الجمعة، 2 سبتمبر، 2016

قصائد نثر صغيرة (2) - شارل بودلير



"بودلير هو الرائي الأول، ملك الشعراء... إله حقيقي." -آرثر رامبو





بورتريهات لعشيقات:


في مخدعٍ للرِّجالِ، أيْ في قاعةِ تدخينٍ ملحقةٍ بمنزلٍ أنيقٍ مشبوه، ثمَّةَ أربعةُ رجالٍ يدخِّنون ويشربون. لمْ يكونوا شبَّانًا أو شيوخًا على وجهِ التَّحديدِ، لا جميلين ولا قبيحين؛ ولكن سواءٌ كانوا شبَّانًا أو شيوخًا، كانتْ لهم هذهِ الميزةُ غيرُ الغريبةِ على متمرِّسينَ في اللَّهو؛ هذا الشَّيء غير المحدَّدِ الذي لا أعرفه، هذا الحزنُ الباردُ والمتهكِّمُ الذي يقولُ بوضوحٍ: "لقد كانت حياتنا شديدةَ الحيويَّةِ، ونبحثُ عمَّا يمكنُ أن نمنحه من جديدٍ الحبَّ والتَّقدير."
طرحَ أحدُهم الثَّرثرةَ حولَ موضوعِ النِّساءِ. كان الحديثُ ليكون فلسفيًا أكثرَ دون ذكرِ هذا الموضوع من الأساس؛ ولكن ثمَّةَ رجالُ فكرٍ لا يحتقرون المواضيعَ التَّافهة بعدَ أن يشربوا. وهكذا يُسْتَمعُ لمن يتحدَّثُ منهم كما يُسْتَمَعُ لموسيقى راقصة.
قالَ هذا: "كلُّ الرِّجالِ كانوا بعمرِ الملائكةِ: إنَّه العمرُ الذي نُقَبِّل فيهِ -دون قرفٍ- جذوعَ السنديان، لنقصٍ في الجميلاتِ. إنَّها الدَّرجةُ الأولى للحبِّ. في الدَّرجةِ الثَّانيةِ نشرعُ في الاختيارِ. ما إن يتَمَكَّن المرءُ من التَّداولِ حولَ خيارٍ ما حتَّى يشرعَ في الانحدارِ. حينئذٍ يبحثُ عنِ الجمالِ. وبالنِّسبةِ لي، أيُّها السَّادة، فإنَّ لي مجدَ أنَّني بلغتُ، منذُ مدَّةٍ طويلةٍ، مرحلةً مُتقدِّمَةً من الدَّرَجةِ الثالثة، حيثُ الجمالُ نَفسُه لا يكفيني إنْ لمْ يَكُن مُحسَّنًا بالعطرِ والحلي... إلخ. حتَّى إنني أعتَرِفُ أنني أسعى إلى درجةٍ رابعةٍ، كمنْ يسعى نحوَ سعادةٍ مجهولةٍ. هذه الدَّرجةُ ينبغي أن تكونَ موسومةً بسَكينةٍ مطلقةٍ. ولكنْ، خلالَ حياتي كلِّها باستثناءِ عمرِ الملائكة، كنتُ أكثرَ الرِّجال حَساسيَّةً للحماقةِ المُزعِجةِ والتَّفاهةِ البغيضةِ للنِّساء. أكثرُ ما أحبُّ في الحيواناتِ براءتها. لَكُمْ أنْ تَتَخيَّلوا إذنْ كمْ عانَيْتُ منْ عشيقتي الأخيرةِ.
كانتْ الابنةَ اللَّقيطةَ لأميرٍ. وكانتْ جميلةً، لا أحتاجُ ذِكرَ هذَا -وإلاَّ لماذا كنتُ لأتَّخِذَها عشيقةً؟ - ولكنَّها قدْ أفسدَتْ ميزتها العَظيمةَ هذهِ بطُموحٍ غيرِ لائقٍ ومُشوَّهٍ. لقد كانت امرأةً تَتوقُ لتكونَ دائمًا الرَّجلَ. "أنتَ لستَ رجلاً، كانت تقولُ، آهٍ! لوْ كنتُ رَجلاً! فيما يَتَعَلَّقُ بنا على الأقلِّ، أنا الرَّجُل!" كانتْ هذهِ جُملها الَّتي لا تطاقُ والَّتي تُكرِّرُها بفَمِها ذاكَ الذي تَمنَّيْتُ لَوْ لمْ يَكُنْ يَنطِقُ سوى بالأغاني. وإذا ما حدثَ وأبْديتُ إعجابي بكتابٍ أو قصيدةٍ أو أوبيرا، كانتْ تقولُ: "هلْ تعتقدُ هذَا عملاً قويًّا؟ هلْ تعرفُ شيئًا عنِ القُوَّة؟" ثمَّ تَشْرَعُ في عَرْضِ حُجَجِها.
ذاتَ يومٍ جميلٍ بدأتْ بالتَّحَوُّل؛ منذُ ذَلكَ اليومِ صرتُ أجِدُ قناعًا منْ زجاجٍ بينَ فمي وفمها؛ ومعَ ذلكَ فقدْ كانتْ بالغةَ الحِشمةِ. فإذا ما حدثَ ودفعتُها بفعلِ حبٍّ زائدٍ قليلاً، كانتْ تتشنَّجُ كما امرأةٍ حسّاسة تتعرضُ للاغتصابِ..."
-"كيفَ انتهى ذَلكَ"، قالَ أحدُ الثَّلاثةِ، "لمْ أعهدكَ صبورًا هكذا."
-يضعُ الله الدَّواءَ في الدَّاءِ. فقدْ وجدتُ ذاتَ يومٍ هذه المنيرفا التَّواقةِ للقُوَّةِ المثاليَّةِ وحيدةً مع خادمي في وَضعيَّةٍ أجبرتني على الانسحابِ خِلْسَةً حتَّى لا أجْعلَهُما يحمرَّانِ خجلاً مِنْ فعلهما. وفي المساءِ طردتُهُما معًا، ودَفعْتُ لهما متأخَّراتِ راتِبَيْهِما.
-"أمَّا أنا، اسْتَأْنفَ المُقاطِعُ، فلا أُعاتِبُ إلاَّ نَفْسي. إذْ جاءتِ السَّعادةُ لِتَسكنَ إليَّ فَلمْ أَعْرِفْها. لقدْ أَهداني القدرُ مُؤَّخرًا لَذَّة امرأةٍ هي الأكثرُ دَماثةً، الأكثرُ خضوعًا والأكثرُ وفاءً بينَ كلِّ المخلوقاتِ؛ دائمةُ الاستعدادِ! لا تأخُذُها نوبةُ حماسٍّ! ردُّها كانَ دائِمًا: "أريدهُ لأنَّك تجدُه رائعًا." وإذا ضربتَ هذا الحائطَ أو هذه الكنبة بالعصا، فسَتنالُ مِنْهُما تأوُّهاتٍ أكثرَ ممَّا نالَ منْ صدرِ عشيقتي زَخمُ حبِّي العنيف لها. بعدَ سنةٍ من الحياةِ المشتركةِ، اعترفتْ لي بأنَّها لمْ تبلغِ اللَّذةَ يومًا. شعرتُ بالقرفِ من هذهِ المَعركةِ غيرِ المتكافِئةِ. ثُمَّ تَزوَّجَت هذه الفتاةُ الفريدة. وبعدَ فترةٍ انتابتني رغبةٌ في أنْ أراها. وقالتْ لي وهي تريني ستَّةَ أطفالٍ جميلين: "الزَّوجةُ مازالت عذراءَ تمامًا، كمَا كانتْ عشيقتُك." لم يَتغيَّر طبعُها في شيءٍ. وأحيانًا أشْعُرُ بالنَّدمِ عليْها: كانَ ينبغي أنْ أتَزوَّجَها."
ضحكَ الآخرونَ، وقالَ ثالثٌ بدوره:
"أيُّها السَّادةُ، لقدْ عرفتُ متعًا ربما قدْ أهملتموها. أريدُ أنْ أتحدَّثَ عمَّا هو فكاهيٌ في الحبِّ، وبالضَّبطِ عن فكاهةٍ لا تلغي الحبَّ. لقدْ أُعجبتُ بعشيقتي الأخيرةِ كما لا أعْتقدُ أحَدَكُم قد أحبَّ او كَرِهَ عشيقَتَهُ. وقدْ أُعجبَ بها الجميعُ مثلي. فكُنَّا إذَا دَخلْنا مطعمًا، لا يَستَغرِقُ الأمرُ بِضْعَ دقائقَ قَبْلَ أن ينسى كلُّ الوافِدينَ أكلَهم ليتأمَّلوها. كانَ نُدُلُ المطعمِ وسيِّدَةُ الحسابِ يستَشعرون بدَورِهِم هذا الذُّهولَ المُعدي، حتَّى أنهم ينسون واجباتِهم. باختصارٍ، لقدْ عِشْتُ لبعضِ الوقتِ وجهًا لوجهٍ مع ظاهرةٍ حيَّة. كانتْ تَأْكلُ، تمضغُ، تَجرشُ، تَفْتَرِسُ وتَبْتَلِعُ بطريقةٍ هي الأكثرُ خِفَّةً ولامبالاةً في العالمِ. لَقَدْ أبْقتني في حالةِ نشوةٍ مدَّةً طويلةً. كانَتْ لَها طريقةٌ رقيقةٌ، حالمةٌ، إنجليزية وخيَاليَّةٌ في قولِ: "أنَا جائعة". كانتْ تُكرِّرُ هذا ليلَ نهارَ مظهرةً أسنانًا هيَ الأجملُ في العالمِ. بإمكانها أنْ تُلينك وتُفرِحَكَ في آنٍ. -كانَ بإمكاني أنْ أصيرَ ثَرِيًّا منْ عرضِها في المعارِض على أنها وَحشٌ أكولٌ. لطالمَا أَطْعَمْتُها جيِّدًا، ومعَ ذلكَ تَرَكَتْني." -"إلى مُوَرِّد أغذيةٍ، بلا شكّ؟"-
-"شيءٌ من هذا القَبيلِ، لقدْ تَركتني منْ أجلِ مُوظَّفٍ يُشرفُ على أَطْعِمةِ الجَيْشِ، كانَ بفعلِ شيءٍ يَعرِفُهُ هُوَ، يَمْنَحُ طعامُ العديدِ من الجُندِ لهذهِ الطِّفلةِ المِسكينَةِ. هذا ما أَعتقِدُهُ على الأقلّ."
-"أمّا أنا، قالَ الرّابعُ، فقدْ عانَيْتُ من عذاباتٍ شنيعةٍ هي على نقيضِ ما نُعاتبُ عَليْهِ عمومًا الأنانيةَ النِّسائية. وأراكُمْ مُخطئين، وأَنْتم الأكثَرُ حظًّا بين الكائنات، بالشَّكوى منْ نقائصِ عشيقاتِكُم."
قيلَ هذا بنبرةٍ غاية في الجدِّيةِ من رجلٍ لهُ طلعةٌ رقيقةٌ وواثقة، ومظهرُ راهبٍ. عَيْناهُ تلمعانِ برماديٍّ فاتحٍ حزينٍ، وتقولانِ: "أريدُ!" أو "يَنبغي!" أو "لا أغْفِرُ أبدًا!".
"عصبيًا كما عرفتُكَ يا غ...، أو جبَانَيْنِ وخَفيفِيْنِ كما أنتُما يا ك... وج...، لوْ أنَّكُم صاحبتُم امرأةً من معارفي لَلُذْتُم بالفرارِ، أو كُنتمْ لتموتوا. أمَّا أنا فقدْ عِشتُ كما تَرَوْن. تَصوَّروا شخصًا يعجزُ عنْ ارتكابِ خطأ في الإحساسِ أو الحسابِ. تَخيَّلوا صفاءَ طَبعِ كئيبِ. إخلاصًا لا تمثيلَ فيهِ ولا ادعاءَ. رِقَّةً لا تعكِسُ ضُعفًا. طاقةً دونَ عُنفٍ. قصَّةُ حبِّي تُشبهُ سفرًا لا ينتهي على مساحةٍ نقيَّةً وملساءَ مثلَ المرآةِ، رتيبةً حدَّ الدُّوار، وتعكسُ كلَّ مشاعري وأفعالي بالدِّقةِ السَّاخرةِ لوعيي الخاصّ. بِحيثُ لمْ يكن ممكنًا أنْ أسمحَ لنفسي بشعورٍ أو فعلٍ غير معقولٍ دونَ أنْ أَتَمَثَّلَ في الحينِ العِتابَ الصَّامتَ لطَيْفِي اللَّصِيقِ. بَدا الحبُّ لي مثلَ الوِصايةِ. كمْ منَ الحماقاتِ مَنَعَتْ عليَّ فِعْلَهَا! وَكمْ دينًا سدَّدْتُه رُغمَ أَنفي! لقدْ مَنَعَتْ عَليَّ كلّ المزايا الَّتي كانَ يمكنني نَيْلها من طَيْشي. كانتْ تَشْطُب كلّ تقلُّباتي بقواعدَ باردةٍ يُمْنَعُ انتهاكها. ولِيكتملَ الرُّعب، لمْ تكنْ تطلبُ عرفانًا بعدَ مرورِ خطرٍ. كَم مرّةً منعتُ نفسي منَ القَفْز عليها وخَنقها، صارخًا بِها: "كوني ناقصةً أيَّتها البَائسةُ! حتَّى أُحِبَّك دونَ قلقٍ أو غضبٍ." لقدْ أعْجِبتُ بها لسنواتٍ طويلةٍ بَينما القَلْبُ يفيضُ كراهيَّة. وفي النِّهاية، ليسَ أنَا مَنْ ماتَ."
-"آهْ! نطقَ الآخرون، لقد ماتتْ إذن؟"
-"نعمْ! لمْ يَكنْ مُمكنًا الاستِمْرارُ هكذَا وقدْ غدَا الحبُّ بالنِّسبةِ لي كابوسًا مرهقًا. الانْتصارُ أو الموتُ، كمُا تَقولُ السِّياسَة، كانَ هذا البديلَ الّذي فرضهُ عليَّ القدرُ! ذاتَ مساءٍ، في غابةٍ على شاطئِ بُحَيْرة... بَعدَ جولةٍ كئِيبةٍ كانتْ عيناها خلالَها تَعْكسان هدوءَ السَّماءِ، وحَيثُ كانَ قَلبي أنا مُكدَّرا مثلَ الجَحيمِ..."
-مَاذَا؟
-كيفَ؟
-ماذا تُريدُ أنْ تقولَ؟
-كانَ أمرًا لا مفرَّ منهُ. إحساسي بالعدالَة قَويٌّ، أَقْوى منْ أن أَضربَ أَو أظلمَ أَو أَطْردَ خادمًا لمْ يَقتَرِفْ سوءًا. ولكنْ وَجَبَتْ عليَّ موافقةُ هذا الإحساسِ معَ الرُّعبِ الّذي بثَّه داخلي هذا الكائنُ؛ كانَ ينْبغي التَّخلصُ منه دونَ أنْ أقلِّلَ منْ احتِرامهِ. ماذا تريدونَ أنْ أفعلَ بها، لمَّا كانتْ مثاليةً؟
نَظَرَ إليه الرِّفاقُ الثَّلاثَةُ نظرةً مُبهمةً وبليدةً نوعًا ما. كَما لوْ أنَّهم يمتَنِعونَ عنِ الفَهمِ وكما لوْ أنَّهم يعترفونَ ضمنيًّا أنَّهم لا يشعرونَ بأنَّهُم قادرونَ على ارْتِكابِ عملٍ بهذا العُنفِ، حتَّى إنْ كانَ مُبَرَّرًا بما يَكفي.

بَعدَ ذلكَ أُحضرَتْ لَهُم قنِّيناتٌ جَديدةٌ ليَقتلوا الوَقْتَ الَّذي يُخفي حياةً قاسيةً، ويُعَجِّلُوا الحَياةَ الَّتي تَنْسابُ ببطءٍ شديدٍ.



ترجمة: Achraf Nihilista


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق