الاثنين، 25 يونيو 2012

إميل سيوران..مُختصرالتحلل -5


أميل سيوران..مُختصرالتحلل -5







_الإنسان هو الكائن الدوغمائي بأمتياز،وتكون دوغماه أعمق عندما لا يصوغها ويبررها،عندما يكون غير واعي بها-عندما يتبعها فقط.

_يضعُ كل منا ذاته في مركز الكون، وإذا مات أحدهم من أجل فكرة؛ فلأنها كانت فكرته هو ،وفكرته كانت حياته.

_أهناك مُتعة أكثر غرابة وإبهاماً من مشاهدة خُرافة وهي تنهار؟!

_حيثُ ينتصر الخِداع والضلال فهناك بصمات للدين،للمعتقد أو الاسطورة وتحمس الأتباع. فشل أخر ثم لعثمة وهذيان..نظرية أو خيالات ، فقط أشياء باهتة لا تضيف شيئاً. الحجر لا يكذب، إنه لا يهتم لأحد..بينما الحياة بلا كَلل تبتكر-الحياة رواية المادة.

_أنت تتصور باسم الإيمان أنك تنتصر على نفسك،لكن في الحقيقة أنت تبحث عن موطئ قدم في الأبدية. هذا الدوام الأرضي لا يرضيك..جنون العظمة في الأديرة يتخطى كل الأُبهة والرهبة لأي أمكنة اخرى ممكن تخيلها.-عن نفسي إريد أن أبقى طبيعياً،إريد أن أتمرغ في فنائي.

_أن تَفهم يعني أن ترى.. لا أن تأمل وتبكي.

_أكثر مما في مدرسة الفلاسفة..نتعلم في أكادمية الشعراء الشجاعة والذكاء والجرأة لكي نكون أنفسنا.


_حينَ نتحسس وندرك وجود أنفسنا، ينتابنا إحساس مجنون مُخدر تفاجئاً بإختلالاته، وعبثاً نحاول إعطائه اسماً.


_كل حضارة تُقدم أجوبة على الأسئلة حول غاية وأهداف الكون..لكن يبقى الغموضى دائماً سليماً وبكراً.


_ليست الشكوك ما ينخر الله، بل الأيمان.

_يا لكمال الهاوية التي وصلت إليها..حيث إنها لم تترك لي أي فضاء للسقوط فيه.

_أحلم بكونٍ مُعافى من السموم السماوية...كون بلا إيمان وصلبان.


_أنا في مزاج جيد: الله جميل،أنا نَكد الله لئيم،أنا لا مُبالي هو مُحايد. حالاتي تُحدد أوضاعه المُقابلة: عندما أحب المعرفة هو كلي العلم، وعندما أريد القوة هو القهار،وعندما تبدو لي الأشياء حقيقة يوجد،وعندما تبدو وهمية يتلاشى.


_وحده التطلع إلى اللاشيء يحفظنا من مُمارسة الفساد والتلوث، والذي هو نتيجة الاعتقاد.

_روعة الصلاة وبهائها معنونة وموجهإ إلى لا أحد.


_ثمة مِقدار أكبر من الحكمة في أن تترك نفسك تُساق مع الأمواج من أن تُجدفَ ضدها.

_ثمة أكثر من شبه بين التسول من أجل قطعة معدنية في المدينة، وبين انتظار أجوبة من صمت الكون.- الجشع يملأ قلوب الرجال كما يملأ المادة.

_توجد الأحلام الفظيعة والرهيبة حتى بين أقبية الدكاكين والكنائس، لم ألتقِ بأحد لا يعيش في الهذيان.!.

_الملل هو صدى بداخلنا لزمن يمزق نفسه وحيداً.


_كم هو سهل أن تُصدق بأنك إله بقلبك،وكم هوصعب أن تكون كذلك بعقلك. ويا لكمية الأوهام التي ولدتُ بها ،بحيث أني قادر على التَخلص من إحداها يومياً.



إذا كانت الحياة تحتل المركز الأول في سُلم الأكاذيب؛ فالحب يأتي بعدها مُباشرة. كذبة داخل كذبة هي التعبيرعن موقفنا الهجين. الحب محاط بأدوات غبطى وتعذيب تعود إلى ما نجده في أحدهم كبديل لأنفسنا ، لكن يالها من خدعة تُحول عيوننا بعيداً عن العزلة!. هل هناك أي خيبة أكثر إذلالاً للعقل؟ الحب مُسكن مؤقت للمعرفة،اليقظة والمعرفة تفتلان الحب. اللاواقعية لايمكنها أن تنصر إلى ما لانهاية، حتى بتقنيع المظاهر لأكبر كذبة تمجيداً. علاوة على ذلك من الذي لديه أوهام صلبة بما يكفي ليرى في الآخر ما لم يره عبثاً  في نفسه؟ أيعقل أن نجد في تنور من الأحشاء ما لم نجده في الكون؟!





الرذيلة:-أفضل تعميق للعزلة-، حيث تقدم الرجل موسوماً بوسم الإمتياز كحالة شاذة.


ترجمة/شبفا






الأربعاء، 20 يونيو 2012

إميل سيوران-كم هو بعيد كل شيئ- في عدم الرغبة بالعيش








من-على قمم اليأس-
إميل سيوران


-كم هو بعيد كل شيئ

لا أستوعب لماذا علينا أن نقوم بأعمال في هذا العالم؟ لماذا علينا أن نحظى بأصدقاء وتطلعات، أحلام وآمال؟ ألا يكون من الأحسن أن ننسحب إلى زاوية بعيدة عنه حيث يكف إزعاجه وتعقيداته عن الوصول إلينا؟ عندها يمكننا اعتزال الثقافة والطموح، سنخسر كل شيء ونحظى بلا شيء .ما الذي يمكن كسبه من هذا العالم؟هناك أشخاص لا يكترثون بالتحصيل، فاقدو الأمل وتُعساء ووحديين. نحنُ قربيون جدأً من بعضنا بعضا! ولحد الأن لم ننفتح بالكامل على بعضنا، نَقرأ في أعماق أرواحنا ، كم مصير من مصائرنا يمكن رؤيته؟. نحن وحيدون في الحياة إلى حد أننا لا بد من أن نسأل أنفسنا- أليست وحدة الإحتضار هي رمز الوجود البشري؟!. هل يمكن أن يكون هناك خلاصة في اللحظة الأخيرة؟
القابلية للعيش والموت ضمن المجتمع علامة على نَقيصة عظيمة، إنه لأفضل ألف مرة أن تموت وحيداً ومهجوراً في مكان ما حيث يمكنك الموت دون ميلودراما المواقف-لا يراك أحد-. أحتقر البشر الذين يتمالكون أنفسهم على فِراش الموت ويتصنعون أوضاعاً تترك إنطباعات .  لا تكون الدموع حارقة إلا في خلوة العزلة، هؤلاء الذين يطلبون أن يحاطوا بالأصدقاء وهم يحتضرون،  عاجزون عن عيش لحظاتهم الأخيرة مع أنفسهم، يريدون نِسيان الموت في لحظة الموت!  يفتقرون إلى الشجاعة اللانهائية. لمَ لا يقفلون الباب ويقاسون تلك الأحاسيس المُغيظة بضفاء وخوف يتجاوز كل الحدود؟! نحن معزولون عن كل شيئ! لكن أليس كل الأشياء بعيدة عنا بالتساوي؟
الموت الطبيعي والأعمق هوالموت في العزلة، عندما يصبح حتى الضوء مبدئاً للموت. في لحظات كهذه نكون مفصولين عن الحياة،عن الحب،الأصدقاء، وحتى عن الموت! وستسأل نفسك هل هناك شيئ وراء لا شيئية العالم ، وخلف لاشيئك الخاص.

_في عدم الرغبة بالعيش

ثمة تجارب لا يمكن للمرء أن ينجو منها ، بعد كل واحدة منهن يشعر بأنه لم يبق أي معنى في أي شيئ .  حين تكون قد لامست حدود الحياة بعد أن عشت بإفراط كل الخيارات المتاحة عند تلك الحدود الخطرة؛ فإن طلعة كل يوم والطموح المُعتادة تفقد أي سحروجاذبية ، وإذا استمريت في الحياة؛ فإنك تفعل ذلك فقط عبر القدرة على تجسيد تعبك وتحرير ذاتك بالكتابة من التوتر والإجهاد اللامحدود .الإبداع  ما هو إلا خلاص مؤقت من مَخالب الموت.

أشعر بأني سأنفجر بسبب كل ما تقدمه لي الحياة..من إحتمالات الموت...أشعر بأني أموت من الوحدة، من الحب،من اليأس، من البُغض، من كل ما يهبه لي هذا العالم. ومع تجربة كل يوم أتضخم كبالون يُنفخ بأكثر مما يحتمل، والتفاقم الأشد ترويعاً ينفجر في الفراغ.  تنمو بالداخل، تتوسع بجنون حتى تختفي جميع الحدود، تبلغ حافة النور حيث النور مسروق بواسطة الليل، وعند هذه الكثافة وكما في إعصار وحشي تُرمى رأساً في اللاشيئ. تلد الحياة كل من الخصوية والخواء،الغزارة والكساد. ما نحن عندما نواجه إعصار داخلي يبتلعنا داخل العبث؟ أشعر بأن حياتي تُسحق بداخلي من الحِدة الزائدة، من اختلال التوازن المُبالغ فيه.
إنها متل إنفجار لا يمكن احتوائه، والذي يلقي بك في الهواء مع كل الأشياء. على حافة الحياة لا تعود تِشعر بأنك سيد الحياة التي بداخلك، أن الذاتية وهم، وأن القوى المُتعذر ضَبتها تَغلي بداخلك . تتطور دون أي علاقة بالتحديد،أو مركز الشخصية، أوالإيقاع الفردي، على حافة الحياة كل شيئ مُناسبة للموت. يقتلك كل ما هو موجود وكل ما لم يوجد.كل تجربة في هذه الحالة هي قفزة في اللاشيئ، عندما تكون قد عِشت كل شيئ قدمته لك الحياة في نوبة من الحِدة الخارقة؛ تكون قد بلغت تلك المرحلة حيث لا تعود قادراً على اختبار أي شيئ؛ لأنه لم يتبق شيئ. وحتى إذا لم تكن قد استنفذت جميع إمكانيات هذه التجارب، يكفي أن تكون قد عشت واحدة جوهرية لأقصى حدودها، وعندما تَشعر بأنك تموت من الوحدة ، اليأس، وحتى الحب..كل ما كنت قد مررت به ينضم إلى موكب الحزن الذي لاينتهي.

الشعور بأنك لا تستطيع البقاء على قيد الحياة، يشبه إعصارا ينشأ جراء الدخول في مستوى من النقاوة الداخلية. يشتعل لظى الحياة في فُرن مغلق حيث الحرارة لا يمكنها الهروب.هؤلاء الذين يعيشون في مستوى ظاهري أمنون من هذه الأخطار ، لكن هل لديهم شيئ لينقذوه في حين أنهم ليسوا واعيين بأي خطر؟ جيشان التجربة الباطنية يقودك إلى منطقة حيثُ الخطر مُطلق-لأنه وحدها الحياة الواعية بنفسها والتي تُثبت جذورها بالتجربة قادرة على إنكار نفسها. الحياة جد محدودة ومُتشظية كي تتحمل الضغط والتوتر الهائل.. ألم يَشعر جميع الصوفيين بأنهم سيموتون بعد حالات النشوة القوية؟ ما الذي يمكن أن ينتظره من هذا العالم هؤلاء الذين يدركون ويستشعرون أبعد من الحدود العادية؟ الطعام؟ الوحدة، اليأس، الموت؟!


ترجمة/شيفا

الجمعة، 15 يونيو 2012

أن تكون شاعرياً- أميل سيوران-




أن تكون شاعرياً/غنائيا- إميل سيوران-







من كتاب على قمم اليأس.


لماذا لا نستطيع البقاء مُغلقين داخل أنفسنا؟ لماذا نلهث خلف التعابير والقوالب، محاولين إفراغ  نفوسنا من المضامين و "المعاني"، مُستميتين في محاولة تنظيم ما هو اصلاً شقي ومُساق بالفوضى!؛ ألا يكون ببساطة أكثر إبداعاً أن نستسلم لتدفقنا الداخلي بدون نية تجسيده؟ أن نتمرغ بشهوانية وحميمية في صراعنا واهتياجنا الداخلي !، عندها سنستشعر بكثافة أغنى،وتفتح التجربة الروحية فينا ، سنتسجم كل الرؤى والتجارب وتشرق في خصوبة الفوران، يولد إحساس بالواقعية والبهجة الروحية كأنه إشراقة موجة في مقطع موسيقي. أن نمتلئ بأنفسنا بالكامل، ليس بدافع الكبرياء، وإنما للإثراء والخصوبة الداخلية. أن تتعذب بحس من لا محدوديتك الداخلية؛ يعني أن تعيش بحماسة مُفرطة، حتى تشعر بأنك ستموت من الحياة. شعور كهذا نادر جداً وغريب حد أننا لا نعيشه دون صراخ، أشعر بأني سأموت من الحياة، وأسأل نفسي هل من المنطقي أن أبحث عن توضيح؟!. عندما يتذبذب ماضيك الروحي كله بداخلك مصحوبا بقلق كاسح، عندما يّبعث شعور بالحضور التام تجاربا مقبورة وتفقد إيقاعك الحيوي؛ عندها ومن على قمم الحياة يقبض عليك الموت ، لكن دون الخوف الطبيعي المُصاحب له عادةً. إنه شعور مماثل لشعور العُشاق على قمم السعادة، حين يلح عليهم هاجس الموت بصورة عابرة لكن ملحة، أو حين يترصد هاجس الخيانة براعم حبهم.

نادرون جداً أولئك القادرون على تحمل تجارب كهذه إلى النهاية،إذ أن هناك على الدوام خطر جدي مُحدق بِقمع شيئ يتطلب تجسيداً- ضبط الطاقة المتفجرة-لأنه تأتي لحظة لا نستطيع فيها كبح مثل هذه القوة الجارفة، ومن ثم السقوط من الوفرة الفائضة. ثمة هواجس وتجارب لا نستطيع أن نستمر في الحياة معها، والخلاص يكمن بالإقرار بها. التجربة المروعة للموت؛إذا حفظت بالوعي تُصبح مُدمرة، إذا تحدثت عن الموت؛ فإنك تُنقذ جزءا من نفسك،لكن وفي الوقت نفسه يموت جزء من ذاتك الحقيقية ؛ لأن تجسيد المعاني يفقدها الفعلية الموجودة بالوعي. لهذا السبب تُمثل الشاعرية إلغاء للذاتية، إنها مقدار مُعين من الفوران الروحي للفرد والذي لا يمكن احتوائه ،إذ يحتاج إلى تعبير مُستمر.أن تكون شاعرياً/غنائياً-يعني ألاّ تستطيع البقاء مغلقا بداخلك، الحاجة إلى البروز هي الأكثر حِدة، وكلما كانت الغنائية أقوى، تكون باطنية،عميقة ومُركزة.لماذا الإنسان المُغذب أو العاشق شاعري؟ لأن حالة كهذه وبالرغم من أنها موجهة و مُتفاوتة طبيعياً ، تَنبع من الجزء الأعمق والأشد حميمية في كياننا،من جوهر ذاتنا ، كما منطقة الإشعاع. يصبح المرء شاعرياً عندما تَسحق الحياة إيقاعه الحيوي وتصبح التجارب من الكثافة والحِدة حد أنها تؤلف المعنى كله للشخصية.  البديع والفريد فينا يتحقق بإسلوب تعبيري خارق، بحيث يرتفع بالفرد على المستوى كوني؟!- أعمق التجارب الذاتية هي الأكثر كونية أيضاً. لأنه عبرها يَبلغ المرء المنابع الأصيلة للحياة، يقود الاستبطان الصادق إلى كونية لا يمكن أن يصل إليها هؤلاء الباقون على الهامش-والظاهري.

من لا يفهمون التعبيرات ذات الطابع الكوني ، يرون -حسب تأويلاتهم السوقية- الغنائية ثانوية ووضيغة ونتاجا للاضرابات العقلية، هذه الطريقة أو الرؤية، تَفشل في ملاحظة شاعرية المصادر للذاتية، والتي تُظهر عمقا وغنا جوانيين. هناك أشخاص يصبحون شاعريين فقط في لحظات مصيرية من حياتهم، البعض فقط عبر مخاض الموت،عندما يظهر ماضيهم كله أمامهم فجأة ويضربهم كشلال. والبعض يصبحون شاعريين بعد تجارب مُحرجة وحاسمة، عندما يصل الاضطراب داخلهم إلى الذروة،هؤلاء الأشحاص الميالون طبيعياً إلى الذاتية أو اللاشخصية،الغرباء سواء بالنسبة لأنفسهم أو الواقع،عندما يخطفهم الحب يختبرون مشاعر تُحفز جميع مصادرهم الداخلية. حقيقة أن الجميع تقريبا يكتبون الشِعر عندما يعشقون، من شأنها اثبات أن مصادر التفكير -الأفهومي/التجريدي ضعيفة أمام التعبير عن اللا محدودية الداخلية،أن الميوعة وأدوات التعبير اللاعقلانية وحدها قادرة على أن تمنح الغنائية تجسيدا ملائما. تجربة المعاناة حالة مشابهة جدا؛ إذ لطلما كنت غافلا عن المطروح المخفي في داخلك والعالم ، كنت تعيش مُقتنعاً ومكتفياً بالأشياء الظاهرة، عندما فجأة تجد مشاعر المعاناة هذه والتي كانت ثانوية لديك حتى على الموت نفسه تتولى زمام ـمورك وتنقلك إلى منطقة من التعقيدات اللانهائية تؤدي بذاتيتك إلى اضطراب هائل. أن تكون شاعرياً من المعاناة يعني أن تُحقق الطهارة الداخلية، حيث تكف الجروح عن أن تكون جوهر وجودك فحسب، شاعرية المُعاناة هي أنشودة الدم واللحم والأعصاب. المعاناة الحقيقية تَكمن في المرض، تقريباً كل الأمراض لديها فضائل شاعرية، لكن فقط أولئك الذين يتجمدون في لا حساسية مُخزية يبقون سُجناء الألم، ويضيعون فرصة تعميق الشخصية التي يجلبها . لا يصبح المرء شاعرياً إلا بعدَ محنة عضوية شاملة. الشاعرية بالمصادفة تحمل في مصادرها عوامل سطحية تختفي باختفائها. ليس هناك شاعرية أصيلة دون بذرة جنون داخلي. 

من المهم فهم أن بدايات كل ذهان عقلي موسومة بحالة شاعرية تتخطى جميع الحواجز المعروفة وتمحي كل الحدود، تفسح الطريق لحالة شديدة من السُكر الداخلي، خصبة ومن النوع الخلاق. هذا يوضح أن الانتاجية الشعرية هي أول سمات مراحل الذهان، وبناءً على ذلك يمكن النظر إلى الجنون كنوبة شاعرية. ولهذا سنفضل العزوف عن اللإشادة بشاعرية ما لئلا نمدح الجنون.
الشاعرية حالة تتجاوز الصيغ والأنظمة، تدفق مُباغت يُذيب كل العناصر في حياتنا الداخلية في ضربة أو إنقضاضة واحدة، ضمن إيقاع وكثافة شاملة ،حشد مثالي، يقارن بصفاء ثقافة من الصيغ والإطارات المُتحجرة والتي تُقَنِع كل شيئ. الجو الشاعري بربري تماماً في تعاببره، قيمته تكمن على وجه التحديد في نوعية وحشيته..إنه دماء،صِدق، ونيران !.

ترجمة- شيفا-

الثلاثاء، 12 يونيو 2012

مُختصر التحلل - إميل سيوران..4



مُختصر التحلل - إميل سيوران..4








_ مَلعون إلى الأبد ذلك النجم الذي ولدتُ في ظِله،لو أن لا سماء تأويه متروكاً ليسحق في الفضاء كغبار دون شرف...تاركاً تلك اللحظة الغادرة التي ألقت بي بين الكائنات، تُشطب من قوائم الزمن، إلى الأبد.

_ما السقوط غير مطاردة الحقيقة واليقين من أنك قبضت عليها.




_على المرء ألا يبحث عن ملجأ خارج اللاشيء القابع بداخله.

_أن تكون مُغفلا أن تحيا وتموت مخدوعاً؛هذا بالتأكيد ما يفعله الجميع .لكن هنالك بعض الرفعة والكرامة التي تحفظنا من الاختفاء في الإله، والتي تحول جميع لحظاتنا إلى صلوات لم نكن لنتطوع لها أبداً.!.

_أعط الحياة هدفاً محدداً؛ ولسوف تفقد جاذبيتها على الفور. عشوائيتها ولا دِقة سيرها ونهايتها تجعلها متفوقة على الموت- لكن عند ملامسة إحكامها نهبط بها إلى بلاهة المقابر.

_  الحدس الوحيد هو العدم والسخرية من كوننا أحياء.

_الكَسالى يُدركون أشياء كثيرة أعمق من الكادحين،لا واجبات تحد من أفقهم،ولدوا في عطلة أبدية. إنهم يراقبون..ويراقبون أنفسهم وهم يراقبون..في عالم من الخمول. الكسالى وحدهم لن يكونوا قتلة ومجرمين.

_خطأ كل مذهب للخلاص هو قمع الشِعر..مناخ عدم الإكتمال.

_محكوم علينا بالعذاب والهلاك في كل مرة لا تَكشف الحياة عن نفسها كمعجزة. في كل مرة تكف اللحظة عن الأنين في رجفة خارقة للطبيعة!.




_كان يكفي للأمير الهندوسي أن يشاهد معاقاً أو جثة شيخ حتى يفهم كل شيئ. نحن نرى هذه الامور ولا نفهم شيئاً..لا شيئ يتغير في حياتنا.


_نحنُ عالقون في كون لا لزوم له، بحيث أن الأسئلة والأجوبة فيه تساوي الشيئ ذاته.

نبدأ مُعتقدين أننا نتقدم تِجاه النور،ثم ننتهي مُنهكين من البحث بلا طائل. نفقد طريقنا والأرض تصير أقل ثم أقل ثباتاً حتى لا تعود تسندنا،تَنشقُ تحت أقدامنا..نحن الذين عشقنا القمم ذات يوم وخيبت ظنوننا. ينتهي بنا الحال في مغازلة السقوط، نستعجل تلبية ندائه.

_لديّ رؤية لجغرافيا اللاشيء، لبحار المجهول وشمس أخرى بريئة من خزي وعار الحياة-.



_ يبدأ الإنسان كل يوم من جديد، بالرغم مما يعرف، نكايةً في كل ما يعرف.


_في سلسلة المخلوقات، وحده الإنسان من يلهم نفورا مُستداما.


ترجمة/شيفا





مصطلحات رمادية !





النسيان: البحث عن ذاكرة أُخرى أوالتذكر خارج الأنا.

الأمل: الرهان على المستقبل، أن الإله يخبئ للبعض ألعابا جميلة وفصولا رائعة. أن نبقى أطفالاً -لا ييأس إلا من نضج .

الإيمان: نقيض الفهم. أو تأجيله- رهان على الحدس الميتافيزقي، تعب من المعرفة ـأو تعب منها.

الضحك: أن تهتز خواصرنا عجباً لتفاهة وغباء الحياة أو إحدى نتاجاتها. لكن مع نسيان أننا بداخلها - نضحك كمتفرجين فقط. 

الموت: مزحة مضحكة .. أو استقالة من أوهام ومشاريع الأحياء.

الجحيم: اجتماع أكثر من شخص واحد، بل حتى اجتماع النفس مع نفسها!.

التفاهة: كل ما هو خارجي!  وبعض ما ورثته من أسلافي رغماً عني.

على حواف الهاوية







على حواف الهاوية كل شيئ صغير وضيق،وكل شيئ مزعج وباطل..من أكبر النصائح وأشد الأصوات تأثيراً ،إلى أكثرالأشياء بريقاً وحتى لغو التافهين- كأن كل شيئ يحاول إيقافك ومنعك عن الأصغاء إلى الهاوية ..إلى المنبع- الكل يحاول عبثاً أن يثبت أنه حقيقي-وعبثاً التشبت بجذور يابسة ومالحة على حافة الهاوية.
..عندما تضحك الهاوية بداخلك ماذا يساوي الآخرون..ماذا يساوي العالم  والف عالم! أمام أدراك ورهبة تتصدع لها المرايا انبهاراً..وتخر لها المادة العابثة ساجدة!

...عندما تحتويك الهاوية فأنت في المركز..وكل شيئ يدور حولك، أنت البداية والنهاية..والمحرك الذي لا يتحرك!



السبت، 2 يونيو 2012

مُختصر التحلل- إميل سيوران -3



مُختصر التحلل- إميل سيوران -3









_في عالم كل شيئ فيه ملعون- مقيت، الضغينة تُصبح أكثر جوعاً من العالم، تتخطى موضوعها-تُلغي نفسها.


_أن تُكرر لنفسك آلاف المرات في اليوم ( لا شيئ على الأرض يستحق)؛ لتجد نفسك دوماً عند نفس النقطة، أن تدور ببلاهة إلى الأبد!


_لمَ تَفتقر إلى القدرة على الهرب من الإلتزامات..كي تتنفس؟!


_أن نحيا هذا يدل على أننا نؤمن ونأمل-؛- أننا نكذب ونكذب على أنفسنا.


_كيفَ اعتلى وهيمن-متموضعاً على هشاشة أو قسوة الأحكام. فوق قُبح الكابة القاتمة وصراخ إنسان سُلخ حياً؟!
(عن الرب)


_هذه الأرض خطيئة الإله.


_كل شيئ هوعذاب. مُنكس وكَدابة أشغال أجر الكوكب.

_الضال هو الإنسان الذي لم يعد لديه دموع يذرفها على الموسيقى ،من يعيش الآن بفضل ذكريات سَفحها وجلاء عُقم النشوة،-التي خلقت عوالماً كاملة ذات مرة-.

_تعمق الحُب : أهناك إندفاع اكثر نبلا- مسرة أقل اشتباها، تزاحم إختلاجة الموسيقى وتنافسها في تفردها ودموع غبطتها وسموها.. إلا أن بهاءها المتصل بالجهاز البولي يجعلها مرتبطة بعملية القذف، بفردوس الغدد المستفرغ عبر الخروم. تحتاج إلى أقل من لحظة انتباه إلى هذا التلوث، ليعيد توجيهك (منتفضا)- إلى لوثة وظائف الأعضاء، أو إلى لحظة تعب، لتدرك أن الكثير من اللهفة والجهد أنتج ضربا من المُخاط!.


_للبدء بدرجة موثوقة من العزلة عليك أن تتخلى عن التلوث المُغري للعلاقات الجنسية. الإنسان الذي يريد تَخليد نفسه بأي ثمن بالكاد يتميز عن كلب!.


_الإنسان الذي تورط في الشؤون البشرية في أي صيغة، ثورية أومحافظة، يستهلك نفسه في لهو يرثى له. يخلط مبادءه مع دناءاته مرتاباً ماذا يكون منهن.


_تاريخ العالم هو تاريخ الشر،  جَرّب أن تستثني الكوراث من التطور البشري- ستكون كمن يتصور الطبيعة بدون الفصول.


_لا شيء غير قابل للتبرير، من أسخف الاقتراحات حتى أشد الجرائم وحشية.


_يظهر التاريخ أن  تقليعة المفكرين الذين اعلتوا قمة سُلم الأسئلة وثبتوا أقدامهم  بآخر درجة؛ قد ورثت الأجيال اللاحقة مثالاً على العُقم.


_الفِكر كذبة بقدر ما هو الحُب والإيمان.

_لنستمر في إنحدارنا داخل اليقين الأرفع منزلة عن ما عداه، الحياة لا معنى لها، إنها لا تستطيع الامساك بشيئ. سنقتل أنفسنا إذا ظهر إلهام مباغت يُقنعنا على نحو معاكس.


_كل ما تبقى لنا هو التمرغ في رُكام الحضارات.


_وفق مقاييس معينة ،كل شيئ يدخل ضمن عِلم أمراض- بإستثناء اللامبالاة.


_المرارة هي المبدأ لتحديداتك، لأسلوبك في التصرف والاستجابة. النقطة الموثوقة في التذبذب بين الاشمئزاز من العالم والإشفاق على النفس.

_إن التاريخ بلا معنى-؛- على هذا أن يُبهج قلوبنا.


_أجدُ نفسي شريراً مثل الجميع،.... لكنني لستُ سبباً في مُعاناة أحد.


_أعتقدتُ أن العمل الوحيد الذي يمكن للمرء القيام به دون شعور بالخزي، هو أن يُنهي حياته، أنه لا يملك الحق في تَقليص نفسه في تعاقبية الأيام وعطالة الشقاء.. لا خيار- استمريت في القول لنفسي، لكن هؤلاء الذين اقترفوا الانتحار، عاجزون في الحياة كما في الموت-. أمقُت نفسي وفي هذا المقت أحلم بحياة أخرى ..بموت آخر. وبالنسبة لمساعي أن أكون حكيماُ وهو ما لم أكنه أبداً-،أنا فقط إنسان مجنون مُحاط بالجنون!




ترجمة/شيفا