الخميس، 31 مايو، 2012

عن الغنوصية




الغنوصية : كلمة يونانية تعني العرفانية أو الحلولية أو الباطنينة، (ومن معانيها إغماض العينين). يرجح أنها بدأت في مدينة الإسكندرية في القرن الأول الميلادي لكنها بعتقادي هي بالآحرى نضجت أفضل ما يكون وتحولت الى فلسفة وأصبح لديها اطروحات عقلية على يد فلاسفة الأسكندرية ووصلت الذروة على يد أفلوطين؛لأن بدايتها أسبق من ذلك بكثير وساهمت فيها عدة حضارات حول العالم -أو حتى لم تخلو حضارة منها،,سواء الهندية والبالبلية والفرعونية والفارسية ..الخ وساهم فيها ايضاً بعض الفلاسفة اليونانيين ممن تأثروا بالأخويات الصوفية والعلوم الوثنية للهنود والمصريين.

_ نستطيع القول أن فيثاغوروس والفيثاغوريين هم أول من مهد لفلسفة غنوصية باطنية بتبشيرهم بالتناسخ وثنائية الروح والمادة (وهي فكرة رئيسية لدى الغنوصية)،ونسب الشر للمادة والخير للروح ومعاداة الجسد حيث اعتبروا (الجسد مقبرة النفس)- وقدسوا الأرقام ونادوا بأن جميع الأشياء أعداد ووقروا الرياضيات (كون الرياضيات في الفلسفة هي الحق المطلق والعلم الذي لا يقبل الخطأ، ولا تتدخل فيه الرغبات والأهواء البشرية). وقالوا بأن هناك هندستان - هندسة إقليدية اليفة نبني عليها بيوتنا وجسورنا ..الخ -وهندسة سرية مقدسة تهيمن على الكون وهي الخالقة لكل شيئ. وفرضوا على أنفسهم عادات قاسية من إرتداء ملابس موحدة والامتناع عن تناول اللحوم والفول وتمرينات تأمل وصيام للارتقاء بالنفس وتطهيرها ،لتستعد لتسلم العلوم والمعارف النقية والسرية, وحظروا إذاعة أسرار الجماعة وأخبارها وجعلوا عقوبة تركهم أو إفشاء الأسرار (الموت)-وبالطبع بقيت الجماعات الصوفية والغنوصية وأخوياتها متسمة بطابع التكتم وإخفاء الأسرار، وفاقم من هذا اضطهادهم اللاحق من حكومات الدول والمسيحية والمعادين.

كون الغنوصية فلسفة مثالية فقد وجدت في فلسفة أفلاطون سنداً لها لوقت طويل وهو المتأثر برياضيات فيثاغورس وتصوفه وعشقه للهندسة (الله مهندس)-أفلاطون.
فلسفة أفلاطون ومن بعده أفلوطين الغنوصي مؤسس الأفلاطونية الجديدة ونظريته في الفيض الإلهي هي حجر الأساس للفلسفة العنوصية جمعاء على تعدد فروعها.

_معروف أن فكرة أفلاطون عن عالم المُثل، وكون هذا العالم المادي ظلال لعالم آخر حقيقي لها جذور أقدم منه بكثير خاصة في الهند القديمة،  لكنه هو أول من صاغها بطريقة عقلية وأدخلها عالم الفلسفة- نادى أفلاطون بأن هناك عالم أزلي خالد خلقه اللوغس (الله)-المطلق ،هو عالم المثل وهو عالم الأشياء والماهيات الحقيقية الذي لا يقع عليه التحول والكون والفساد (عالم الحقيقة والحكمة).، العالم المادي هذا مجرد ظلال لعالم المثل الحقيقي وهو عالم حِسي يقع عليه التحول والكون والفساد والوهم ولا وجود حقيقي له لأنه قائم على لغيره. والأشياء التي نراها هنا هي نماذج مُصغرة عن الموجودات الأصيلة في عالم المثل. وقال أيضاً بأن النفس خالدة وتامة المعرفة لكن يقع عليها الجهل والوهم عند سقوطها في هذا العالم، وطريقنا إلى استعادة المعرفة هو معرفة النفس وتذكر الماهيات التي تأملنها سابقاً في عالم المثل. وكان هذا دعماً لفكرة تناسخ الروح-كما قال بأن العالم والجاهل يدركان ظواهر الإحساس، لكن العالم وحده الذي يدرك العلاقات ويَرد الظواهر إلى قوانينها ولديه القدرة على التنبؤ بالمستقبل- علماً بأن التنبؤ الذي يعنيه أفلاطون هو تنبؤ علمي وعقلي مع بعض الخبرة والحدس، مثل التنبؤ بالكسوف والخسوف وغيرها، وقد دخل هذا على معتقدات الغنوصيين وأضيف إليه تفسيرالأحلام وحزر المستقبل بناءً على التنجيم وعلوم روحية اخرى.
كما أعتبر افلاطون أن عملية نقل المعرفة والتعلم تتم من شخص لآخر كما يسكب النبيذ من القارورة إلى القدح، وبتالي رَسخ تبجيل المعلم وضرورة إحترام التراتبية في العلم وضرورة إتخاذ معلم ثقة -(غورو)!. كما معروف أنه دعا ايضاً الى احتقارالجسد وعدم الإنجرار وراء الرغبات وقضاء الحياة في خدمة الفضيلة وتحقيق الحكمة والطمأنينة للنفس-ويذكر عنه في رحلاته حول العالم انه ولع بالعلوم الوثنية السحرية والتقى الأنبياء في فلسطين وجرب ما يسمى بـــ الخروج من الجسد (OFBE). كما إحتقر الفنون والشعراء  (رغم أنه كان شاعرا) باستثناء الموسيقى لأنه إعتبر أن فنهم هوعملية تذكر لأمور ومشاهد من عالم المثل، وهذه من الأمور التي خالفه فيها أفلوطين الذي نادى بأن الفنون وسيلة أساسية للإتصال بالله وتجسيد الجمال.

طبعاً نظرية المثل لم تصمد طويلاً أمام الفحص العقلي والبرهنة، ولعب أرسطو دوراً كبيراً في هدمها بانتقاداته الشهيرة لأستاذه -منها أنها زادت من كمية الأشياء بدلاً من تفسيرها وأنها عاجزة عن تفسيرالحركة ،وأني مثلا لو تخيلت جبلاً من ذهب وبحيرة من ياقوت فهل يعني هذا وجودها في عالم المثل؟ -فهي قد تدخلنا في تصورات ساذجة! ..الخ
حافظت الأفكار الغنوصية على على بعض الحضور لها في الفلسفة في الفترة الممتدة بين أفلاطون وأفلوطين في فلسفات الرواقيين،,كما تناقلت أفكارها عبر بعض الأخويات السرية .

أفلوطين-مُنظر الفلسفة الغنوصية:_

أفلوطين المولود في القرن الثالث الميلادي هو فيلسوف الغنوصية الأكبر وأهم متحدث بأسمها عقلياً، ومؤسس الأفلاطونية الجديدة. يرجح أن أصله يوناني ودرس الفلسفة في الإسكندرية، حيث إنها كانت مركز الفلسفة والمدارس الفلسفية في ذلك الوقت، وكانت العلوم الروحية والوثنية السحرية ماتزال تحافظ بعض وجودها و بريقها لدى الناس في وقته  قبل انتصارات المسيحية الكاملة وإلغاء وتحريم تلك المعارف،كما عاصر أفلوطين (ماني) الفارسي مُدعي النبوة وصاحب الديانة المانوية الغنوصية والتي جمعت بين الزرادشتية والبوذية والمسيحية وقالت بالتقمص والتبتل والرهبنة لانقاذ الروح من أسر المادة وعوالم الظلام .

قال أفلوطين بالفيض الإلهي وبتراتبية الإنبثاق أوالصدور من الواحد إلى الكثرة- فالذات المطلقة-الواحد، فاضت بالعقل الأول -العقل الكلي،وأن الواحد أعلى من العقل لأنه مبدأ وصمد له سابق عليه ولا يقوم وجوده على غيره..وهذا العقل الكلي يملك القدرة على التخليق والإبداع ومنه فاضت النفس الكلية- فثالوث أفلوطين هو الواحد-العقل-النفس.

بدخول العقل بالنفس أواجتماعهما؛ نشأ عالم المادة المحسوس،  وتصوره أفلوطين مُتسلسلاً من عوالم علية رفيعة نزولاً إلى عوالم متدنية أشد مادةً محكومة بالطول والعرض و الإرتفاع-، حيث أعتبر أن للوجود عدة مستويات أو أبعاد- بلغة العصر أكوان متوازية- كون يوازي كون تراتبياً. والنفس تصعد وتهبط فيها حسب صفائها ونقائها! كما أن النفس قائمة بذاتها وتتوزع في الوجود مُجزئة حسب أتصالها بالعقل..فتتخذ أشكال كواكب وبشر وحيوانات ونبات ..الخ وكل شيئ له نفس حتى أدنى صور المادة وهذه النفوس الجزئية حية تماماً وتشكل في مجوعها النفس الكلية -وفي نفس الوقت تحيا مع العقل في داخل -الواحد- حيث هو صمد كل وجود ويحتضن الوجود! (إننا نتنفس في الواحد)-أفلوطين. وإذن فقد ذهب أفلوطين إلى نوع من وحدة الوجود/ الله  كوحدة واحدة وما وجود العالم إلا وجود الله/ وأعتبر الجذبة الروحية الطريقة للإتصال بالله -الواحد- كونه يتعدى العقل والنفس، وأنوتحقيق الطمأنينة والسكينة يكون بالفناء في الله، والجذبة الروحية كأعلى طرق تحصيل المعرفة، والفن كوسيط بين الله والإنسان، كون الجذبة غير ممكنة في كل وقت، فالجمال شكل لفكرة منبعثة من المطلق والفن متفوق على الطبيعة -يُجسد فيه الفنان الجمال -فكرة الله-المطلق-.

دخلت أفكار أفلوطين العقائد المسيحية  لاتقاء فلسفته مع التثليث، ودخول كثير من الغنوصيين في المسيحية..وتكوينهم لاتجاهات صوفية فيها حوربت ونُكل بها فيما بعد.
ومن أبرز المتأثرين بأفلوطين والغنوصية بالحضارة الأسلامية ابن سينا والحلاج، خاصة بوحدة الوجود، والتي صُلب الحلاج ثمناً لاعتقاده بها..وإخوان الصفاء وخلان الوفاء أيضاً، وحاولوا التوفيق بينه وبين أرسطو والمعتقدات الأسلامية وبالتأكيد الإسماعلية والدروز..كما حاول بعض المتصوفة الإسلاميين تبني نظريته الفيض والقول بنظرية الفيض الألهي الإسلامية بتسويغ أن الله خلق العقل والنفس- وأن النفس عصت ! تغيراً لقول أفلوطين بأن الواحد عندما يصل لدرجة من الكمال فأنه يفيض ويتكاثر!
وقضى أفلوطين حياته بعد دراسته وتدريسه في الإسكندرية متجولاً حول العالم زائراً مراكز الحكمة والأخويات الصوفية مولعاً بالسحر والكيمياء وتوفي في إطاليا سنة 270 م.. وأثرت فلسفته حتى بعد وفاته بقرون على فلاسفة أوروبا النهضة خاصة سبنوزا وهيجل.

تلخيص معتقدات الغنوصية وركائزها الفلسفية:_

_الفصل بين الروح والمادة، النفس والجسد والعقل،واعتماد الثنائية والمفارقة.
_ النظر للعالم المادي كعالم زائل ومؤقت ،وغير ذي جدوى كبيرة، وواحدية مصدر الخير والشر.

_الله كفياض للوجود وليس خالقه خلقاً مباشراً،وكمنبع للجمال مستقل عن الخير و الشر، بعيداً عن مشاكل البشر اليومية.

_ إن المعرفة في جوهرها باطنية روحية، وما دراسة العلوم الطبيعية إلا مقدمة لفهم علوم الروح وأستيعاب الحقائق الأبدية الخارجة عن نطاق الطبيعة.

_استقلال الحكمة عن الإرادة البشرية وضعف اللغة البشرية في إيصالها،وتجلي الألوهية في كل الموجودات- وأنبثاق المعارف عن طريق الجذب الروحي والأحلام والوحي الألهامي الوجودي عند بعض البشر ممن يملكون الحساسية والحب الكافي، والإعتماد على الحكايات والقصص والتشبيه في إيصال الحكمة للعامة!

_النزعة التوحيدية بين المعارف والأديان، عبر التأكيد على وحدة المصدر.
_ خلود الروح أو النفس ، واعتقاد فرق غنوصية كثيرة بالتناسخ والتقمص..والدعوة لتطهيرالنفس ورفع مستوى المعرفة لاستلام معارف تتطلب نفسا سليمة.

_إزدواجية العالم -روح-مادة، واقع -حلم..تتطلب قدرة على التجريد،وقراءات مختلفة للنصوص، لاستعياب حكمتها ومعانيها الخفية الخارجة عن إطار الزمكان الذي نعيش فيه.

-تجلي العقل في التاريخ ، وأن التاريخ يسير بخطى واحقاب نحو عصر ذهبي ما .


..من المأخذ على العنوصية أنها تعتمد المفارقة وتشتت الإنسان بين عالمين، فتفصل روحه عن جسده ،فلا يعود ابن الأرض ولا ابن السماء ويضيع بين هذا وذلك، بدلاً من أن يكون ابن الأرض وسيدها مُنتش بفرحها! روحه عين جسده وحكمتها حكمتها، ثابت في عالم واحد لا ترهقه أي تنائية..ولا يكون عقله مختلف عن إرادته،,وإرادة نفسه مخالفة لإرادة جسمه..
وأيضاً يؤخذ عليها تكتمها وتجمعاتها السرية،ولا مبالاتها بآلام البشرية، حالمة بعولم اخرى وجالعة الإله مفارقا لا يُعنى ولا يعيش مشاكل  بالبشر، متعالِ لافائدة منه!. وأيضا وتشجيعها على الأساطير والخرافات..

ويحسب لها تسامحها، وتشجيعها على الفنون والشعر وإهتمامها بالمعارف والفلسفة. وحفظها لبعض الحكم والنصوص القديمة

انتهى



شيفا









ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق