الخميس، 13 ديسمبر، 2012

مقتطفات من دوستويفسكي




أنا أضع دوستويفسكي فوق كل الفلاسفة.
                                      سيوران.











_الشياطين

وما الذي يمنع الناس من قتل أنفسهم في رأيك؟
(..)
لا أدري بعدُ على وجه اليقين. غير أن هناك وهمين شائعين يمنعاننا من ذلك..شيئين لا ثالث لهما ، أحدهما صغير جداً. والثاني كبير جداً. ولكن الصغير كبير أيضاً
-فما هو الصغير؟
الألم.
-الألم؟ أهو هام إلى هذا الحد. ..في مثل هذه الحالة؟

نعم، هام جداً. هناك فئتان من الناس: الذين ينتحرون بسبب عذاب كبير، أو ينتحرون غضباً، أو يكونون مجانين، أو ينتحرون لأي سبب آخر .. وهؤلاء ينتحرون فجأة. وهم لا يخطر ببالهم الألم كثيراً. ففي دقيقة واحدة ينتهي كل شيء. أما الذين يفكرون ، فهؤلاء يحسبون حساب الألم كثيراً.
-هل هناك أُناس ينتحرون وهم يفكرون؟
كثيرون جداً، ولولا الأوهام الشائعة، لكانوا أكثر، ولكان عددهم كبيراً جداً، ولكانوا كل الناس. 
-كل الناس؟ حقاً؟
لم يجب بكلمة.

-ولكن أليس هناك وسيلة للانتحار بدون ألم؟ 
قال وهو يقف أمامي:
تخيل صخرة في حجم عمارة كبيرة. وتخيل أنها بارزة فوق الطريق وأنك تحتها. هل تحس بألم إذا هي سقطت على رأسك؟
-صخرة في حجم عمارة ؟ سوف أخاف طبعاً.
لا أتكلم عن خوفك, ولكن هل يمكن أن تشعر بألم إذا هي سقطت على رأسك؟
-صخرة كالجبل, وزنها مليون طن؟ لن أحس بشيء طبعاً.
ومع ذلك فإنك إذا وجدت في هذا الموقف ستظل تخاف من أن يصيبك ألم ، ما بقيت تحت الصخرة. وأكبر العلماء، وأعظم دهاقنة العلم ، سيخافون جميعاً، جميعاً،
-وما هو السبب الأساسي الأكبر؟
الحياة الآخرة .
-أي العقاب؟
العقاب ليس له شأن كبير. بل الحياة الآخرة . الحياة الآخرة  فقط.
-أليس هناك ملحدون لا يؤمنون بالحياة الآخرة ؟
لزم الصمت. قلت:
لعلك تقضي بالأمر على أساس شعورك أنت؟
أجاب وقد احمر وجهه:
كل إنسان لا يستطيع أن يحكم بالأمر إلا على أساس شعوره . سوف تكون الحرية كاملة متى استوى عند الإنسان أن يعيش وأن يموت. تلك غاية كل شيء.
-هدف؟ ولكن من الممكن إذن أن أحداً لا يرغب في أن يعيش؟ 
نعم.
كذلك أجاب بلهجة قاطعة. قلت:
-إن الإنسان يخاف الموت لأنه يحب الحياة . هكذا أفهم أنا الأمور. ذلك ما أرادته الطبيعة.
صاح يقول وقد إلتمعت عيناه:
هذا جُبن . وتلك هي الخديعة . الحياة ألم . الحياة رُعب . الإنسان شقي . كل شيء الآن ليس إلا عذاباً ورعباً . الإنسان يحب الحياة لأنه يحب العذاب والرعب . ذلك ما حصل . الحياة ثمنها العذاب والرعب . تلك هي الخدعة . اليوم الإنسان ليس إنساناً بعد . سيجيئ إنسان جديد , سعيد فخور. الإنسان الذي يستوي عنده أن يعيش أو يموت, سيكون هو الإنسان الجديد . الإنسان الذي سينتصر على الألم والرعب, سيكون هو نفسه الإله . أما الإله الآخر فلن يكون له وجود بعد ذلك.

-فهذا الإله موجود إذن في رأيك؟
ليس موجوداً, ولكنه موجود . إن الصخرة ليس فيها ألم, ولكن الألم هو في الخوف من الصخرة . الإله هو عذاب الخوف من الموت . فالإنسان الذي سينتصر على الألم والخوف, سيكون هو نفسه الإله. وسوف تبدأ عندئذٍ حياة جديدة . عندئذ سوف يظهر الإنسان الجديد . سيكون كل شيء جديداً. وسوف يقسمون التاريخ عندئذ إلى عهدين : عهد يمتد من الغوريللا إلى إنعدام الإله, وعهد يمتد من إنعدام الله...

-إلى الغوريللا؟

إلى التحول الجسمي الذي يطرأ على الإنسان والأرض . سيصبح الإنسان إلهاً, وسيتبدل جسمه . والكون سيتحول, والأعمال ستتحول, والعواطف والأفكار . ألا تعتقد أن الإنسان يتبدل عندئذ جسمه؟
-إذا إستوى عند الإنسان أن يحيا وأن يموت, فسوف ينتحر جميع الناس, وربما كان هذا هو التبدل...

ما لهذا من قيمة . سوف يُنحر الكذب. إن الذي يريد الوصول إلى الحرية القصوى, عليه أن يملك الشجاعة اللازمة للإنتحار . والذي يملك الشجاعة اللازمة للإنتحار, فسوف ينفذ إلى سِر الخدعة . ليس ثمة حرية أعلى . كل شيء يثوي هنا, وليس وراء هذا شيء. من يجرؤ أن ينتحر فهو الله . كل إنسان يستطيع أن يجعل أن لا يكون ثمة إله, وأن لا يكون ثمة شيء . ولكن أحداً لم يفعل ذلك في يوم من الأيام حتى الآن.
-غير أن ملايين الناس قد إنتحروا مع ذلك.
ولكن لأسباب أُخرى دائماً . إنتحروا دائماً برُعب . لم ينتحروا أبداً لهذا السبب . لم ينتحروا لينحروا الرُعب . إن الذي سيقتل نفسه من أجل أن يقتل الرعب فقط, سيكون في تلك اللحظة إلهاً.

من حوار الراوي مع كيريلوف


إذا أردت أن تعزوا العالم وأنت جالس في عرفتك، إنتصر على نفسك !

إنه لم يوجد رجل شريف في يوم من الأيام.
شاتوف

لو كان الناس راضين عن أنفسهم .. إذن لنتحروا جميعاً
ستافروجين



هناك لحظات تدوم خمس ثوان أو ستاً تحس أثناءها فجأة بحضور الإنسجام الأبدي, وبأنك بلغت هذا الإنسجام الأبدي . ليس ذلك شيئاً أرضياً : لا أقول أنه سماوي, ولكنني أقول أن الإنسان من جانبه الأرضي عاجز عن إحتماله . فيجب أن يتغير جسم الإنسان أو يموت . إنه شعور واضح, لا جدال فيه, مُطلق . تدرك الطبيعة كاملة على فجأة, وتقول لنفسك: نعم , هذا هو, هذا حق. حين خلق الله العالم كان يقول في آخر كل يوم : " نعم , هذا خير, هذا عدل;هذا حق". ليس ذلك نوعاً من ترقق العاطفة والحنان . إنه شيء آخر . إنه فَرح . وأنت عندئذ لا تغفر شيئاً, إذ لا يبقى ما تغفره . وليس ذلك حباً . آه... إنه فوق الحُب . الأمر الرهيب هو أنه واضح وضوحاً مخيفاً مُروعاً . غيرَ أن فرحاً واسعاً يغمر كل شيء ! لو دام أكثر من خمس ثوانٍ, لما إستطاعت النفس أن تتحمله ولكان عليها أن تزول . في هذه الثواني الخمس أحيا حياةً بكاملها, وإني لمستعد في سبيلها أن أهب حياتي كلها ... لأن هذه الثواني الخمس تساويها . من أجل أن يستطيع المرء إحتمال ذلك عشر ثوان يجب أن يتغير جسمه . وأظن أنه يجب على الإنسان أن يَكف عن التناسل . لماذا الأطفال, لماذا نمو الإنسانية, إذا كانت الغاية قد بُلغت ؟ لقد جاء في الإنجيل أن البشر لن يلدوا بعدَ البعث في الحياة الآخرة, وأنهم سيكونون جميعاً كملائكة الله .
كيريلوف



_مُذلون مُهانون

..لو أمكن أن يتوصل كل منا ( وهذا مستحيل بحكم الطبيعة البشرية) إلى الكشف عن جميع هذه الأفكار دون أن يخشى أن يَطلع الناس لا على ما لا يجرؤ أن يقوله لأحد, ولا على ما لا يجرؤ أن يقوله لأعز أصدقائه فحسب, بل أيضاً على ما يخشى أن يعترف به لنفسه, لخرجت من الأرض عفونة تبلغ من النتانة أنها تخنقنا جميعنا.

إنها للذة عظيمة أن يخلع المرء قناعه فجأة.

-أي شيء ليس إذن بباطل؟
شخصيتي, ذاتي, أنا. كل شيء هو لي,ومن أجلي إنما خُلق العالم. إسمع يا صديقي: إنني ما زلت أعتقد أن في وسع الإنسان أن يحيا على الأرض. وهذا خير الإعتقادات طراً, إذ بدونه لا يستطيع الإنسان أن يحيا حياة سيئة, ولا يبقى له إلا أن يسمَّ نفسه. ويقال : إن هذا ما فعله أحد الحمقى: بلغَ من إغراقه في الفلسفة أن وصل إلى إنكار كل شيء, حتى الواجبات العادية البسيطة, فلم يبق له شيء. إن مجموع ما بقي له: صفر . وعندئذٍ أخذ يقول : إن خير ما في الحياة هو حامض السياندريك. ستقول لي: إن هذا هو هاملت, إنه ذروة اليأس, إنه شيء كبير لا تستطيع حتى أن تُفكر فيه . ولكنك شاعر, أما أنا فمخلوق فانٍ, لذلك سأقول لك: يجب أن تنظر إلى الأمر نظرة عملية بسيطة . أنا مثلاً, قد تحررت, منذ مدة طويلة, من كل رابطة ومن كل واجب. فما أشعر بواجب إلا حين يحمل إلي هذا الواجب منفعة من المنافع. طبعاً, أنت لا تستطيع أن تواجه الأمور على هذا النحو, لأن هناك قيوداً على قدميك. إنك تحكم على الأمور من ناحية المثل الأعلى, من ناحية الفضيلة. وأنا مستعد لأن أُسلم بكل ما تقول, ولكن ما حيلتي وأنا مقتنع بأن الأنانية العميقة هي أساس جميع الفضائل الإنسانية, وأن فضيلة عمل من الأعمال هي على قدر ما ينطوي عليه من أنانية. أحب نفسك أيها الإنسان, تلك القاعدة الوحيدة التي أعترف بها.

ما من شيء أمتع للإنسان من أن يعيش في صحبة حمقى, ومن أن يعزف على أوتارهم: إنه يستفيد من ذلك! لا تأخذ علي أنني أُقيم وزناً لآراء المجتمع, وأنني أحرص على بعض المواضعات, وأنني أنشد الإعتبار والجاه. أنا أعرف أنني أعيش في مجتمع تافه... ولكنني حتى الآن أتحمس له, وأنعق مع الناعقين;إنني أتظاهر بالدفاع عنه دفاعاً حاراً, ومع ذلك فمن الممكن, إذا إقتضى الأمر, أن أهجره أول من يهجره. إنني أعرف جميع أفكارهم الجديدة, رغم أنني لم أحفل بها يوماً. وعلام أحفل بها؟ إنني لم أشعر يوماً بعذاب الضمير. إنني أقبل كل شيء, متى كان لي فيه نفع. وأمثالي كثيرون, ونحن جميعاً في أحسن حال حقاً. يمكن أن يفنى كل شيء على الأرض, وأن نظل نحن وحدنا لا نفنى أبداً. إننا نوجد منذ وُجدَ الوجود.. قد يغرق الكون كله, ونبقى نحن نطفو على وجه الماء, نطفو إلى الأبد, أنظر, بهذه المُناسبة, كم تطول حياة أمثالنا. إننا نعمر كثيراً, ألم يلفت نظرك ذلك؟ إننا نعيش حتى الثمانين, حتى التسعين. فالطبيعة نفسها تحمينا إذن.. هه هه.. أريد أن أبلغ التسعين حتماً, أنا لا أُحب الموت سُحقاً للفلسفة. فالنشرب..

الأمير


_الأبله

لماذا تخلق الطبيعة أفضل الناس لتسخرَ منهم بعد ذلك؟ أنا لم أُفسد أحداً.. لقد أردت أن أحيا لسعادة الناس جميعهم.. لإكتشاف الحقيقة ونشرها..
ماذا كانت النتيجة؟ لاشيء! كانت النتيجة أنكم تحتقرونني .وهذا دليل على أنني أحمق.
هيبوليت


أنا أعشق الحمار : الحمار مخلوق طيب مُفيد.
الامير ميشكين


_المراهق

إن كل شيء في هذه الدنيا ينتهي دائماً بصغار وحقارة.

لا شك في أن شعوراً خفياً بالقدرة أمتع كثيراً من السيطرة الظاهرة . لو كنتُ غنياً أملك الملايين , لطاب لي , فيما أظن , أن أرتدي ثياباً مرقعة , وأن أُوهم غيري بأنني أبأس الناس طرا , وبأنني شبه  متسول , وأن أجعلهم يزدرونني ويحتقرونني : حسبي عند ذلك شعوي بثرائي.

إن ما يبقى في أعماق النفس من أمور أكثر كثيراً مما يظهر في الكلمات . ما ظل تفكيرك في داخلك , مهما يكن ضعيفاً يظل أعمق منه حين تُفصح عنه . إن تفكيرك , متى عبرت عنه , يصبح أقرب إلى الإضحاك وأبعد عن الصدق.


إن الضاحك,كالنائم, لا يعرف عن وجهه شيئاً في أكثر الأحيان. هناك كثرة كبيرة من الناس لا تجيد الضحك البتة.والحق أن الأمر ليس أمر اجادة يحصلها المرء بالمران,وانما الضحك موهبة يؤتاها المرء فطرة,فإذا أراد أحد أن يحصل هذه القدرة على إجادة الضحك كان عليه أن يربي نفسه تربية جيدة,وأن يحسن ذاته,وأن ينتصر على غرائزه السيئة,فإذا فعل ذلك قد يتحسن ضحكه.ومن الناس من يفضحهم ضحكهم,فمتى رأيتهم ضاحكين حزرت فوراً ما تخبئ بطونهم.فرب ضحكة ذكية حقاً ثم هي تنفرك مع ذلك احياناً.ان الضحك يقتضي الصراحة قبل كل شيئ.فاين الصراحة قي البشر؟والضحك يقتضي نفساً كريمة,والناس في أكثر الأحيان أنما يصدرون ضحكهم عن خبث وشر.والضحك الصريح الذي لا شر فيه فرح::فأين الفرح في زماننا هذا وأين الناس الذين يعرفون كيف يفرحون؟



أركادي ماكروفتش


_في قبوي..أو الإنسان الصرصار

إن الرجل الذكي لا يُفلح قط في أن يصبح شيئاً.

الإسراف في إدراك الأشياء والشعور بها مرض.

الذكاء مشكلة ، والتفكير مرض...وشدة الإدراك لعنة حقيقة.

كل وعي مَرض.

..لليأس لذة. إن اليأس يشتمل على أقوى اللذات.

لعلَ الإنسان السوي يجب أن يكون غبياً.

..الناس العاديين - أو حتى أولائك الذين يملكون أعصاباً متينة قوية -لا يفهمون شيئاً البتة.

الألم ، إنه السبب الوحيد للشعور ، والعلة الوحيدة للوعي .

العطالة هي الثمرة الشرعية , الثمرة الطبيعية للوعي.

إن جميع الرجال الفعالين إنما هم فعالون لأنهم غلاظ الفكر ليسوا على شيء من تفوق العقل.

من أين إستمد حكماؤنا هذا الرأي القائل بأن الإنسان في حاجة إلى تلك الإرادة السوية الفاضلة التي لا أدري ما هي ؟ لماذا تخيلوا أن الإنسان يصبوا إلى إرادة عاقلة نافعة  ؟ إن الإنسان لا يتوق إلا إلى إرادة "مُستقلة" , مهما يكن ثمنها ومهما تكن عواقبها . ولكن لا يدري إلا الشيطان ما قيمة تلك الإرادة.

الغايات يا سادة أن لا يفعل المرء شيئاً البتة . إن القعود عن الفعل والخلود إلى التأمل مُفضلان على أي شيء آخر .

إن كل إنسان شريف في عصرنا لا بد من أن يكون جباناً وعبداً.

الحمير والبغال وحدهم شجعان.

إن الرومانسي ذكي دائماً .






ما ورد أعلاه مأخوذ من ترجمة د. سامي الدروبي








هناك 3 تعليقات: