السبت، 30 نوفمبر 2013

مختارات من آرتور رامبو


مختارات من آرتور رامبو











آرتور رامبو




يوم بؤس! إبتلعتُ -كأسا- جرعةً من السمّ قوية. سعارُ اليأسِ يدفع بي في وجه كلّ شيء : الطبيعة ، الأشياء ، أنا نفسي ،هذا كلّه الذي أريد ُ أنا تمزيقه. بوركتْ ثلاثا النصيحةُ التي بلغتني. الأحشاء -أحشائي- تُحرقني، عنفُ السم يلوي أعضائي، يشوهني. أموتُ عطشا. أختنق. لا أقوى على الصراخ. إنها الجحيم ، العذاب الأبديّ. هي ذي النار تتجدّد. إمض أيها الشيطانُ، لتذكيها. إنني أحترقُ كما ينبغي -جيدا-. إنها جحيمٌ طيبةٌ ، جحيمٌ -طيبةٌ وجميلة-. 


إحساس

في أُمسيات الصيفِ الزُّرقِ ،سأمضي عبرَ الدروب،
موخوزا بالقمح ، سأدوسُ على العشبِ النّاعم:
حالما، سأُحس بنداوته على قدمَيّ.
سأدَع الريحَ تغسلُ رأسي العاري.
لن أتكّلمَ، ولن أفكّرَ بأيِ شي:
لكنّ الحبَّ غيرَ المنتناهي سَيتصاعدُ في روحي،
وسأمضي بعيدا، بعيدا جدَّا، كمثْلِ بوهيميّ،
عبرَ الطّبيعة- سعيدا كما لو معَ امرأة.



أغنية البُرج الأعلى

حسبتُ أنّني عثرت على العقل وعلى السعادة. كنتُ أُبعدُ السماء، اللاّزورد ، الذي هو من ظلام ، وأعيشُ ، شرارةً ذهبية ًمن نورٍ طبيعيّ. كان ذلكّ جادا تماما. كنتُ أُعبّرُ -بأكبر- بلاهةٍ ممكنة.


من خاتمة الهذيانات:


(...) كنتُ أُعوّدُني على الهلوسة البسيطة : أرى بصورةٍ صريحة ٍ مسجدا في محل معملٍ، ومدرسةَ طبالين بناها ملائكةٌ ، وعرباتٍ في طرُق السّماء، وصالونا في قاع بحيرةٍ ؛ -كنت أرى- الأسرارَ والمسوخَ ؛ وكان عنوانُ تمثيليةٍ ترفيهةٍ ينشرُ الرّعبَ أمامي.
ثم ، بمعونة هلوسةِ الكلماتِ، كنتُ أُفسرُ سَفسَطاتي السّحرية!
وانتهى بي الأمرُ إلى أن أجدَ فوضى فكري مقدسة. كنتُ مُتبطلا، وفريسة حمّى ثقيلة: أحسدُ غبطةَ الحيوانِ، السُّرفات التي تمثل براءةَ اليمابيسِ، والخلُدِ -التي هي- رقادُ البكورة!
راح طبعي يشتدّ. كنتُ أُودّع العالم في ضروبٍ من أغانٍ عاطفية.

صارتْ عافيتي مهدّدة. أقبلَ الهولُ. رحت أسقطُ في النّوم أياما عديدةً، ولدى الاستيقاظِ أواصلُ أكثرَ الأحلامِ اكتئابا. كنتُ ناضجا للوفاةِ، وعبرَ دربٍ محفوفٍ بالمخاطرِ قادني ضعفي إلى تخومِ العالَمِ ، إلى سيميريا، موطنِ الظُلماتِ والدوّمات.


كان علىّ أن أسافرَ، وأن أُبددَ آثارَ السّحرِ المحتشدة على دماغي. على البحر، الذي كنتُ أحبُّه كما لو كانَ سَيغسلني من دَنَسٍ،رأيتُ منصِبا الصّليبَ المُعزّي. رجمني قوسُ قزح. كانتِ السعادةُ قّدّري ، ندَمي ، دودتي النّاخرةَ : دائما ستكونُ حياتي أوسع من أن أُكرسها للقوّةِ والجّمال.

........
متفرقات:



مهزلةٌ متواصلةٌ! لسوفَ تُبكيني براءتي. الحياةُ هي المهزلةُ التي ينبغي أن يُمثلَها الجميع.

أسَأُخطفُ كمثلِ طفلٍ، كي ألعبَ في الفردوس ناسياً الشقاءَ كلّه!



ينبغي أن يكونَ لي جحيمي للغضب، وجحيمي للكبرياء ، وجحيمٌ للمُداعبة، جوقة جَحيمات.




كم أتحوّل إلى عانسٍ بافتقاري إلى شجاعةِ محبةِ الموت ! .




كنتُ من الضّعفِ بحيثُ حسبتُني غيرَ قابلٍ للاحتمال بعدُ في المجتمعِ إلاّ بقوّة يا للــ [بؤس الشّفقة]. أي دَيرٍ يمكن أن يستقبلَ هذا القرَف الجميل؟




لديَّ (...) جميعُ الرذائلِ ، الغضَبُ ،والفجورُ ؛ - رائعٌ هو الفجورُ ؛ - وخصوصًا الكسَلُ والكذِب.


آرتور رامبو
الآثار الكاملة - ترجمة : كاظم جهاد.



الجمعة، 31 مايو 2013

وداعا للفلسفة-سيوران


-مختصر التحلل 9





إميل سيوران






وداعا للفلسفة


أدرت ظهري للفلسفة عندما تبين لي أنه من المستحيل العثور في كانط على أية ملامح ضعف إنساني، على أي نبرة ميلانخوليا أصيلة، في كانط وفي كل الفلاسفة. و مقارنة بالموسيقى، بالتصوف، أو الشعر؛ نجد أن الفلسفة تنطلق من بواعث مُختلة وبؤر مشبوهة، عظيمة الشأن ومقدسة فقط بالنسبة للجبناء وباردي الأعصاب. ومن ناحية أخرى الفلسفة هي قلق عمومي-لا شخصي، ملجأ بين أفكار أنيمية Anémique-إنها ملاذ كل من أراد الهروب من التنوع الشاسع للحياة. تقريبا معظم الفلاسفة انتهوا نهايات محترمة؛ وهذا أكبر ادعاء ضد الفلسفة. حتى موت سقراط ليس فيه شيء مأساوي، وتأويلاته المأساوية كانت مجرد سوء فهم، لقد إنتهى نهاية مربي فاضل—وإذا كان نيتشه قد إنهار؛ فلأنه كان شاعرا وصاحب إلهام : لقد سدد فاتورة  نشوته وليس أطروحاته.
ليس بمقدورنا التملص من الوجود بإعطاء التفسيرات، يمكننا تحمله فقط، أن نحبه أو نكرهه، أن نعبده أو ننفر منه، وهذا التناوب بين البهجة والرعب يكشف عن جوهر ما تعنيه الكينونة، تذبذباتها، نشازها ولا إنسجامها، إشراقاتها وتمزقاتها المريرة.
عند تعرضنا لمصيبة مباغتة أو لحتمية مواجهة هزيمة لا يمكن تفاديها، فمن لا يضم يديه وينضم إلى صفوف المصلين في حينها؛ فلأنه ينتظر تلاشي حدتها والأجوبة التي ستقدمها الفلسفة.! يبدو لي أن مهمة الفلسفة الوحيدة هي حمايتنا طالما أن الاستخفاف بالإيمان وهجره يسمح لنا بالمضي قدما بمحاذاة حافة الهاوية، والتخلي عنا في الوقت الذي نكون فيه مضطرين لعبورها.  كيف يمكن أن  يكون الأمر بخلاف هذا، ونحن قادرون على ملاحظة كم هي ضئيلة العذابات الإنسانية التي تمكنت من أن تجد لها مكانا في الفلسفة؟ الممارسة الفلسفية ليست فقط لا جدوى منها، بل تكاد تكون مشينة.  نحن على الدوام فلاسفة بحصانة: نمتهن مهنة بلا أفق تصب كميات هائلة من الأفكار في ساعاتنا الشاغرة والمحايدة، تلك الساعات التي لم تستجب للعهد القديم، لباخ، لشكسبير.  ولي أن أسأل، هل من بين كل تلك الأفكار التي تضج بها جماجمنا والتي تجسدت على ورق ،هل من بينها ما يمكن أن يكافئ صرخة واحدة من صرخات أيوب،هول واحد من الأهوال التي عرفها ماكبث، أو سمو واحدة من كانتانات باخ؟ نحن لا نجادل الكون، نحن نعكسه ونعبر عنه، والفلسفة لا تعبر عنه. تبدأ المشاكل الحقيقية بعد أن تكون جبت الفلسفة طولا وعرضا، أو بعد أن تستنفذها. بعد قراءة الفصل الأخير من مجلد ضخم، يمثل ذلك المرحلة الأخيرة لتراجعنا قبل أن نترك للمجهول حيث تقيم لحظاتنا، وحيث علينا أن نكافح ، فهو بطبيعة الحال أكثر إلحاحا، وأكثر أهمية من خبزنا اليومي. هنا يهجرنا الفيلسوف : عدو الكارثة، إنه بارد كما المنطق ذاته، حذر على الدوام. نحن نفضل صحبة ضحية لوباء الطاعون، شاعرا إغتنى من كل إختلال، موسيقي يسمو بمملكة قلوبنا. نحن نبدأ الحياة حيث تنتهي الفلسفة،عند خرائبها، عندما ندرك بطلانها الرهيب، حين ندرك أنه كان من العبث اللجوء إليها؛ إنها لا تقدم العون.

النظم الفلسفية الكبرى ما هي إلا حشو كلام منمق. ما الفائدة من معرفة ما إذا كان جوهر وجودنا يرجع إلى "إرادة الحياة" أو الروح الكلي،أو حتى إلى نزوة إله أو الكيمياء؟ مجرد تناسل للكلمات، تلاعب حاذق  بالمعاني. لكم هو مثير للإشمئزاز احتضان الألفاظ هذا، لكن تجاربنا الوجودية العميقة تكشف لنا أن فيما عدا اللحظة الحالية، لا شيء خارق ولا يمكن التعبير عنه. وعلاوة على ذلك، فالكائن مجرد ادعاء باللاشيء.
نحن لا نقدر على التفسير إلا خارج اليأس. لا بأس في أن يكون  لدينا قوالب وصيغ، يجب أن نملك الكثير منها؛ إذا كانت فقط من أجل إعطاء مبرر للعقل وتقنيع الخواء.

لا نجد في المفهوم ولا في النشوة أية فعالية. عندما تلقينا في الموسيقى صميم الوجود، نعود سريعا إلى السطح: تتبعثر بقايا الوهم وتقر معرفتنا ببطلانها. الأشياء التي نلمسها والأشياء التي نرصدها مشكوك فيها بنفس مقدار الشك بحواسنا وبمنطقنا، نحن متأكدون فقط من كوننا الكلامي الخاص، الخاضع لإرادتنا—الغير فعلي. الوجود صامت والعقل ثرثار. هذا ما يسمى "فهما".
أصالة الفيلسوف منبعها اختراع المصطلحات. وحيث أننا في موقف لا نجد فيه سوى ثلاث أو أربع طرائق لمجابهة العالم—وطرائق عديدة جدا للموت- فإن الفروق الدقيقة للغاية فيما بينها ،,والتي تضاعف عددها وتنوعها، تنبع من مجرد اختيار للكلمات--كلمات محرومة من أي امتداد ميتافيزيقي.
نحن عالقون في كون لا لزوم له، بحيث أن الأسئلة والأجوبة فيه تساوي الشيء ذاته.




ترجمة -شيفا-














الجمعة، 26 أبريل 2013

عدو النبي/سيوران



مختصر التحلل 8



عدو النبي

-إميل سيوران







في كل إنسان ينام نبي؛ وعندما يستيقظ يكون الشر قد ازداد قليلا في العالم . . .
الحاجة اللاواعية للوعظ متجذرة في دواخلنا، بحيث إنها تنبثق من أعماق مجهولة نحو غريزة حماية الذات. كل منا ينتظر لحظته المناسبة ليبتدع شيئاً- أي شيء. يناديه صوت : هذا يكفي، إنه يكلفنا كثيراً ألاّ نكون صماً وبكماً.
من المغرورين حتى الزباليين، الجميع مستغرقون في كرمهم الوحشي، في توزيع صيغ للسعادة.  الجميع يريد أن يعطي الإرشادات: وعليه الحياة العامة لا تحتمل، و الحياة مع الذات تضل كذلك أيضاً، إذا فشلت في حشر نفسك شؤون الآخرين؛ فلن تعرف الاستقرار في حياتك الخاصة.  تحول ذاتك إلى"دين"،أو إلى رسول في الاتجاه المعاكس إلى أن تنكرهما معا-نحن ضحايا لعبة كونية-. . .
وفرة الحلول المعروضة لتمظهرات الوجود لا يميز بينها إلا بمدى سخافتها. التاريخ: مصنع للأفكار... مثيولوجيا مختلة، سُعار الحشود والمعتكفين... رفض لمواجه الواقع وجهاً لوجه، عطش بشري للخيال.

 محرك جميع أعمالنا يمكن في تلك الحاجة لإجلال نفوسنا باعتبارها مركز الكون ومحركه، نهاية التاريخ.
ردود أفعالنا وطريقة استجابتنا لكبريائنا، تحول الكوكب إلى جزء لا يتجزأ من جسدنا ومن وعينا بما نحن عليه. لو كان لدينا الوعي الصحيح بمكانتنا في العالم، لو وعيناها دون فصلها عن مجمل الحياة ككل؛ فإن انكشافَ حضورنا التافه كفيلٌ بسحقنا. لكن أن نعيش يعني أن نعمي عيوننا على أبعاد وجودنا.
لو أن جميع أفعالنا من التنفس إلى تأسيس الإمبراطوريات أو النُظم الميتافيزقية، لو أنها لم تنطلق من وهم عظمتنا وأهميتنا، ومن باب أولى، من غريزة النبوءة، من كان ليتقدم برؤية شاملة مستمدة من بطلانه، من كان ليتقدم ليكون مؤثراً، وليجعل من نفسه مُخلصاً؟.

نوستالجيا إلى عالم بلا "مثاليات"، إلى عذاب بلا مذهب، إلى أبدية بدون حياة. . . -الفردوس -. . . لكننا لا نستطيع أن نوجد لحظة واحدة بدون أن نخدع نفوسنا: النبي في كل واحد منا هو بذرة الجنون التي تدفعنا إلى الإشراق والتمرغ في بطلاننا.

المثاليات مغرية؛ لذا فهي تبدو طبيعية،  لكن على الإنسان ألاّ يبحث عن ملجأ خارج اللاشيء القابع بداخله . . . أستطيع أن أتصوره يقول: مُنسلخاً عن الهدف، عن جميع الأهداف، من رغباتي ومن سخطي أبقيت على الصيغ فحسب. مقاوماً لإغراء الخلاصة ،انتصرت على العقل، كما أنني انتصرت على الحياة نفسها برهبة من يبحث لها عن جواب. المسرحية الإنسانية- يالها من قيء! الحُب- تبادل لُعاب... جميع المشاعر تنهل حليبها من بؤس الغُدد. النُبل هو فقط  في رفض الوجود، في ابتسامة تُطالع المساحات الممحوقة . منذ أن صار لي "نفسا"؛ لم أعد أكثر من موضوع للوجود ... ألتهم بنهم جميع المُسكنات التي تمنحني إياها العزلة، والتي هي أضعف من أن تجعلني أنسى العالم. بعد قتلي لكل الأنبياء بداخلي؛ كيف يمكن أن يظل لي مكان بين الرجال؟.



ترجمة/شيفا


الاثنين، 22 أبريل 2013

البوذا يُجيب



البوذا يُجيب








سألتُ بوذا ما الحقيقة؟ فقال: بداخل كل واحد منكم مكون أو جزء غير ميكانيكي، وغير مُركب.غير مخلوق-أزلي- غير مُصمم لا يبلى، بلا شكل ولا صورة. ذو طبيعة واحدية غير ثنائية جدلية،وبالتالي لا يعمل عليه الزمن،ولا ينتج الوهم. وهو يراقب ويرصد دوماً ولا يمكن رصده ولا يتوقف عن المراقبة فهي طبيعته .. راقب معه، تصير أنت وهو واحد.. وتبلغ التحرر. 

راقب معه تحرر من الجسد، وتحرر من الخوف، من الصورة، من الشخصية، من أن تكون متأثراً بالأشياء،,من أن تكون وعاءً لها...ما تستطيع رصده فأنت تتجاوزه.  

لكن تذكر.. إياك أن تحاول أن تسبقه (لا تتعجل) تفتح على مهل كزهرة اللوتس.. لا تجعل أمامك هدفاً تركض إليه كثور الحلبة..أن تتفتح على مهل هو كل شيء..

البطئ هو قانون الكون الأعظم، أنظر إلى البذرة كم تحتاج لتصبح شجرة؟ 
انظر إلى المحارة كم تحتاج لتصنع لؤلؤة؟
كم يحتاج الموسيقي ليؤلف سيمفونيته؟
راقب العصفور وهو يبني عشه...
البيضة حتى تفقص...
الوحوش كيف تتربص بفرائسها...

..الأحمق وحده على عجلة,, التسرع يجلب الكوارث
الحكيم هادئ رزين،,مدرك لقانون الكون الأكبر، فينسجم مع الكون.

خذ وقتك وأنت تأكل..وراقب..تكن حكيما وتتجنب المرض
خذ وقتك وأنت تتعلم..وراقب.. تكن حكيما ووتجنب التكبر والإحراج
خذ وقتك وأنت تعمل..راقب..
خذ وقتك وأنت تتنفس
خذ وقتك وأنت تراقب
..
..

المتعجلون مرضى، يحاولون نقل مرضهم إليك ..يحاولون اقتحامك..هدوك يستفزهم
لا تغضب منهم، ولا تسمح لهم بتشويشك.

الشر هو العجلة.. العجلة هي الجحيم. نيران ودماء تغلي ،تخبط وعذاب.

بتفتحك لن تنتظر جوائز، ولن تغرك الخوارق..ولن تنكسر أمامك قوانين العالم..بل ستصبح أكثر تجاوبا معها،وأكثر إدراكا لعملها.

تفتحك يدفعك تجاه الرحمة..فأنت ترى جحيم الكائنات وعذابها وتفهمه.. ستفيض من  قلبك رحمة ومحبة تخترق الأكوان المرئية وغير المرئية.. ووستصل.

الألم الرهيب سيمر،إنما جسدك من يتعذب ولست أنت. إياك ان تسمح للألم أن يلوث قلبك.

هذه هي يا ُبني.






-شيفا

الخميس، 7 فبراير 2013

قصة بوديهارما


قصة بوديهارما.
أوشو-Osho








الجزء الأول

عنوان الفصل: أن تطمح إلى لا شيء؛ تلك بركة.


 ملاحظة
بوديهارما- أو بوديهاما ، كلاهما الشخص نفسه. لكن هناك مصادر تاريخية تذكره بالراء وأخرى بدونها.





لبوديهارما مكانة حميمة في قلبي؛ مما يجعل الحديث عنه مناسبة مميزة جداً. بالطبع هو الشخص الوحيد الذي أحببته بعمق مما يجعل حديثي عنه حديثاً عن نفسي. وهذا يخلق أيضاً تعقيداً كبيراً ؛ لأنه لم يكتب شيئاً في حياته. لم يسبق لأي كيان مستنير أن كتب. وبودهارما ليس أستثناءاً ، لكن من خلال التقاليد تنسسب هذه الكتب الثلاثة التي سنناقشها  إلى بوديهارما.

يتفق العلماء: بما أنه لم يظهر دليل يخالف صحة النسب، ولمدة تتجاوز الألف عام ؛ فلا يوجد سبب يمنعنا من قبول تلك الكتب. أنا لست عالماً، وهناك شذرات لابد أن الذي قالها هو بوديهارما، لكن تلك ليست كتباً كتبها بنفسه. إنها ملاحظات أخذها مريدوه. إنه تقليد قديم، حيث متى يأخذ المريدون ملاحظاتهم من المُعلم؛ لا يقومون بوضع اسمه على تلك الملاحظات؛ لأن لا شيء فيها يخصه، لقد خرجت من المُعلم.
إذا كنت تعرف بوديهارما بموثوقية كما أعرفه .. هناك الكثير من المغالطات التي يمكن أن تحصل؛ فقط إذا كان أحدهم يدون الملاحظات وتدخل عقله فيها، لقد فسرَ كلام بوديهارما ومن غير فهم كاف.
قبل أن ندخل في هذه السوترات، هناك بعض الأمور عن بوديهارما من الجيد معرفتها. والتي ستقرب إليك ذوق الرجل والطريقة التي تعرف بها ما الذي قاله حقاً في تلك الكتب وما الذي لم يقله. ستكون مقدمة عجيبة بالفعل.

ولدَ بوديهارما منذ أربعة عشر قرناً مضت، كان ابنا لملك في جنوب الهند. كانت هناك إمبراطورية كبيرة ، إمبراطورية (بالفاس). وكان الابن الثالث لأبيه، ومطلعاً على كل شيء- كان رجلاً عظيم الذكاء –لقد تخلى عن الإمبراطورية. لم يكن ضد العالم ، لكنه لم يكن على استعداد ليهدر وقته على الأمور الدنيوية-على التوافه-. كان همه الوحيد هو معرفة كُنه نفسه؛ لأنه دون معرفة ذلك عليك أن تتقبل الموت على أنه النهاية.
في الواقع جميع الباحثين الحقيقيين كانوا يصارعون الموت. برتنارد رَسل قال في إحدى عباراته: "لو لم يكن هناك موت؛ لما وجد أي دين". هناك بعض الحقيقة في هذا. لن أتفق بشكل كامل، لأن الدين قارة شاسعة، إنه ليس فقط حول الموت، إنه بحث عن البركة والحقيقة أيضاً، وعن معنى للحياة؛ إنه يشمل أموراً كثيرة. لكن برتنارد رسل بالتأكيد على صواب كبير-الموت هو الحافز الأكبر-.
تخلى بوديهارما عن الإمبراطورية قائلاً لأبيه: "إذا كنت لا تستطيع أن تمنع عني الموت ؛ فأرجوك ألاّ تعترض طريقي. دعني أخرج لأبحث عن شيء يتجاوز الموت". كانت تلك الحقبة جميلة جداً، خاصة في الشرق. فكرالأب للحظة وقال:" لن أمنعك؛ لأني لا أستطيع منع موتك. بوسعك أن تذهب في بحثك مع بركاتي. إنه ليحزنني أن المشكلة تكمن في تعلقي بك. لقد كنت آمل أن تكون أنت ولي عهدي، إمبراطور بالفاس العظيمة . لكنك اخترت ما هو أسمى كثيراً من ذلك . أنا والدك فكيف باستطاعتي أن أمنعك؟ وأنت وضعت المسألة ببساطة لم أتوقعها، قلت: لو بإمكانك أن تمنع موتي؛ فلن أُغادر المكان، لكن لو أنك لا تستطيع، فأرجوك ألاّ تعترض طريقي أيضاً". بإمكانكم ملاحظة حدة ذكاء بوديهارما.
والأمر الآخر الذي أحب أن تذكروه ، هو أنه كان تابعا لغوتاما بوذا، وفي بعض القضايا أظهرعلواً فوق غوتاما بوذا نفسه. على سبيل المثال غوتاما بوذا كان خائفاً من قبول النساء بين مريديه ، لكن بوديهارما ابتدأ بامرأة أصبحت مستنيرة فيما بعد. كان اسمها "برغياتارا"  لم ينسَ الناس اسمها بالطبع ،بفضل بوديهارما لايزال اسمها باق، لكن الاسم وحده فقط- لا نعرف عنها شيئاً آخر. كانت هي من طلب من بوديهارما الذهاب إلى الصين. كانت البوذية قد وصلت الصين قبل ستمائة عام قبل بوديهارما. كان أمراً سحرياً، لم يسبق وأن حدث من قبل في أي مكان، وفي أي وقت - لقد ملكت رسالة بوذا  قلوب جميع سكان الصين فور وصولها إليهم-.

كانت الصين قد عاشت تحت تأثير كونفوشيوس وسئمت منه؛ لأن كونفوشيوس مجرد أخلاقي-متزمت، لا يعرف شيئاً عن الأسرار الغامضة للحياة .  حتى أنه نفى إمكانية أن يكون هناك ما هو خفي أو باطني. "كل شيء ظاهر،اصقله، اطليه، اجعله جميلا بقدر ما تستطيع".
لقد كان هناك أشخاصا مثل لاو تزو، تشوانغ تزي، لييه تزو، معاصرين لكنفوشيوس ، لكنهم كانوا متصوفين وليس معلمين. لم يتمكنوا من تكوين اتجاه مخالف لكونفوشيوس في قلوب الشعب الصيني. لذا كان هناك خواء. لا أحد يستطيع العيش بدون روح، وعندما تبدأ التفكير في عدم وجود الروح؛ تفقد كل المعاني. الروح هي معناك الأكثر تكاملاً؛ بدونها أنت مفصول عن الوجود والحياة الأبدية. تماماً كفرع يقطع من شجرة، سيكون عليه أن يموت- لقد فقدَ مصدر التغذية – فكرة أنه لا توجد روح بداخلك، ولا يوجد وعي، تعزلك بعيداً عن الوجود. يبدأ المرء بالتقلص، يبدأ بالشعور بالاختناق. لكن بالطبع  كونفوشيوس كان عقلانياً عظيماً أيضاً. هؤلاء الصوفيون أمثال لاو تزو، تشوانغ تزي، لييه تزو، عرفوا أن ما يفعله كونفوشيوس  كان خطأً،  لكنهم لم يكونوا أساتذة-معلمين، لقد ظلوا في أدريتهم مع قلة من المريدين.
حالما وصلت البوذية إلى الصين؛ اخترقت قلوب الناس على الفور، لامست أعماق أرواحهم... كما لو أن تلك البلاد كانت عطشى وجاءتها البوذية كغيمة ماطرة، لقد روت عطشهم إلى أقصى حد ، بحيث حدث شيء عجيب جداً.
لقد حولت المسيحية الكثير من الناس، لكن ذلك التحول لا يستحق حتى أن يسمى بالديني. لقد اجتذبت الفقراء، الجوعى، المتسولين، الأيتام،  وذلك دون أدنى تأثير روحي ،إنما بمنحهم الطعام والملابس والمسكن والتعليم. وهذا لا علاقة له بالروحانية. الرسالة المُحمدية أيضاً حولت أعداداً هائلة من الناس، ولكن بحد السيف، إما أن تصير محمدياً أو أن تموت-والخيار لك.
التحول البوذي للصين هو التحول الديني الحقيقي الوحيد في التاريخ الإنساني. لقد قدمت البوذية نفسها ببساطة وجمال، لقد أدرك رسالتها حتى بسطاء الناس. كانوا متعطشين لها ، كانوا ينتظرون شيئا شبيهاً بها. لقد تحولت البلاد بكاملها-والتي كانت أكبر بلاد العالم- إلى البوذية.
عندما وصل بوديهارما إلى هناك بعد ستمائة سنة لاحقة على التحول البوذي،  كان هناك ثلاثين ألفاً من المعابد البوذية وأديرة كثيرة، وما يقارب مليونا راهب بوذي، وذلك العدد من الرهبان ليس بالرقم البسيط، فقد كان يعادل خمسة بالمائة من مجمل سكان الصين.


"برغياتارا"- مُعلمة بوديهارما كانت قد طلبت منه الذهاب  إلى الصين؛ لأن الذين ذهبوا قبله قد تركوا أثراً عظيما رغم أن أحدا منهم لم يكن مستنيرا. لقد كانوا دارسين ومنضبطين، ممتلئين بالحب والسلام والرحمة، لكن لم يكن بينهم مستنيرا. والصين الآن بحاجة إلى غوتاما بوذا جديد، والظروف متهيئة.
كان بوديهارما أولَ مستنيرٍ يطأ أرض الصين. النقطة التي  كنتُ بصدد توضيحها هي  أنه بينما كان غوتاما بوذا خائفاً من أن يقبل النساء في مجتمعه، كان بوديهارما شجاعا بما يكفي ليبتدئ بامرأة على طريق غوتاما بوذا. كان هناك العديد من الرجال المستنيرين، لكنه اختار أن يتتلمذ على يد امرأة  لغاية محددة. وتلك الغاية هي إثبات أن بوسع المرأة أن تكون مستنيرة. وليس ذلك فقط ، بل أن مريديها بوسعهم أن يكونوا مستنيرين أيضا. يبرز اسم بوديهارما من بين جميع مستنيري البوذية في المرتبة الثانية بعد غوتاما بوذا.

هناك العديد من الأساطير حول شخص الرجل، وكلها تملك بعض المضمون. الأسطورة الأولى هي: أنه حال وصوله إلى الصين- والذي استغرق ثلاث سنوات-، جاء الإمبراطور الصيني" "وو" لاستقباله. كانت شهرته قد سبقته. وكان الإمبراطور "وو" قد قدم خدمات جليلة لفلسفة غوتاما بوذا. آلاف العلماء كانوا يترجمون أسفار البوذية المقدسة من البالية إلى الصينية، وكان الإمبراطور هو الراعي لكل هذا  العميل الكبير من الترجمة. وكان قد أقام آلالاف من المعابد والأديرة، ويطعم الآلاف الرهبان. كان قد وضع كنوزه كلها في خدمة غوتاما بوذا، ومن الطبيعي أن الرهبان البوذيون الذين وصلوا قبل بوديهارما كانوا يخبرونه بأنه يكسب بذلك فضلاً عظيماً، وأنه سيولد إلهاً في الجنة. لذا كان من الطبيعي أن يكون سؤال الإمبراطور الأول لبوديهارما : " لقد فتحت أديرة كثيرة، أنا أُطعم آلاف العلماء، حتى لقد فتحت جامعة بحالها لدراسات غوتاما بوذا، لقد وضعت كنوزي وإمبراطوريتي في خدمة غوتاما بوذا؛ أريد أن أعرف ماذا ستكون مكافأتي؟ ".
كان الإمبراطور مرتبكاً بعض الشيء من رؤية بوديهارما، لم يفكر أبداً أن هذا الرجل سيبدوهكذا. لقد بدا شكله وحشياً. وكانت لديه عينان كبيرتان جداً، لكن كان قلبه رقيقا للغاية—كأن زهرة لوتس في قلبه. لكن وجهه  كان مخيفاً بقدر ما يمكنكم أن تتخيلوا. كل ما كان ينقصه هو نظارة شمسية ليبدو مثل رجال المافيا.!.
سأل الإمبراطور سؤاله ذاك بخوفٍ كبير، وأجابه  بوديهارما: "لا شيء، لا مكافأة. بل على العكس من ذلك حضر نفسك للسقوط في سابع درجة من الجحيم".  قال الإمبراطور:" لكني لم أرتكب أي ضلال---لماذا الجحيم السابعة؟. لقد كنت أنفذ كل ما يطلبه مني الرهبان البوذيين."
قال بوديهارما:" ما لم تبدأ بسماع صوتك الداخلي؛ فلن يستطيع مساعدتك أحد. لا البوذيين، ولا غير البوذيين. وأنت إلى الآن لم يسبق وأن سمعت صوتك الداخلي؛ لأنك لو سمعته لما سألت سؤالاً غبياً كالذي سألته.  على طريق غوتاما بوذا لا توجد مكافأة لأن الرغبة العميقة في مكافأة تأتي من عقل طماع. مجمل تعاليم بوذا هي- اللارغبة-، وأنت إذا كنت تقوم بكل تلك الأعمال المدعوة بالأعمال الفاضلة من بناء المعابد والأديرة إلى إطعام آلاف الرهبان.. وهناك رغبة مشتعلة في ذهنك؛ فأنك تُعبد بذلك طريقك إلى الجحيم.
لو أنك تقوم بهذه الأمور بدافع من البهجة، لتشارك بهجتك مع الإمبراطورية كلها دون أن يكون هناك أدنى طيف لرغبة في أي مكافأة؛ لكانت أعمالك هي المكافأة. ما لم تفهم هذا فإنك لن تدرك جوهر المسألة."



قال الإمبراطور "وو": عقلي ممتلئ جدًا بالأفكار. لقد حاولت أن أصطنع بعضاً من صفاء الذهن، لكنني فشلت بسبب هذه الأفكار وضوضائها، لا أقدر على سماع ما تدعوه بالصوت الداخلي. لا أفقه شيئا عنه."

قال بوديهارما:" إذن، عند الساعة الرابعة صباحاً، تعال إلي وحدك دون أي حُراس إلى المعبد في  الجبال حيث سأقيم، وأنا سوف أضع عقلك في سلام -إلى الأبد-."

اعتقدَ الإمبراطور بأن هذا الرجل همجي و وقح بالفعل. كان قد التقى العديد من الرهبان ، كانوا جميعهم غاية في التهذيب، ولكن هذا لا يبالي حتى بأنه يحدث إمبراطوراً لبلاد عظيمة. والذهاب إليه في عتمة الصباح الباكر عند الساعة الرابعة، ووحيداً.. وهو يبدو خطيراً جداً –وكان معتاداً على أن يحمل معه عصا كبيرة أينما ذهب.
لم يستطع الإمبراطور النوم طوال الليل مشغولا بــ "الذهاب أو عدم الذهاب؟ لأن ذلك الرجل قادر على فعل أي شيء. يبدو وكأنه لا يمكن الثقة فيه على الإطلاق." ولكن من الناحية الأخرى شعر في قلبه  بعمق  صدق الرجل، بأنه ليس مُخاتلاً." إنه لا يبالي أن كنت إمبراطوراً وهو مجرد جوال. إنه يتصرف كأنه إمبراطور، وفي حضرته أنت مجرد متسول. والطريقة التي قال بها :"أنا سوف أضع عقلك في سلام- إلى  الأبد-". -يفكر الأمبراطور- طريقة غريبة ، فأنا قد سبق و سألت العديد من الحكماء الذين جاءوا من  الهند، وكلهم أعطوني طرائق وتقنيات تدربت عليها، ولكن لا شيء يحدث— وهذا يبدو مجنونا ،سكرانا ، ولديه وجه غريب بعيون شاسعة تخلق الخوف... لكنه يبدو صادقاً أيضاً –إنه ظاهرة بَريّة، ويستحق المخاطرة. ما الذي سيفعله؟ في أسوأ الاحتمالات لن يستطيع أكثر من قتلي." وأخيراً لم يستطع الإمبراطور مقاومة الإغراء لأن الرجل وعد:"سوف أضع عقلك في سلام - إلى الأبد-.".

وصل الإمبراطور "وو" إلى المعبد عند الساعة الرابعة فجراً، وحيداً في العتمة . وكان بوديهارما واقفاً هناك على العتبة مع عصاه ،وقال: "كنت أعرف أنك ستأتي، وأيضا قضيت الليل في جدل حول هل قدومك من عدمه. أي نوع من الأباطرة أنت؟  --يا للجبان، خائف من راهب فقير ، جوال فقير لا يملك من العالم شيئاً غير هذه العصا. وبهذه العصا سوف أجعل عقلك صامتاً."
فكر الإمبراطور " يا إلهي" من الذي سمع عن عصا تستطيع أن تضعها على عقل أحدهم لتجعله يصمت!.  يمكنك بها أن تقضي عليه ، أن تضربه بقوة على رأسه عندها سيصبح الرجل كله في صمت،وليس عقله فقط. لكن الآن الوقت متأخر جداً للتراجع." قال بوديهارما: "اجلس هنا في فناء المعبد". لم يكن هناك أي أحد في  الجوار. " اغمض عيناك ، سأجلس أمامك حاملاً عصاي. عملك هو تجد عقلك وتقبض عليه. فقط اغمض عيناك واذهب ابحث عنه في الداخل—أين هو. في اللحظة التي تمسكه فيها وتقبض عليه ، أخبرني ، فقط قُل: "ها هو". وعصاي سوف تقوم بالباقي.".
كانت أغرب تجربة قد يمر بها باحث عن الحقيقة أو السلام أو الصمت –لكن الآن لم يكن هناك طريقة أخرى. الإمبراطور "وو" جالس هناك بعيون مغلقة ويعرف تمام المعرفة أن بوديهارما يعني كل كلمة قالها. 
بحث الإمبراطور في كل مكان – لا عقل هناك. لقد قامت تلك العصا بعملها. للمرة الأولى هو في مثل تلك الحالة. "إذا وجدت العقل فلا أحد يعرف ما الذي يمكن أن يفعله ذلك الرجل بتلك العصا". وفي ذلك الصمت الجبلي وفي حضور بوديهارما الذي يملك كاريزما فريدة... لقد كان هناك العديد من الرجال المستنرين، لكن بوديهارما يقف بمعزل عنهم جميعا ،وحيداً، كأنه قمة إيفرست.

كل فعل من أفعاله فريد وأصيل، كل إيماءة من إيماءاته تحمل توقيعه الخاص، أصيلة غير مستعارة.
حاول الإمبراطور جاهداً العثور على العقل، وللمرة الأولى في حياته لا يستطيع أن يجد العقل. إنها ستراتيجية بسيطة. العقل يوجد فقط لأنك لا تبحث عنه أبداً؛ أنه موجود فقط  لأنك لم تكن واع به أبداً.
عندما تكون في بحث عنه فإنك تكون على وعي به، والوعي يقتله بالتأكيد وبشكل كامل.  مرت الساعات وأشرقت الشمس على الجبل الصامت يصحبها نسيم بارد. كان بإمكان بوديهارما أن يرى في وجه الإمبراطور "وو"  السلام،  الصمت ، وذلك السكون ، كما لو أنه تمثال. نكزه وسأله :" لقد مرت فترة طويلة؛ هل وجدت العقل؟".
قال الإمبراطور "وو"  : دون أن تستخدم عصاك؛أستطعت جلب السلام إلى عقلي. ليس لدي أي عقل ، ولقد سمعت الصوت الداخلي التي تحدثت عنه. الآن أدركت أن كل شيء قلته كان صحيحاً. لقد قمت بتغيري دون أن تفعل شيئاً.  من هناك ليعطني مكافأة؟إنها فكرة طفولية. من هناك ليعاقب؟ أفعالك هي عقابك، وأفعالك هي مكافأتك. أنت سيد مصيرك."

قال بوديهارما:" أنت تلميذ  نادر، أنا أحبك و أحترمك ، ليس كإمبراطور بل كإنسان كانت لديه الشجاعة التي مكنته من أن يجلب إلى دخيلته كل ذلك الوعي، كل ذلك النور، الذي طرد ظلمات العقل في جلسة واحدة. "

حاول "وو" إقناعه ليصحبه إلى القصر، فأجابه :" ذلك ليس قصري ، يمكنك أن ترى أنني بَرّي، أقوم بأفعال غير مخطط لها مسبقاً. أعيش كل لحظة بلحظتها ،بعفوية، أنا شخص لا يمكن توقع تصرفاته على الإطلاق. ولربما أخلق لك مشاكلا غير ضرورية، ولبلاطك ولحاشيتك. لم أخلق لتلك الأماكن، فقط اتركني لأعيش في البرية.
لقد عاش على جبل يسمى تاي-Tai.
 ... الأسطورة الثانية هي أن بوديهارما كان أول من اكتشف الشاي – كلمة الشاي-Tea- جاءت  من تاي ؛ لأنه أول ما وجد على جبل تاي. وكل الكلمات التي تدل على الشاي في أي لغة مستمدة من الأصل تاي. في الإنكليزية Tea, في الهندية CHAI. تلك الكلمة الصينية Tai، يمكن أن تلفظ أيضاً  CHA. في المهاراتية الكلمة هي CHA  بالضبط.
الطريقة التي اكتشف بها بوديهارما الشاي لا يمكن أن تكون تاريخية،  لكنها ذات مغزى.  كان بوديهارما يتأمل تقريباً طوال الوقت، وأحياناً أثناء الليل كان يشعر بأنه سيستسلم للنوم. لذلك انتزع شعر حاجبيه وألقاههما على أرضية المعبد. وتقول القصة أنه من شعر حاجبي بودهارما ذاك نمت أول شجيرات الشاي؛ لهذا السبب عندما تشرب الشاي لا تستطيع النوم. وفي البوذية صار ذلك روتينا  للتأمل، أي  سرى اعتقاد بأن الشاي مساعد مهم جداً للتأمل. لذا فإن جميع البوذيين في العالم يشربون الشاي كجزء من التأمل؛ لأنه يبقيك متيقظاً وصاحياً.

 ...يتبع


ترجمة/شيفا



الاثنين، 24 ديسمبر 2012

ومضات سيورانية..شذرات قصيرة لإميل سيوران



ومضات سيورانية...












إذا كان لكلمة الحرية معنى-أي معنى-، فهي تحتفظ به لنفسها.

الضَباب هواء مُصاب بالنهك العصبي-Neurasthénie-.

الملابس تَخلق أوهاماً أكثر من الأديان.

الأفكار هي الألحان البائدة.

الفرنسية: لغة مثالية للتعبيرعن مشاعر مُلتبسة بطريقة مُهذبة.

هدأتني اللغة الفرنسية كما تهدئ سترة المجانين مجنوناً.

الواجب الأول عند شروق الشمس: الخجل من النفس.


أحلم بلغة كلماتها مثل اللكمات، تهشم الفكوك.

الزمن هو الصليب الذي نقاسي عليه الضجر.

لأن الحرية كانت ديني الوحيد، قمت بكل ما بوسعي لأتجنب إذلال الوظيفة.

 تملك فكرة الكارثة شيئاً مُغلفاً ومحفزاً، إنها تبقيك دافئاً.

هل سأبقى قادراً على الوقوف، أم أنني سأسقط.

الخوف من إحتمال مواجهتنا لأنفسنا، هو مصدر جميع المخاوف.

نتعلق بالمرأة بدافع من رعب الضجر.


الرغبة السرية للمريض، هي أن يمرض الجميع ويحتضروا، أن يتعذبوا.

نحن اليوم نمارس القتل بإسم شيئ ما، لا نجرؤ على فعله بعفوية.

نحن ضحايا لعبة كونية.

منظر البحرأكثر عُمقاً من تعاليم بوذا.

لتكون معاصرا، عليك أن تبرع في ترقيع ما لا يمكن ترقيعه.

التوحيد اليهو-مسيحي، هو ستالينية العصور القديمة.

تجاعيد الأمة تكون واضحة مثل تلك التي لدى الأفراد.

النيرفانا هي حَد أقصى. الحد هو نجاة من مأزق كبرى.

النيرفانا قورنت بالمرآة التي تعكس كل شيء. في المرآة كل شيء يبدو نقياً، نقياً بدون أي فعل.

في خلال خمسين سنة، ستصبح نوتر-ديم مسجداً.

مما لا شك فيه أن أول مُفكر كان أول شاذ في التاريخ.

التقدم هو لا شيء سوى زخم يقود إلى الأسوأ.

 التضحية-  محاولة لإنقاذ الحياة من خلال الموت.

عبثية وضائعة هي محاولات اتباع خطى رجل حكيم؛ إذا لم يكن ذلك الحكيم هو "أنت".


أنا صحراء تلتهم المباهج، تابوت وردي اللون.


الرغبة في إنقاذ العالم هي ظاهرة مرضية عند شباب العالم.

الشكوكية هي أناقة القلق.


العِلم هو تراجع الحكمة أمام المعرفة في العالم.

أن تأخذ الشؤون البشرية على محمل الجد؛ هذا يخفي ورائه مقداراً من النقائص.

لا يعرف هؤلاء القادرون على النواح والانتحاب مقدار سعادتهم.

أن نعيش بدون هاتف، بدون زيارات، بدون أقارب، ومن دون مواعيد من أي نوع؛ فهذي هي الجنة.

من يعاني ليس عبقرياً، لكنه من خلال المعاناة يتوقف عن أن يكون مجرد دمية.

لماذا لا أنتحر؟ لأن الموت يثير تقززي مثله مثل الحياة.

الانتحار -كما إغواء الخلاص-فعل ديني.

كل شيء يبدو زائداً عن الحاجة. الفراغ كان مناسباً جداً.



مختارات من مختلف كتب سيوران ودفاتره.

ترجمة/شيفا


الاثنين، 17 ديسمبر 2012

مختارات من سارة كين



مختارات من سارة كين








4:48




أنا حزينة

أَشعر بأن المستقبل ميئوس منه ،وأن الأشياء لا يمكنها أن تصير إلى الأحسن
أنا ضجرة وساخطة على كل شيء
فشلت فشلاً ذريعاً كشخص
أنا مذنبة، أنا مُعاقبة
بودي لو أقتل نفسي.

كنتُ مُعتادة على أنني قادرة على البُكاء، لكني الأن تجاوزت الدموع
 لقد فقدت كل أهتمام  بالآخرين
ليس بمقدوري أن أتخذ قرارات
ليس بمقدوري أن آكل
ليس بمقدوري أن أنام
ليس بمقدوري أن أُفكر
لا أستطيع أن أخطو خارج وحدتي، خوفي، تقززي
أنا سمينة

ليس باستطاعتي أن أكتب
ليس بإمكاني أن أُحب
إنني أندفع تجاه موتي
أنا مرعوبة من الأدوية
لا يمكنني ممارسة الحب
لا يمكنني أن أُضاجع،

ليس بإستطاعتي أن أكون وحيدة
ليس بإستطاعتي أن أكون مع الآخرين
وركي بارزة جداً.







اليأس يدفعني إلى الانتحار
ذلك الداء الذي لا يستطيع الأطباء أن يجدوا له دواءاً
لا تهتم بأن تفهم
أتمنى ألاّ تفهم أبداً
لأني أستلطفك

أنا أستلطفك
أنت تؤنسني

 تغزوني مياه سوادء راكدة

عميقة عُمق الأبد
باردة كالسماء
راكدة ركود قلبي منذ اختفى صوتك
سوف أتجمد في الجحيم

بالطبع أنا أُحبك
لقد أنقذت حياتي
أتمنى لو أنك لم تفعل
أتمنى لو أنك لم تفعل

أتمنى لو تركتني وحيدة.