوراً. حقيقته جسد فان وما يقوله خطاب زائف يدير العقول ويدير السلطة والإرهاب وتعذيب النفوس في حلبات المصارعة مع سبارتاكوس، وإلغاء العدمية الصاعدة والإبداعية الخلاقة، ليسحق الإنسان المتفوق "هذا الانسان"(نيتشه)
يدمرون الإبداع بإحلال الأساطير. العدمية كشف وانكشاف لمواقع الإبداع في الخطاب والشعر والعلم. إنكار ورفض مطلق . إنها اللاشيئ. كانت البابوية على العكس تسحق الإنسان وتنهكه تماماً ثم تعرقه في حماة خترة، وفي خضم إحساسه بالحقارة الكالملة يلمع فجأة شعاع من الرحمة الإلهية فيطلق الإنسان وقد فاجأته الرحمة وأسكرته صيحة النشوة، ويعتقد لحظة أنه يملك السماء بين جبينه.إن الابتكارات النفسية المسيحية تسعى الى هذا الإفراط المرضي في الإحساس بالفساد الكبير الذي يتطلبه من القلب ومن العقل:تريد أن تفني، أن تنهك، أن تذل ,أن تسكر والشيئ الوحيد الذي لا تريده هوالإيقاع، ولذلك نجدها، في لب محاباتها همجية أسياوية نقيدة النبل الاغريقي "نيتشه-انسان مفرط في انسانيته ت محمد الناجي ص 80"

...يتبع 

الاثنين، 2 أبريل، 2012

                                                                                (2)


د.سامي أدهم

مهّد الفكر الفلسفي في القرن المنصرم للعدمية بإلغاء الأنا مع ميشيل فوكو، ليصبح بعدها النص ناصغاَ شفافاً يُقرأ بالآخر لا بالأنا ، ليصبح النصّ ملكاً للآخر وكل آخر، كي يؤلف النصّ بالآخر، ويمحي الأنا بألاعيبه وأمراضه النفسية ، كي يشعر القارئ بأنه ألفّ النص وأقام السردية.
إن هدم الأنا النصية كان أعظم إنتاج في النصف الأخير في القرن العشرين. أن يكتب الفيلسوف ولا يتعرف على نصّه الأّ من خلال صدى الانفجار المتشظي .فهو غريب عن إنتاجه وعن نصوصه، يقرأ بدهشة وجدّة دائمة. تُقرأ مقتطفات من بارميندس وأفلاطون الآن وتعاد قراءتها بنهم لا يشبع. كلّ افهوم وضغه افلاطون أو أرسطو له جدّة خالدة في هذا القرن. الفلسفة جدّة دائمة وحضورٌ لا متزمن.أن ينظم الشاعر ويعاود قراءة ما كتب كقارئ جديد يرى النور المنبعث من ألقِ النص دون أن يدمج أناه داخله، وهذا هو المستحيل الفلسفي المتوهج. كيف يستطيع فيلسوف أو شاعر أن ينبذ الأنا في نصه وهو ملكُهُ؟ أن تُهدم الأنا والذاكروية في سبيل الإبداع، وهذا هو المطلوب.أن تُلغى الأنا (موقف مستحيل)!


..ليس للفلسفة موضوع ولا أفهومات. الفلسفة سلب مطلق لما هو. نفي صارم لكل ما هو مُعطى وتدمير لما هو. لا تقتصر على موضوع معين، ,بل كل الموضوعات الفكرية هي مواضيعها،الفلسفة هي حدس الفيلسوف،حدس أولي.
..إن غياب الحدوس الأصيلة يجعل النص عاجزاً عن أن يرقى إلى مرتبة الفلسفة. وهو يجعله وضعياً وشيئاً .وهذا ما حدث في النصوص العربية في عصرالنهضة!


ابتدأ القرن العشرون بمقولة الوجود والكينونة مع فلاسفة الوجود. وأصبحت هذه المقولة هي الأساس في الفكر والخطاب الأدبي والفلسفي والسياسي. وقد استثمرت من قبل جماعات سياسية، كالنازية والفاشية والشيوعية، وكونت ركيزة الخطاب السياسي والأيدولوجي. استعملت هذه المقولة من قبل الدعاية النازية والفاشية وأصبحت صَنواً للقومية المتعصبة وللدعايات العرقية. لكن تتابع الاحداث إبان منتصف القرن، أسقط النازية والفاشية، وحطم بذلك مقولة الوجود لمصلحة خطاب العدمية واللاوجود واللاقومية، مُنهياً الثنائية الديالكتيكية الرَّهيبة،ثنائية الوجود واللاوجود. وفي أواخر القرن سقطت الشيوعية وسقط خطابها عندما تحولت إلى فاشية مخابراتية تعتمد مقولة الوجود، مُحورة الفكر الهيجلي اليساري لمصلحة إرهابيي السلطة السوفيتية ، ومُنهية الديالكتيك العقيم القائم على أزدواجيات وثنائيات لغوية فارغة. فأصبح الحزب هو الوجود والكينونة،وهوالمتسلط، نافياً الحرية والديمقراطية. وفي خلال النصف الثاني سقطت مقولة الوجود تماماً، وخرجت من الخطاب الفكري والفلسفي والسياسي، وأصبحت السردية تلهث وراء اللاوجود ليتحول الإنسان التقليدي ، إنسان الحداثة،إلى لا إنسان ما بعد الحداثة، بمقولات جديدة انبثقت من السرديات الجديدة، التي تكون العلم والفن والثقافة. كان الفضل للعلم الحديث والمنطق والتجارب الشعرية الرائدة في إلغاء الثنائية في الخطاب منذ الانبلاج اليوناني حتى الحرب العالمية الثانية.


..الثنائية التي أنهكت الخطاب الإنسانوي الفلسفي وجعلت العمل الفلسفي محصوراً ضمن الزوج الثنائي لايستطيع أن ينطلق في رحاب الفكر دون أن يكون مزوداً بمروحتين تكونان الثنائية الفكرية.الثنائية أي ثنائية الوجود تظهر في النص الفلسفي وتحكمه من أوله لآخره، وهي تحاكمه وتمتص نواته وجوهره. فالوجود والعدم كزوج متلازمتان كثنائية ضاغطة في النص،بحيث لا يمكنه تفكيك الزوج إلى مكوناته إلا بعملية إلغاء النص ذاته. فالنص يختفي من الفكر، وعندما ينبسطُ طولاً،بحيث تصبح قراءة النص غريبة عن ثقافة القرار التقليدية.


إن الخطاب الثنائوي المنفكر في كل لحظاته يجمد الفكر ويجعله يضيع في الإزدواجيات ويقع في مصيدة كبيرة أو نسيج العنكبوت بحيث يصبح من الصعب الخروج منه دون تفكيك وهدم وإذابة للنص ذاته (انتحار النص). الالتباسية في المعنى،والازدواجية الثنائية هما اللتان تسيطران على مسار الفكر، حيث يضغط الفكر بين قطبين متضادين، حيث يسهل المرور من الواحد للآخر بحركة فكرية التباسية. إن الثنائية الازدواجية وطريقة معالجتها أربكت الفلسفة والفكر. فقد اعتمد الفكر في التنقل على نوع من الالتباسية (أمفولوجية) في المعاني. إذ اصبح الدخول أو تحديد قطب في الثنائية وكثرة التحديدات توصل المحدد إلى القطب الآخر،دون استنتاج أو منهاج منطقي.


فالالتباسية التي صنعت الثنائية كانت قوية، بحيث إنها كونت مذاهب ضخمة (الماركسية مثلاً) راحت تطوق المجتمع والأفراد، ملغية قوة الفكر والمنطق،وأصبح الجدل العقيم مذهباً ثنائياً، يستعمل في العلوم والفلسفات، ويوصل الفكر إلى نوع من اللغو عديم الفائدة. إن فَك الثنائيات أو هدمها هو مطلب رئيسي في الفكر وفي ما بعد الحداثة، في الفكر المتشظي الكاوسيّ.





...يتبع

الأحد، 1 أبريل، 2012

التعريف بالعدمية والعدم

التعريف بالعدمية والعدم
(1)

العدمية: هي تجاوز دائم للمعطى واليومي وتقيم للوجود وسلب له،وهي منبع التفلسف والارتفاع فوق سفاسف وتفاهات التجمع البشري،ومسائلة دائمة للأشياء والظواهر وتتبع عللها وغاياتها...ولا تعترف بأي مسلمات أو محرمات،فكل مسلمة وقيمة هي تثبيت للوجود.
(حرفتي هدم الأصنام_نيتشه)


تعريف المُبدع د. سامي أدهم للعدمية..والفلسفة


العدمية: هي سلب للوجود،وهي النصف الاخر الذي يقابل الوجود والعدم لا يمكن فصله عن الوجود،لأنه ركيزة للموجود.كل موجود سيأتي عليه العدم.
العدمية هي السلب والرفض المطلق،وهي مجموعة السلوب السالبة لحالة أو لموقف فلسفي أو أدبي رافض أوشعري، وهذا السلب يستدعي الحضور والإيجاب ،فعندما اسلب أو انفي؛ فأنا افترض وجوداً لأنفيه، كأن اقول ليس القلم موجوداً على طاولتي،فأنا اُقر بوجود القلم لأسلبه.إذن العدمية هي موقف سالب لكنه إيجابي، يفترض الحضور والوجود المسلوب.هي قوة أو نشاط ذاتي يقوم به الفرد ليتعرف على تاريخ الوجود من خلال هنا والآن.


النهيلستية: كلمة اخترعها الروسي تِرجنيف في اواخر القرن التاسع عشر. وتقال في حالة الشك المطلق أو عن المذهب الذي يعتمد التدمير الشامل الكامل كهدف أعلى. إنه مذهب لفرقة أو جماعة من الثوريين الذين انتشروا خصوصاً في روسيا القصيرية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وذلك للنضال ضد حكم القياصرة .النهيلستيون الذين يضمون كثيراً من المثقفين حاولوا إبادة المؤسسات الموجودة، بواسطة محاولات إرهابية. فقد اغتالوا كبار موظفين الدولة واغتالوا كذلك إسكندر الثاني عام 1881م.
النهيل يعني التدمير والإفناء والإلغاء. أما العدمية فتعني الرفض والسلب المطلق لما هو، والتقاء المفهومين (العدمية النهيلستية) يعني الرفض ثم المقاومة المدمرة.
النهيلستية موجودة في كل حضارة وكذلك العدمية وهي المحرك الخلاّق للإبداع والتقدم. فالثورات والانقلابات كلها مواقف عدمية نهيلستية.


العدمية وحدها تعني السلب والرفض المطلق والسلوب السالبة والنفي لما هو، والنهيلستية تعني البراكسيس والانقلاب والتدمير أما التقاء الكلمتين فيعني الخلق والإبداع على الصعيد الفردي والسوسيولوجي.
العدمية النهيلستية هي رد على:
التخلف،والقهر،والظلم،والاستعمار،والاستعباد،والاغتيال،والاستلاب،والاغتراب،والضياع،والتجبر،والتكبر،والتعجرف،والاستبداد،والاحتلال،والفقر،والقلق الشديد،والجهل،والدكتاتورية,والمخابراتية،والاغتصاب،والسلب،والسرقة،والكذب،والعفن،والنتن،والعبث،والإجرام،والشر،
والبشاعة،والرداءة،واللاديمقراطية،والإذلال،والخنوع،والرضوخ،والاستسلام،والحروب،والفشل،والخوف،والسادية،والنرجسية,والمازوشية..ولما كانت الفلسفة عدمية بأمتياز فإنني سأبدأ في تعريف الفلسفة. ما هي الفلسفة؟


ليس النص الفلسفي ترميماً ولا تلفيقاً ولا تذكراً ولا لملمةً ولا مصالحة مع مؤسسة ذاتية أو إجتماعية أو عالمية، ولا هندسة للكلمات والأفهومات ولا تراكماً لما هو حاصل، ولا ترجمة لنصوص الآخرين،ولا ترديداً لما هو دارج، ولا نقلاً لتراث قديم، ولا تطويراً، ولا تفسيراً، ولا شرحاً ولا علم إجتماع،ولا علم نفس، ولا تطويراً ولا تأريخاً للفكر،ولا ثرثرة ولا علماً. إنه نص متفجر بالتساؤلات ، إنه السؤال الذي لا ينتهي، والذي يوّلد سؤالاً وتساؤلاً، ويثير إشكالات معقدة لا حلول لها.


الفلسفة لاتقدم حلولاً وضغية أو علمية أو أخلاقية، أوفكرية أو إستيتيكية. إنها توتر وقلق مستديم ودهشة ومساءلة ونور وهّاج مليئ بالرفض والسّلب والسّلوب والنفي والتشظي المتكرر اللامتناهي.
القلق الإنساني الممزوج بالدهشة المفرطة اللامتناهية. لكنها تمهد بالتساؤلات والتحريات والاستقصاء والدوران إلى إنتاج مفاهيم أو أُفهومات فكرية. الفلسفة عقيمة لا تنتج ولا تلد، وذلك على عكس ما يعتقد بعض المفكرين والكتاب، لكنها تمهد الطريق وتعبّده وتوسعه لإنتاج الأفهومات الفكرية الفلسفية. الفلسفة حالة سلبية سالبة نافية بطريقة مطلقة، تندّ عنها الأفهومات وتتقطر وتتجمع في وعاء وضعي علمي لا صلة له بالفلسفة. هذه الأفهومات تنفصل عن الفلسفة ،مستقلة، وتخضع للفحص والبرهان والمنطق، والمنهج العلمي، كما ينفصل الوليد عن أمه ويكوّن كياناً مستقلاً في دورة حياتية واضحة.
الفلسفة موقف رافض ومهدم مدمر للنصوص والأفهومات، وذلك لإفساح المجال لانطلاق الجدّة والجديد،لهذا، لا يمكن للفلسفة إلا أن تكون سلبية نافية بالمطلق لما هو،عدمية نهيلستية في الفكر. فهي ترفض ما هو، وترفض النص الفلسفي ذاته، وترفض ما يندّ عنها وما يتقطُر وتستعيد السؤال والتساؤل والمساءلة اللامتناهية.
ما هو الوجود؟ ما هي العدالة؟ما هي الكينونة؟ ماهو الزمان ؟ ماهو العقل؟ ما هي النفس؟ ما هوالأنا؟ ما هي الهوية؟ ماهي الثقافة؟..الخ.
وهي لا تعيش إلا من خلال الصراع والصدام والإلغاء والتدمير والرفض والاختلاف، إنها الشيطان الأعظم الذي نصّب نفسه صَنواً للوضعية العلمية. الشيطان الذي يحّرك الفكر والنصوص والسّرديات والأُفهومات والعلم ويدمر العمارة الفكرية والبناءات اللغوية والقواعد. إنه النار التي تأكل الأخضر واليابس وتهدم البنى وتمزق الركود والجمود والسكون. هذا الشيطان يعتمد على السّلوب والنفي والاختلاف والمختلف والعنف الثقافي. هدفه أن يكون طليقاً أوحداً، لا يقبل المساومة ولا أنصاف الحلول ولا الركون والخنوع. يمهد للعقل كي يطرق أبواب المستحيل للإطلالة على الرؤى الثقافية والإبداع. ويعتمد النصية السردية في البراءة المطلقة والرؤية النبوية الفائقة،والاستشراف المستقبلي . الفلسفة هي السحر في جوهره، هي خطف للعقول والأفئدة. وهي والشعرية في صداقة دائمة وأخوة أبدية. هدفها تسمية الأشياء من جديد لتعيد إليها النقاء الأول، وبراءتها الأولى وبرارتها.


كان الشاعر رامبو شيطاناً عندما هدم الدولة والنظام القائم، والسلطة والحب المزيف، والعائلة والأخلاق، فقد تهجم بأشعاره على كلّ ما أطلقه الفكر الإنساني منذ بزوغ الفكر، فأنكره ومحاه بظاهر كفه، إنه عدمي بإمتياز، فكره نقي طاهر ورؤيته إنسانوية. حارب في الكومونة الباريسية ووقف وراء المتاريس وهُزم وخاب أمله، ثم إنفجر أشعاراً وقصائد تُبيد العفن والرخيص.


الإبداع هو العدم، اللاشيئ المختلف، اللوحة العظيمة هي اللاشيئ هي ما لم يكن، هي اللامسبوقة بالزمان. هي المختلف بالإطلاق ، والعدم العادم عندما يتشيئ النص أو السردية يصبح وضعياً كموضوعات العلوم الطبيعية..ليس النص كما من الكلمات.إنه معنى لا مكان ولا زمان.


..يتبع